jo24.net
ويُحسب للقيادة الأردنية أنها تنفتح على قيادات دول بنت احترامها العالمي بالعلم والانضباط وجودة الإدارة، لأن مثل هذه اللقاءات لا تكتسب قيمتها من بعدها البروتوكولي، بل من قدرتها على فتح أبواب شراكات نافعة للدولة والمجتمع والاقتصاد. من هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي النظر إلى العلاقة مع فنلندا. ففنلندا ليست دولة تُذكر على سبيل المجاملة، بل تجربة تستحق أن تُقرأ باحترام. إنها بلد لم يبنِ مكانته بالضجيج، ولا بالادعاء، بل بالتعليم الرصين، والانضباط، والعمل المتقن، والإدارة التي تعرف معنى المؤسسة، والمجتمع الذي يعرف قيمة الجودة. وأنا لا أكتب هذا من إعجاب نظري. لقد زرت فنلندا عدة مرات عام 1981 في أعمال تفتيش مرتبطة بقطاع الاتصالات، ثم عدت إليها بين عامي 1988 و1990 للإشراف على بناء سفينة كابلات. وما استقر في ذاكرتي من تلك التجربة ليس مجرد كفاءة تقنية، بل صورة مجتمع منظم، جاد، يحترم العمل ويحسن أداءه. وما زلت أذكر لافتات الطرق المكتوبة بالفنلندية والسويدية، في مشهد يعكس دولة لا ترتبك من تعددها، بل تحتويه بثقة، وتنظمه بهدوء، وتعتبره جزءًا من هويتها الوطنية. هنا بالذات يكمن الدرس. فالدول القوية لا تخاف من التنوع حين تكون مؤسساتها قوية، وثقافتها ناضجة، وإدارتها قائمة على النظام والاحترام والكفاءة. أما الدول الضعيفة، فتتعب من نفسها قبل أن يتعبها الآخرون. الأردن لا يحتاج إلى توسيع دائرة العلاقات من باب المجاملة، بل إلى حسن اختيار الشراكات التي تضيف إليه شيئًا حقيقيًا. وفنلندا من هذا النوع. فهي تستطيع أن تقدم للأردن خبرة نافعة في التعليم، لا بوصفه قطاعًا خدميًا فقط، بل بوصفه أساسًا لبناء الإنسان المنتج. وتستطيع أن تقدم خبرة في التكنولوجيا والتحديث الرقمي، لا كشعارات عصرية، بل كنظم عمل ومؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج. والأهم من ذلك كله، أنها تستطيع أن تساعد الأردن في رفع مستوى القطاع الإنتاجي الخاص، إذا أحسن الأردن طلب الفائدة، وأحسن بناء العلاقة. ومن هنا، فإن المطلوب ليس كلامًا عامًا عن التعاون، بل خطوات محددة: لجان أردنية فنلندية مشتركة في التعليم والتكنولوجيا والتنمية الصناعية، وفريق خبراء يساعد غرف الصناعة والتجارة على أن تصبح مؤسسات تطوير ورفع تنافسية، لا مجرد مظلات تمثيلية تقليدية. ثم إن العلاقة الجادة تحتاج إلى تمثيل جاد. وإذا كان الأردن يريد فعلًا أن يحول هذه العلاقة إلى مكسب وطني، فمن الطبيعي أن يفكر في سفارة أردنية كاملة في هلسنكي، مع سفير مقيم وملحقين متخصصين في التعليم والعمل والصناعة. فالدبلوماسية لم تعد زينة بروتوكولية، بل أداة لفتح الأبواب، وصناعة الروابط، وبناء المصالح. الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الأردن لا يستطيع أن يبقى معتمدًا على اقتصاد هش، ووظيفة عامة مثقلة، ومساعدات تُستهلك أكثر مما تُستثمر. الأردن يحتاج إلى عقل إنتاجي جديد، وإلى مؤسسات أكثر جدية، وإلى شراكات مع دول تعرف كيف تبني نفسها بالعلم والانضباط والعمل، لا بالخطابة. فنلندا ليست الحل لكل شيء، لكنها مثال محترم على شيء نفتقده كثيرًا في منطقتنا: الجدية. والجدية، في عالم اليوم، ليست صفة أخلاقية فقط، بل أصل من أصول القوة. لهذا، فإن العلاقة مع فنلندا يجب ألا تبقى في حدود المجاملة الدبلوماسية، بل يجب أن تتحول إلى شراكة عملية في التعليم، والتكنولوجيا، والتنمية الصناعية، والتمثيل المؤسسي الفاعل. المسألة، في النهاية، ليست كيف نمدح فنلندا، بل كيف نتعلم منها. إخلاء مسؤولية: يمثل هذا المقال الآراء الشخصية والتفسيرات والاجتهادات المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهو مخصص لأغراض معلوماتية وتثقيفية فقط، ولا يشكل استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان دقة المعلومات، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على ما ورد في هذا المقال. وعلى القراء والمؤسسات أن يمارسوا حكمهم الخاص وأن يكيّفوا ما يرد فيه وفق ظروفهم الخاصة. .
Go to News Site