Collector
قانون 1983 وضع “العمة النخلة” في الحفظ والصون | Collector
قانون 1983 وضع “العمة النخلة” في الحفظ والصون
صحيفة البلاد البحرينية

قانون 1983 وضع “العمة النخلة” في الحفظ والصون

خطوات رقابة منها التفتيش الميداني للبساتين والمزارع لن يجرؤ أحد على قتل “عمتنا النخلة”   هل هناك أحد يجرؤ على قتل “عمتنا النخلة” في جنح الظلام أو تحت الضوء؟ لا شك في أن الإجابة ستكون “مفرحة”، لماذا؟ لأن النخلة في البحرين كانت وما تزال أشبه بعمّة حنونة في ذاكرة المكان؛ تظلّل البيوت وتمنح التمر والغذاء والظل، وتشكّل جزءا من الهوية الزراعية للبلاد التي عُرفت يوما باسم “أمّ المليون نخلة”، لكن هذه “العمّة” العتيقة وجدت نفسها في العقود الأخيرة أمام جريمة صامتة.. جريمة التجريف العمراني الذي ابتلع البساتين وقلّص المساحات الخضراء. وبين الحنين إلى الماضي ومحاولات الحماية القانونية، هل هناك تجاوزات ومخالفات لتجريف النخيل في بعض مناطق البحرين؟ وإن تحدث عنها البعض.. هل هي صحيحة؟ لقد وضعت “البلاد” هذا السؤال تحت المجهر، لكننا نذكر أن صرامة المرسوم بقانون رقم 21 للسنة 1983 الذي يجرّم قطع النخيل أو الإضرار بنموه، وضع “العمة” تحت الحماية.. وفي هذا التحقيق ما يثبت ذلك عبر هذه السطور: النخلة.. ذاكرة البحرين الزراعية تاريخيا وتراثيا، ارتبطت النخلة بحياة البحرينيين منذ قرون طويلة؛ إذ كانت أساس الاقتصاد الزراعي والغذائي، ومصدر رزق لعائلات كثيرة تعمل في زراعة النخيل وجني التمور وصناعاتها. كما استخدم البحرينيون كل أجزاء النخلة تقريبا، من السعف إلى الجذوع وحتى الألياف، في البناء والصناعات التقليدية والأدوات المنزلية. وفي القرى الشمالية من البحرين وغيرها بساتين جميلة، وفي قرى المحرق وعراد، وصولا إلى شارع النخيل، ومرورا ببساتين المنطقة الغربية، وبلوغا إلى الزلاق. كانت البساتين تشكّل حزاما أخضر واسعا يمد القرى بالمياه والظل ويمنح البيئة المحلية توازنا طبيعيا، إلا أن التوسع العمراني وتحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع إسكانية أو استثمارية، أدّيا إلى تقلص هذا الغطاء النباتي بشكل ملحوظ في العقود الماضية.  تشديد بلدي للحماية وجهنا سؤالنا إلى عضو المجلس البلدي للمحرق عن الدائرة السادسة فاضل العود: “هل تعرضت بعض المزارع بالمحرق للتجريف؟”، ليؤكد بالقول إن “البلديات” لا تسمح باقتلاع الأشجار بما فيها النخيل، في مختلف المواقع، بل يشمل هذا المنع حتى الملكيات الخاصة، في إطار الحفاظ على الرقعة الخضراء وتعزيز الاستدامة البيئية. ومع إشارته إلى أن “البلديات” لا تمتلك صلاحية التدخل في الأملاك الخاصة حتى لإزالة الأشجار أو نقلها ما لم يكن هناك سند قانوني واضح ينظم هذه العملية، إلا أنه لم يتم تسجيل مخالفات في دائرته بهذا الشأن؛ فالجهود البلدية تتركز بشكل ملحوظ على زيادة المساحات الخضراء، عبر تنفيذ مشاريع تشجير في الشوارع والمناطق الحيوية، بما يسهم في تحسين المشهد الحضري ورفع جودة الحياة. ولفت إلى أن هذه الجهود تعكس توجها واضحا نحو حماية البيئة وتعزيز الغطاء النباتي، في وقت تتزايد فيه أهمية الاستدامة ومواجهة التحديات المناخية في المنطقة. رمز لوحدة البحرينيين لم يكن المدافعون عن البيئة في غياب عن حمايتها منذ سنين، وهنا رئيسة مجلس إدارة جمعية أصدقاء البيئة د. خولة المهندي، تؤكد أن مملكة البحرين سبقت كثيرا من الدول في الوعي الرسمي بأهمية النخلة البحرينية ومكانتها في الهوية الوطنية، مستشهدة بالمرسوم بقانون رقم 21 للسنة 1983 الذي يجرّم قطع النخيل أو الإضرار بنموه، ويعاقب بالغرامة بل والحبس، وترى أن هذا الاهتمام لم يكن قانونيا فقط، بل امتد إلى الوعي الوطني والثقافي؛ إذ حضرت النخلة بقوة في صرح الميثاق الوطني بوصفها رمزا للاستدامة ووحدة البحرينيين؛ تجسيدا لكلمات صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم بأن النخلة البحرينية ستبقى رمزا لوحدة البحرينيين. علاقة عناية وحب موثقة “النخلة ليست مجرد شجرة مثمرة، بل جزء أصيل من تاريخ البحرين منذ العهد الدلموني”، هكذا تستطرد المهندي: حين كانت العلاقة بين المزارع والنخلة علاقة عناية وحب موثقة في النصوص القديمة، كما كان تمر دلمون من أجود أنواع التمور، وامتدت هذه العلاقة إلى الحاضر عبر “النخلاوية” الذين ورثوا علم النخيل أبًا عن جد، وجعلوا رعايتها لقمة عيش وهوية وجدانية عميقة، حتى شبّهوا حبهم لها بحبهم لبناتهم الصغيرات. وتلفت إلى أن النخلة البحرينية ارتبطت كذلك بالجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية؛ فمنها قامت صناعات تقليدية صديقة للبيئة، مثل السلال المصنوعة من السعف، التي تمثل بديلا مستداما من الأكياس البلاستيكية، وتعكس وعيا بيئيا ومسؤولية اجتماعية، كما أن مزارع النخيل تشكل موائل مهمة للتنوع الحيوي، ومنها البلبل البحريني الطائر الوطني، فضلا عن كونها جزءا من النظم البيئية المرتبطة بالمياه العذبة والزراعات الأخرى. التصدي لأي عمليات تجريف وترى أن دعم الزراعة والنخيل يدخل في صلب الأمن الغذائي، والحد من آثار التغير المناخي، ومقاومة التصحر والتعرية، ولاسيما أن النخيل من أكثر الأشجار تأقلما مع البيئة البحرينية، ومن هنا فإن حماية المزارع والنخيل تعد واجبا وطنيا لا يحتمل التأجيل، وهذا يعني التصدي لأي حالات تجريف للمزارع أو اقتلاع للنخيل، ومحاسبة المخالفين، ووضع آليات واضحة لوقف هذا التدمير الذي يهدد بلدا عُرف يوما بأنه بلد المليون نخلة.  وتستحضر في هذا السياق مزارع بني جمرة وبوري وعذاري والبلاد القديم وعراد، وغيرها من مناطق الحزام الأخضر التي كانت ومازالت تمثل رئة للبحرين وذاكرة زراعية حية. تعطيش النخيل.. خطر بيئي ويصف بعض المهتمين بالشأن الزراعي أنه في السابق من السنين، كانت بعض المزارع، وإن لم يتم تجريفها، فبعضها يتعرض للإهمال “بتعطيشها” حتى تموت تدريجيا، وهذا خطر بيئي لكنه انتهى بفضل تطبيق القانون، لذلك فإن الربط الخاطئ بين التوسع العمراني والتنمية أدى إلى الاعتقاد بأن إزالة البساتين أمر طبيعي، بينما الحقيقة أن التنمية الحديثة في كثير من دول العالم تسعى إلى حماية المساحات الزراعية كونها جزءا من الأمن الغذائي والبيئي.   القانون البحريني يحمي العملية وأدركت البحرين مبكرا أهمية حماية النخيل؛ فصدر المرسوم بقانون رقم 21 للسنة 1983 بشأن حماية النخيل، الذي يعد أهم التشريعات التي تنظم الحفاظ على هذه الشجرة التاريخية. وينص القانون على حظر قطع النخيل أو إتلافه أو الإضرار بنموه إلا بعد الحصول على ترخيص رسمي من الجهة المختصة، ويعد القانون إزالة الأشجار أو تغيير استخدام الأراضي الزراعية على نحو يؤدي إلى إتلاف البساتين مخالفة قانونية، حتى لو قام بذلك مالك الأرض نفسه. ويفرض القانون عقوبات وغرامات على المخالفين، في حال قطع النخيل دون ترخيص.  منع “الإزالة التعسفية” إذًا، تخضع عملية إزالة النخيل إلى تنظيم قانوني واضح، يشير إليه عضو المجلس البلدي للمحرق ممثل الدائرة السابعة أحمد المقهوي، ويهدف لمنع أي تجاوزات أو إزالة تعسفية لهذه الشجرة التي تعد جزءا من التراث الزراعي في البلاد. ويوضح أن هناك حالات مختلفة تواجه الأهالي، فبعض النخيل تكون مائلة أو سقط جزء منها على الأسوار أو المباني، وقد تنمو بعض الأشجار في مواقع غير مناسبة مثل داخل الأحواش أو بالقرب من المباني الجديدة؛ ما يستدعي أحيانا نقلها أو إزالتها وفق إجراءات قانونية. فقدان مواقع جميلة ويستطرد المقهوي موضحا “إن المشكلة لا تكمن في مبدأ التنظيم، بل في بعض الحالات التي يحاول فيها أفراد إزالة النخيل دون الرجوع إلى الجهات المختصة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان مواقع جميلة كانت تحتوي على بساتين أو تجمعات نخيل مميزة”، لكنه يعبر عن الارتياح من أن البحرين تشهد اهتماما متزايدا بالبيئة والزراعة، إذ أطلقت الجهات المعنية حملات زراعية تهدف إلى تكثيف المساحات الخضراء وتشجيع الزراعة المحلية؛ الأمر الذي يعكس توجها واضحا للحفاظ على الأشجار والنخيل كونها جزءا من التوازن البيئي. ويختم بالإشارة إلى أن التعاون مع الجهات الرسمية، خصوصا البلديات والجهات الزراعية، يسهم في حل كثير من المشكلات المتعلقة بالنخيل، علاوة على أن التواصل المباشر غالبا ما يؤدي إلى استجابة سريعة لمعالجة الحالات الطارئة أو تنظيم عمليات الإزالة أو النقل بطريقة قانونية وآمنة؛ فالهدف في النهاية ليس إزالة النخيل، بل تنظيم التعامل معه وحمايته بحيث تبقى هذه الشجرة التاريخية حاضرة في المشهد البيئي والعمراني في البحرين. آلية الرقابة والتطبيق وتتولى الجهات المختصة في شؤون الزراعة متابعة تطبيق القوانين المتعلقة بحماية النخيل والأراضي الزراعية، ويُمنح بعض موظفي الزراعة صفة مأموري الضبط القضائي؛ ما يسمح لهم برصد المخالفات وتحرير محاضر بحق المخالفين وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة.  وتشمل آلية العمل عادة خطوات عدة منها التفتيش الميداني للبساتين والمزارع للتأكد من سلامة الأشجار وعدم تعرضها للإزالة غير القانونية، وإصدار التراخيص في الحالات التي تتطلب إزالة نخلة لأسباب فنية أو صحية، مثل الإصابة بالآفات الزراعية، وتحرير المخالفات في حال ثبوت قطع النخيل أو تجريف الأرض الزراعية دون تصريح، وإحالة المخالفات للقضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية وتطبيق العقوبات، كما تعمل الجهات الزراعية على مكافحة آفات النخيل مثل سوسة النخيل الحمراء، إضافة إلى برامج إعادة إحياء البساتين وتشجيع الزراعة المحلية. ختاما، عمتنا النخلة البحرينية في رعاية القانون للحفاظ على ما تبقى من البساتين، وربط ذلك ببرامج الأمن الغذائي والتوازن البيئي، خصوصا أن البحرين تعمل على تعزيز استدامة الأنظمة الزراعية وإحياء بساتين النخيل ضمن استراتيجياتها البيئية.

Go to News Site