صحيفة البلاد البحرينية
تحرك جيروم باول وسكوت بسينيت يعكس إدراكًا عالميًّا بأن الذكاء الاصطناعي قد يضغط على الاستقرار المالي الأنظمة التقليدية في البنوك قد تتحول إلى نقاط ضعف مع قدرة النماذج المتقدمة على كشف ثغرات متزامنة نعيش لحظة عالمية دقيقة تتسارع فيها تطورات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفرض على الجهات التنظيمية والمالية إعادة تعريف مفهوم الاستقرار المالي نفسه. فبعد أن أطلقت شركة Anthropic نموذجها المتقدم “Mythos” ضمن نطاق محدود بسبب قدرته الاستثنائية على اكتشاف واستغلال ثغرات غير مرئية في أنظمة التشغيل والمتصفحات، سارع رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول ووزير الخزانة سكوت بسينيت إلى الاجتماع مع كبرى البنوك الأميركية لبحث التداعيات المحتملة على الأمن السيبراني والاستقرار المالي. وتعكس هذه التطورات حقيقة أن المخاطر الناشئة من الذكاء الاصطناعي لم تعد شأناً تقنياً يقتصر على إدارات أمن المعلومات، بل أصبحت ملفاً رقابياً ذا أبعاد نظامية تمس سلامة القطاع المالي بأكمله. ومن هذا المنطلق، تبرز أمام البحرين فرصة استراتيجية لتأكيد ريادتها كمركز مالي إقليمي متقدم عبر تحرك استباقي تقوده الجهات الرقابية والمؤسسات المالية. فالمملكة التي رسخت مكانتها في الابتكار المالي والتشريعي قادرة اليوم على الانتقال من مرحلة المتابعة إلى مرحلة المبادرة، عبر فتح حوار وطني مبكر مع البنوك البحرينية حول المخاطر السيبرانية النظامية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قبل أن تتحول هذه المخاطر إلى تهديدات تشغيلية أو سمعة مؤسسية يصعب احتواؤها لاحقاً. وفي هذا السياق، يكتسب تقرير مايكل سيمبالست الصادر في 13 أبريل عن JPMorgan أهمية خاصة، حيث يسلط الضوء على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل أصبح عاملاً مضاعفاً للمخاطر السيبرانية، خصوصاً في ظل اعتماد العديد من المؤسسات المالية على أنظمة قديمة تشكل نقاط ضعف كامنة. ويشير التقرير إلى أن الفجوة بين سرعة تطور النماذج المتقدمة وقدرة الأطر التنظيمية على مواكبتها قد تتسع بشكل مقلق، ما يخلق بيئة تزداد فيها المخاطر النظامية دون جاهزية كافية لاحتوائها. كما يحذر من أن قدرة هذه النماذج على اكتشاف ثغرات عميقة ومتزامنة قد تضغط على البنية التحتية المالية بشكل غير مسبوق، ما يستدعي تحركاً استباقياً لتحديث الأنظمة وتعزيز أدوات الدفاع قبل اتساع نطاق الاستخدام. وفي موازاة ذلك، يبرز ما يُعرف بمشروع Project Glasswing كأحد النماذج المتقدمة في التفكير الاستباقي لمواجهة هذا النوع من المخاطر. يقوم هذا التوجه على فكرة “الرؤية الشاملة للنظام المالي” عبر استخدام أدوات تحليل متقدمة لرصد الترابطات الخفية بين البنوك والبنية التحتية الرقمية، بما يسمح بتحديد نقاط الضعف التي قد تتحول إلى مخاطر نظامية قبل أن تظهر فعلياً. الأهمية هنا تكمن في الانتقال من حماية كل مؤسسة بشكل منفصل إلى فهم المخاطر على مستوى النظام المالي ككل، وهو تحول جوهري في فلسفة الرقابة. كما يعكس هذا المشروع اتجاهاً نحو دمج الذكاء الاصطناعي في العمل الرقابي نفسه، بحيث لا تكتفي الجهات التنظيمية بوضع الأطر، بل تستخدم أدوات تحليل متقدمة لمحاكاة سيناريوهات اختراق واسعة النطاق وتأثيرها على السيولة والثقة واستمرارية الأعمال. هذا النهج يفتح الباب أمام تطوير اختبارات ضغط سيبرانية أكثر واقعية، قادرة على قياس قدرة القطاع المالي على الصمود أمام هجمات متزامنة أو مترابطة. ومن شأن تبني مقاربة مماثلة في البحرين أن يعزز من قدرة الجهات الرقابية على الانتقال من الرقابة التقليدية إلى رقابة تنبؤية قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي. اللافت في المقاربة الأميركية أنها لا تركز على التحذير فقط، بل بدأت في تبني حلّين استراتيجيين عاليي المستوى يمكن للبحرين الاستفادة منهما. الأول هو الحصر المنضبط للوصول إلى النماذج فائقة القدرة، بحيث يتم قصر استخدامها على عدد محدود من المؤسسات التقنية والبنى التحتية الحيوية لمنحها “أفضلية زمنية دفاعية” لتصحيح الثغرات قبل اتساع دائرة الاستخدام. والثاني هو إلزام المؤسسات المالية بمراجعة عاجلة للهندسة الدفاعية للأنظمة الحرجة، خصوصاً أنظمة المدفوعات، إدارة الهوية، وقنوات الربط مع الأطراف الثالثة، مع توسيع اختبارات الضغط لتشمل سيناريوهات اكتشاف ثغرات متزامنة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهذا تحديداً ما سعى إليه اجتماع وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي مع الرؤساء التنفيذيين للبنوك، لضمان الوعي بالمخاطر واتخاذ إجراءات دفاعية استباقية. في السياق البحريني، تكمن حساسية هذه المخاطر في الطبيعة المترابطة للقطاع المالي، حيث تعتمد البنوك على شبكات مدفوعات وتسويات وقنوات رقمية مشتركة، ما يجعل أي خلل سيبراني واسع النطاق قابلاً للتحول سريعاً من حادثة تشغيلية محدودة إلى ضغط على الثقة والسيولة وسمعة القطاع ككل. ومع تسارع استخدام الحلول السحابية والربط مع مزودي الخدمات والأطراف الثالثة، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في الاختراق ذاته، بل في سرعة انتقال أثره بين المؤسسات بما قد يفرض تحديات على استمرارية الأعمال وطمأنة المودعين والمستثمرين في لحظات حساسة. لذلك، فإن المطلوب اليوم هو إطلاق منصة حوار مؤسسي تضم البنوك المحلية، وشركات الاتصالات، ومزودي الخدمات السحابية، بهدف تقييم “المخاطر النظامية الرقمية”، مع تبني نسخة محلية من النهج الأميركي تقوم على الوصول المقيد للنماذج المتقدمة، واختبارات ضغط سيبراني وطنية، وآلية إنذار مبكر مشتركة لتبادل مؤشرات الاختراق والثغرات الحرجة بشكل لحظي. الخلاصة أن البحرين تملك اليوم فرصة استباقية نادرة. فالمخاطر تتطور بسرعة تفوق الأطر التقليدية، لكن المبادرة المبكرة ستعزز الثقة في صلابة القطاع المالي الوطني، وتؤكد أن المملكة لا تنتظر الأزمات، بل تستبقها بسياسات ذكية تحفظ الاستقرار المالي وتكرس موقعها كمركز مالي قادر على استيعاب مخاطر المستقبل قبل وقوعها.
Go to News Site