Collector
دافنشي من منظور بحريني: قراءة نقدية في عبقرية عصر النهضة | Collector
دافنشي من منظور بحريني: قراءة نقدية في عبقرية عصر النهضة
صحيفة البلاد البحرينية

دافنشي من منظور بحريني: قراءة نقدية في عبقرية عصر النهضة

ضمن البرامج المصاحبة لمعرض "الفن بأسعار ميسّرة" الُمقام في عكاس جاليري، وتحت إشراف الفنانة التشكيلية زكية زادة، احتضنت القاعة جلسة نقاشية فنية ثرية بعنوان "دافنشي من منظور بحريني"، قدّمها الفنان التشكيلي القدير عدنان الأحمد، وسط حضور مهتم بالشأن الفني والثقافي. وجاءت الندوة كرحلة معرفية عميقة في تاريخ الفن، حيث استعرض الأحمد ملامح عصر النهضة، بوصفه مرحلة مفصلية شهدت تحولات جذرية في الفكر الإنساني والفن التشكيلي، واصفًا إياه بـ"عصر العباقرة" الذي أعاد الاعتبار للإنسان والعلم والجمال. أوضح الأحمد أن عصر النهضة بدأ في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر، وبلغ ذروته في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث برزت أسماء خالدة مثل ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ورافاييل، الذين شكّلوا أعمدة الفن الكلاسيكي الأوروبي. وأشار إلى أن هذا العصر لم يكن فنيًا فقط، بل كان نهضة شاملة في العلوم والفلسفة، حيث أعيد اكتشاف التراث اليوناني والروماني، وازدهرت الدراسات العلمية مثل التشريح والمنظور، ما انعكس بشكل مباشر على دقة الأعمال الفنية. توقف الأحمد مطولًا عند شخصية دافنشي، معتبرًا إياه نموذجًا للفنان العالم، حيث جمع بين الرسم والهندسة والتشريح والفيزياء. وتناول أشهر أعماله، وعلى رأسها لوحة الموناليزا، التي لا تزال تحيط بها العديد من القراءات والتحليلات. وبيّن أن سر ابتسامة الموناليزا يعود إلى تقنية "السفوماتو" التي استخدمها دافنشي، حيث تتبدل تعابير الوجه تبعًا لزاوية النظر، وهو ما يفسر الإحساس المتغير بين الحزن والفرح. كما أشار إلى أن هوية الشخصية ما تزال محل نقاش، ويرجح كثير من الباحثين أنها " ليزا غيرارديني"، وليس هناك دليل علمي قاطع على أنها المرأة الوحيدة في حياته أو أنها صورة ذاتية. وأضاف أن اللوحة محفوظة اليوم في متحف اللوفر، وقد تعرضت بالفعل لحادثة سرقة شهيرة عام 1911 قبل أن تُستعاد، ما زاد من شهرتها العالمية. وفي تحليله للوحة ( العشاء الأخير) ، أوضح الأحمد أن دافنشي قدّم معالجة مختلفة لهذا الموضوع الديني، حيث اختار لحظة إعلان المسيح عن خيانة أحد تلاميذه، ما أضفى بعدًا دراميًا وإنسانيًا على اللوحة. وأشار إلى أن العمل يقع في دير سانتا ماريا ديللي غراتسي في ميلانو، وليس في فلورنسا، وأن دافنشي قسّم التلاميذ إلى مجموعات ثلاثية، في تكوين مدروس يعكس التوتر والانفعال، بينما صوّر "يهوذا" بملامح منغلقة وظلال داكنة، في إشارة رمزية إلى الخيانة. كما تطرّق إلى لوحة (مدرسة أثينا) للفنان رافاييل، التي تُعد تجسيدًا بصريًا للفكر الفلسفي، حيث ضمّت أعلام الفلسفة مثل أفلاطون وأرسطو في مركز التكوين، في دلالة على التوازن بين المثالية والواقعية. وأكد الأحمد خلال الندوة أن النهضة الأوروبية لم تكن معزولة، بل تأثرت بشكل كبير بالمعارف القادمة من الحضارة الإسلامية، مشيرًا إلى إسهامات علماء مثل ابن سينا وابن رشد في نقل العلوم الطبية والفلسفية، إضافة إلى دور الرياضيات والكيمياء في تطوير تقنيات الرسم وصناعة الألوان. وتطرق إلى تطور الفن لاحقًا وصولًا إلى عصر الباروك في القرن السابع عشر، حيث اتسم الفن بالحركة والدرامية، قبل أن يشهد القرن التاسع عشر تحررًا أكبر في التعبير الفني. كما أشار إلى دور الفن في توثيق التحولات الاجتماعية، مستشهدًا بتجارب فان جوخ الذي جسّد معاناة الفقراء والطبقات البسيطة، مؤكدًا أن الفن يظل مرآة صادقة للمجتمع. وفي تصريح لها على هامش الندوة، أكدت الفنانة التشكيلية ومنسقة المعرض زكية زادة أن المعرض يأتي برؤية تهدف إلى جعل الفن أكثر قربًا من المجتمع، داعية الجمهور إلى زيارة المعرض والتعرّف على تنوع المدارس والتجارب الفنية المشاركة. وأضافت: "حرصنا على أن يكون الفن متاحًا للجميع بأسعار ميسّرة، لأن الفن جزء من الحياة اليومية وليس حكرًا على فئة معينة. وهدفنا الأسمى أن يوجد في كل بيت بحريني عمل فني لفنان أو فنانة محليين، دعمًا للحركة التشكيلية وتعزيزًا لسوق الفن في مملكة البحرين". وشهدت الندوة حضورًا لافتًا من نخبة من الفنانين التشكيليين، حيث تواجد عدد من الفنانين المشاركين بأعمالهم ضمن المعرض، إلى جانب حضور فنانين آخرين من خارج قائمة المشاركين، حرصوا على التواجد للاستفادة من الطرح المعرفي والنقاش الفني الثري الذي قدّمه الفنان عدنان الأحمد. وقد عكس هذا الحضور المتنوع حالة من التفاعل الثقافي والحوار المفتوح بين الأجيال والتجارب الفنية المختلفة، مؤكدًا أهمية هذه اللقاءات في تعزيز الوعي النقدي وتبادل الخبرات داخل الوسط التشكيلي. اختتمت الندوة بتأكيد أهمية الثقافة والمعرفة في تشكيل وعي الفنان، وأن فهم تاريخ الفن، خصوصًا عصر النهضة، يمثل مدخلًا أساسيًا لتطوير التجربة التشكيلية المعاصرة وأن استحضار تجارب كبرى مثل تجربة ليوناردو دافنشي لا يزال يشكّل مصدر إلهام للفنانين المعاصرين، وأن فهم تاريخ الفن يمثل ركيزة أساسية لبناء مشهد تشكيلي واعٍ ومتجدد، في ظل سعي متواصل لربط الفن بالمعرفة والهوية الثقافية.

Go to News Site