Shafaq News
شفق نيوز- كركوك مع عودة الأمطار ووفرتها بكثرة في الموسم الحالي، تغيّرت ملامح الطبيعة على الطريق الرابط بين كركوك ومدن إقليم كوردستان، وبدأت الأرض تستعيد لونها الأخضر بعد سنوات من الجفاف، لترسم مشهداً طبيعياً لافتاً جذب أنظار الأهالي ودفع العائلات إلى الخروج نحو المناطق المفتوحة لقضاء أوقاتهم في أحضان الطبيعة. وعند التوجه شمالاً باتجاه أربيل أو السليمانية في إقليم كوردستان، تتبدّل الأجواء بشكل ملحوظ، إذ تنخفض درجات الحرارة نسبياً، وتزداد نسبة الغطاء النباتي، فيما تتحول الأراضي القريبة من ناحية قره نجير إلى لوحات خضراء تمتد على مدّ النظر، تتخللها جداول المياه التي عادت للجريان بعد انقطاع طويل. وتحتاج الرحلة من كركوك إلى نحو 20 دقيقة فقط للتمتع بهذا التغيير البيئي، حيث تنتشر المساحات الخضراء وتزداد كثافة الأشجار والنباتات البرية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مواسم الربيع التي غابت لسنوات بسبب شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثّرت على المنطقة. ويقول أحد سكان كركوك، حمد جاسم، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن هذا العام مختلف تماماً عن السنوات الماضية، فالأمطار أعادت الحياة إلى الأرض، وأصبحت العائلات تخرج في أيام العطل للاستمتاع بالطبيعة، بعد أن كانت هذه المناطق جافة وخالية من أي مظهر جمالي. ويوضح جاسم، أن المناظر الحالية تعيد ذكريات جميلة عن فصول الربيع السابقة، حيث كانت الخضرة تغطي معظم الأراضي، لكن الجفاف خلال السنوات الأخيرة أثّر بشكل كبير على هذا المشهد، قبل أن تعود الحياة مجدداً هذا الموسم. من جانبها، تؤكد الموظفة في وزارة المالية، سندس البياتي، أن التحسن في الطقس وعودة الأمطار شجّعا الكثير من العائلات على الخروج من المنازل، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، إذ أصبحت هذه المناطق وجهة مفضلة للتنزه بعيداً عن صخب المدينة. وتقول البياتي، لوكالة شفق نيوز، إن الأجواء المعتدلة والمناظر الطبيعية الخلابة توفر فرصة للاستجمام النفسي، خصوصاً بعد فترات طويلة من الجفاف والحرارة المرتفعة التي أثّرت على نمط الحياة اليومية للسكان. ولا تقتصر آثار الأمطار على الجانب الجمالي فحسب، بل تمتد إلى إحياء النشاط الزراعي في المناطق المحيطة، حيث بدأ بعض المزارعين بالاستعداد لمواسم زراعية أفضل مقارنة بالأعوام السابقة، مستفيدين من تحسن رطوبة التربة وامتلاء بعض المسطحات المائية. معدلات الأمطار التي سُجلت هذا الموسم أسهمت بشكل واضح في تحسين الواقع المائي، سواء من حيث تغذية الجداول والأنهار الصغيرة أو زيادة الخزين في بعض السدود، بحسب ما يوضحه مدير الموارد المائية في كركوك، زكي كريم. ويؤكد كريم في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن عودة جريان المياه في بعض المجاري الطبيعية التي كانت جافة لسنوات تمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن الوضع المائي، إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى إدارة مستدامة للموارد، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة. ويشير كريم، الى أن الاستفادة من هذه الوفرة المؤقتة يجب أن تكون عبر خطط مدروسة، تشمل الحفاظ على المياه وتقليل الهدر، إلى جانب دعم القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل كبير على الأمطار في مثل هذه المناطق. من جهته، يقول المختص في الشأن البيئي، علي أحمد، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن التحسن الملحوظ في الغطاء النباتي هذا الموسم يعكس استجابة سريعة للنظام البيئي بعد سنوات من الإجهاد الناتج عن الجفاف. ويضيف أحمد، أن "الأمطار الأخيرة أسهمت في إنعاش التربة وزيادة التنوع النباتي، وهو ما ينعكس إيجاباً على الحياة البرية أيضاً". ويوضح، أن عودة الخضرة لا تعني انتهاء المخاطر البيئية، إذ ما تزال المنطقة تواجه تحديات تتعلق بالتصحر والتغير المناخي، ما يتطلب وضع خطط طويلة الأمد للحفاظ على هذا التعافي ومنع تراجعه مستقبلاً. ويلفت أحمد، إلى أن الاستثمار في الموارد الطبيعية يجب أن يكون متوازناً، من خلال حماية الغطاء النباتي ومنع الرعي الجائر، إضافة إلى تنظيم استخدام المياه، بما يضمن استدامة هذه الموارد للأجيال المقبلة. كما أسهمت هذه الأجواء في تنشيط الحركة السياحية الداخلية، إذ لوحظ تزايد أعداد الزائرين إلى المناطق القريبة من كركوك، خاصة تلك الواقعة على الطرق المؤدية إلى إقليم كوردستان، حيث تتوفر المساحات المفتوحة والمناظر الطبيعية التي تجذب الباحثين عن الهدوء والراحة. ويرى مختصون أن استمرار هطول الأمطار خلال المواسم المقبلة سيعزز من استقرار النظام البيئي في المنطقة، ويسهم في تقليل آثار التصحر، الذي بات يشكل تحدياً حقيقياً خلال السنوات الماضية. ومع هذا التحول، يأمل الأهالي أن تستمر هذه المشاهد الطبيعية، وأن لا تكون مجرد حالة موسمية عابرة، بل بداية لعودة التوازن البيئي الذي افتقدته مناطق واسعة من شمال العراق، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. وبينما تكسو المساحات الخضراء أطراف كركوك من جديد، تبقى هذه المشاهد رسالة أمل تعكس قدرة الطبيعة على التعافي، إذا ما توفرت الظروف المناسبة، وجرى التعامل معها بوعي يحافظ على مواردها للأجيال القادمة.
Go to News Site