صحيفة البلاد البحرينية
عبدالنبي الشعلة: الخليج لاعب عاقل في صراع معقد... لا ينجرف ولا يتراجع د.عائد المناع: ما حدث “استوجب” إدانة فورية وواضحة من الدول العربية والإسلامية دون انتظار أو تردد فيصل الحمد: دول الخليج أعلنت بوضوح عدم انخراطها في الصراع وسعت إلى دعم المسارات الدبلوماسية د.أحمد سيد أحمد: أمن الخليج يمثل جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي ولا يمكن فصله بأي حال “لحظة اختبار، ومواقف غير متوقعة”.. هكذا يبدو المشهد، كاملا أم ناقصا! فمنذ بدء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، تصاعدت التوترات الإقليمية لا سيما مع استهداف أمن واستقرار دول الخليج، وكانت التوقعات تتجه نحو موقف عربي وإسلامي موحّد، يعكس الحد الأدنى من التضامن السياسي. غير أن الواقع جاء مغايرًا. فبينما سارعت بعض الدول إلى الإدانة الواضحة، اختارت دول أخرى لغة دبلوماسية فضفاضة، تدعو إلى “ضبط النفس” و”تجنب التصعيد”، دون تسمية المعتدي أو تحديد المسؤوليات، هذا الموقف، وإن بدا متوازنًا في ظاهره، اعتبرته عواصم خليجية حيادًا سلبيًا، بل أقرب إلى التخلي في لحظة حرجة. ولعل السؤال هو :”بين الحياد والخذلان: لماذا صمتت بعض الدول العربية والإسلامية في لحظة الخليج الحرجة؟”، ذلك لأن المواقف لا تقاس بالتصريحات الرسمية فحسب، بل تُقرأ بين سطور الصمت.. الصمت هنا ليس فراغًا، بل موقفٌ مكتمل الأركان، وهذا ما شعرت به دول مجلس التعاون الخليجي وهي تراقب مواقف بعض الدول العربية والإسلامية، التي اختارت الحياد أو الاكتفاء ببيانات عامة، في وقتٍ كانت فيه المنطقة تواجه تصعيدًا خطيرًا وعدوانًا مباشرًا. في تحقيق “البلاد”، نحاول تفكيك هذا المشهد المعقّد: لماذا اختارت بعض الدول الحياد؟ ولماذا اعتبرته دول الخليج خيبة أمل؟ وهل الحياد خيار سيادي مشروع أم انسحاب من مسؤولية أخلاقية وسياسية؟ الشعلة: تجنب المواجهة الأوسع لقد أدركت دول الخليج منذ البداية أن هذه الحرب، وإن لم تكن طرفًا فيها، فإنها ستكون من أكثر المتأثرين بها بحكم الجغرافيا وموقعها في قلب منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وفي هذا المسار، يؤطر رئيس مجلس إدارة مؤسسة “البلاد” الإعلامية عبدالنبي عبدالله الشعلة بروز توجه خليجي نحو تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتنويع التحالفات، وتقوية منظومات الدفاع والتعاون الأمني، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات الحوار لتجنب الانزلاق إلى مواجهات أوسع. المصالح وليس “الصراعات” ويرتكز الشعلة على عدة عوامل تبدأ بالاستقرار الاقتصادي الذي حققته دول الخليج خلال السنوات الماضية والذي عنصرًا محوريًا في هذه المرحلة؛ فهو لا يمثل فقط نجاحًا داخليًا، بل ورقة قوة في إعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة لا الصراعات، وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج أكثر ميلًا إلى بناء بيئة إقليمية قائمة على التكامل، لكنها في الوقت ذاته أكثر حذرًا في التعامل مع أي تهديد مباشر لأمنها. إدارة العلاقات الإقليمية هل هناك موقف موحد تبنته دول الخليج منذ بدء الاعتداءات الإيرانية الآثمة؟ والإجابة كما أثارها الشعلة في أحد مقالاته أنه منذ اندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تبنّت دول الخليج موقفًا حذرًا قائمًا على رفض التصعيد وتجنب الانخراط المباشر، انطلاقًا من إدراكها لطبيعة المنطقة الحساسة وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية، يستدرك ليقول :”غير أن التطورات الميدانية، خصوصًا امتداد الضربات الإيرانية إلى أهداف مدنية وبنى تحتية داخل بعض دول الخليج، فرضت واقعًا جديدًا أعاد تشكيل النظرة الخليجية تجاه إدارة علاقاتها الإقليمية”. ضمان الأمن والتوازن وسط هذه المعادلة، تبرز أهمية الوساطات الإقليمية والدولية، حيث تسعى دول مثل سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وتركيا إلى إبقاء نافذة الحوار مفتوحة. فدول الخليج، وهي تعيد تشكيل علاقاتها، لا تبحث عن التصعيد، بل عن استقرار مستدام يضمن أمنها ويحفظ توازن المنطقة. انتهاك لكل القوانين الدولية ويتجه الأكاديمي والكاتب الكويتي د.عايد المناع إلى إعادة شرح ما تعرضت له دول مجلس التعاون الخليجي كعدوان غير مبرر، مشيرًا إلى أن المشهد من الكويت شمالًا إلى سلطنة عمان جنوبًا يكشف عن قصف متواصل بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يستهدف البنية التحتية وأرواح المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، في انتهاك واضح لكل الأعراف والقوانين الدولية. ولم يصدر من مجلس التعاون أي عمل عدائي تجاه إيران، سواء بشكل مباشر أو عبر القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، لافتًا إلى أن الوجود الأميركي لا يمكن اعتباره مبررًا لاستهداف دول مستقرة لم تكن طرفًا في أي تصعيد عسكري، لهذا، فإن ما حدث (كان يستوجب إدانة فورية وواضحة من الدول العربية والإسلامية، دون انتظار أو تردد)، على اعتبار أن العدوان لا يحتاج إلى مشاورات طويلة أو حسابات زمنية، بل إلى موقف أخلاقي وسياسي حاسم يميّز بين المعتدي والمعتدى عليه”. مخططة ومعدة مسبقًا! ويضع المناع محاولة محاولة المساواة بين الطرفين تمثل خللًا في قراءة الواقع، فدول الخليج لم تبادر بأي عدوان، بل عُرفت بسياساتها المتزنة وعلاقاتها الطبيعية مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران، التي لم تكن بينها وبين دول المجلس حالة عداء تصل إلى مستوى الحرب، أما استهداف القواعد الأميركية، وفق ما يُدّعى، فهذا لا يبرر ضرب منشآت دول مجلس التعاون! كما أن الهجمات طالت قطاعات حيوية تشمل النفط والمطارات والمصارف ومحطات تحلية المياه والموانئ وحتى المعسكرات، ما يعكس نهجًا عدائيًا ممنهجًا يستهدف مقدرات الدول واستقرارها، على أن هذه العمليات تبدو مخططة ومعدة مسبقًا، ولا ترتبط بردود فعل آنية على تطورات الحرب، وهذا يفرض على الدول الشقيقة والصديقة موقفًا أكثر وضوحًا وجرأة. ويقرأ الصورة الكاملة من خلال المرحلة التي كانت تتطلب تحركًا عربيًا وإسلاميًا سريعًا وقويًا، ليس فقط لإدانة العدوان، بل لإعلان الاستعداد لتقديم الدعم الكامل لدول الخليج، فالتررد أو الحياد في مثل هذه الظروف – يرى المناع - لا يخدم الاستقرار، بل يضعف منظومة التضامن الإقليمي في لحظة هي بأمسّ الحاجة إلى الوضوح والوحدة. دائرة صراع “أسوأ” نربط ما طرحه الدكتور المناع وبين ما تناوله الخبير العسكري السعودي فيصل الحمد في مشاركة له بحوار ضمن برنامج “ديوان المديفر” في شهر مارس 2026 أكد فيه أن ما تشهده المنطقة ليس مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل محاولة مدروسة لجرّ الخليج إلى دائرة صراع أوسع، سواء عبر مواجهة شاملة أو عبر إبقائه في حالة توتر مستمر، بما يفتح الباب أمام ضغوط دولية متزايدة على دوله. و أحد أبرز أهداف هذا النهج يتمثل في استخدام الخليج كورقة ضغط غير مباشرة على الولايات المتحدة الأميركية، مستندًا إلى الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، التي تمر عبرها أهم طرق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي اضطراب فيها ينعكس فورًا على الاقتصاد الدولي، لكن الأخطر من وجهة نظر الحمد هو نمط الاستهداف الذي لم يعد يقتصر على القواعد العسكرية، بل امتد ليشمل منشآت مدنية حيوية، مثل المطارات والفنادق والمناطق السكنية، وهو ما يثير تساؤلات حقيقية حول طبيعة الأهداف ودقتها، ويعكس اتساع دائرة العمليات بشكل يخرج عن الإطار العسكري التقليدي. تعقيد المشهد الإقليمي لذلك، فإن الحمد يلفت إلى أن دول الخليج أعلنت بوضوح عدم انخراطها في الصراع، بل سعت إلى دعم المسارات الدبلوماسية، كما في الجهود التي قادتها سلطنة عمان بدعم خليجي، يضعف أي مبرر لهذه العمليات، ويؤكد أن الهدف يتجاوز المواجهة المباشرة إلى محاولة فرض واقع إقليمي ضاغط، ثم أن توسيع رقعة الاستهداف ليشمل دولًا ومنشآت غير منخرطة في العمليات العسكرية من شأنه تعقيد المشهد الإقليمي، ورفع مستوى المخاطر، ليس فقط على أمن المنطقة، بل على استقرار الاقتصاد العالمي ككل. عن موقف “مصر” “منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب وما رافقها من اعتداءات إيرانية غاشمة على دول الخليج، أدانت مصر بشكل واضح وصريح هذه الهجمات، واعتبرتها اعتداءات غير مبررة ومخالفة للقانون الدولي، في دلالة على رفض القاهرة لأي تهديد يستهدف استقرار المنطقة أو أمن دولها”.. هذا ما قاله خبير العلاقات الدولية بـمؤسسة الأهرام الدكتور أحمد سيد أحمد، خلال مداخلة على قناة القاهرة الإخبارية، معيدًا التأكيد على أن الموقف المصري تجاه ما تتعرض له دول الخليج (موقف ثابت واستراتيجي، وليس وليد اللحظة أو مرتبطًا بتطورات الحرب الأخيرة) فأمن الخليج يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وامتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، ولا يمكن بأي حال الفصل بينهما”. ويتطرق إلى ما أسماه “مفارقة لافتة”، وهي تكمن في طبيعة الأهداف التي طالتها الهجمات، حيث إن نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول الخليج أصابت منشآت مدنية وخدمية، تشمل مطارات ومحطات وقود وخزانات ومرافق حيوية، ما يؤكد أن الاستهداف لم يكن عسكريًا بحتًا، بل طال البنية المدنية بشكل مباشر، لكن مصر ستظل داعمة لأمن واستقرار دول الخليج، انطلاقًا من وحدة المصير العربي، ورفضًا لأي محاولات لزعزعة هذا الاستقرار أو إدخال المنطقة في دوامات صراع جديدة لا تخدم شعوبها ولا مستقبلها. الحياد.. قراءة في الدوافع مع جمع محاور عديدة مما تناوله المتخصصون، واستنادًا إلى أن الحياد في العلاقات الدولية ليس ظاهرة جديدة، لكنه في السياق العربي والإسلامي يحمل أبعادًا أكثر تعقيدًا، يبدو أن الدول التي اختارت هذا المسار لم تفعل ذلك عبثًا، بل استنادًا إلى حسابات دقيقة، يمكن تلخيصها في عدة عوامل منها التوازنات الإقليمية الحساسة بالنسبة لبعض الدول التي ترتبط بعلاقات سياسية أو اقتصادية مع أطراف النزاع، ما يجعلها تتجنب الانحياز الصريح خشية خسارة هذه العلاقات أو الدخول في صراعات غير محسوبة. أكثر هشاشة.. أقل قدرة أما بالنسبة للهواجس الداخلية، فهناك دول تعاني من هشاشة سياسية أو اقتصادية، يُنظر إلى أي موقف حاد على أنه مغامرة قد ترتد داخليًا، خاصة إذا كان مرتبطًا بصراعات إقليمية معقدة، يضاف إلى ذلك إرث الانقسامات العربية حيث المنطقة لم تتعاف بعد من تراكمات الخلافات السابقة، ما جعل مفهوم “العمل العربي المشترك” أكثر هشاشة، وأقل قدرة على إنتاج مواقف موحدة، فيما بعض الأنظمة تتبنى سياسة “الانتظار والمراقبة” معتبرة أن الانحياز المبكر قد يكون مكلفًا، خصوصًا في صراعات لم تتضح مآلاتها بعد. في المقابل، لم تنظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى هذه المواقف باعتبارها “حيادًا مشروعًا”، بل رأت فيها تراجعًا عن مبدأ التضامن الذي لطالما شكّل ركيزة في العلاقات العربية والإسلامية، بمثابة اختبار حقيقي للروابط والعلاقات التي بدت أضعف مما هو متخيل، ذلك لأنه في القضايا الوجودية لا يُفسَّر كحكمة، بل كتنصل من المسؤولية، وهذا الشعور بالخذلان لم يكن سياسيًا فقط، بل حمل بعدًا نفسيًا ومعنويًا، خاصة في ظل قناعة خليجية بأن دعم هذه الدول لم يكن يومًا مشروطًا، سواء في الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو حتى الإنسانية. قراءة استراتيجية في موقع دول الخليج وسط التحولات الإقليمية أليكس ماترسون: أقترح أن تغادر دول الخليج “الجامعة العربية”! يقدّم المستشار السويدي والأكاديمي الممارس واستراتيجي الأعمال الدولية أليكس ماترسون AEX MATRSSON قراءة معمقة لموقع دول الخليج في معادلة الصراع، مسلطًا الضوء على خصوصية التجربة الخليجية في إدارة الأزمات، وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار رغم الضغوط الخارجية، كما يتناول أداء المنظومات الإقليمية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، مقابل صعود الدور الخليجي كفاعل دولي موثوق، ويطرح الحوار جملة من التساؤلات الاستراتيجية حول جدوى الأطر التقليدية، ومستقبل التكامل الإقليمي، والخيارات المتاحة أمام دول الخليج لتعزيز حضورها العالمي وبناء نموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة وهنا تفاصيل الحوار: الخليج في قلب العاصفة * كيف تصفون طبيعة الصراع الدائر في المنطقة؟ -هذا الصراع يُعدّ في جوهره مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأن دول مجلس التعاون الخليجي ليست طرفًا فيه، فدول الخليج لم تبدأ هذا الصراع ولم تُشكّل مساره، لكنها مع ذلك تبقى مُعرّضة لتداعياته بسبب الجغرافيا ودورها المحوري في أسواق الطاقة العالمية. هذا الموقع يجعل دول مجلس التعاون الخليجي عنصرًا لا يمكن تجاهله استراتيجيًا في أي تصعيد إقليمي، فالخليج ليس مصدر عدم الاستقرار، بل هو أحد أكثر نقاط الضغط حساسية، حيث تتقاطع فيه التنافسات العالمية، ما يتطلب إدارة تتسم بالانضباط وضبط النفس والدقة. الاستقرار تحت الضغط *فكيف تقيّمون قدرة دول الخليج على التعامل مع هذه التحديات؟ -قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على الحفاظ على الاستقرار تحت ضغط خارجي مستمر تُعدّ سمة مميزة للمنطقة، فالاقتصادات المرنة، والهياكل الحاكمة المتماسكة، والأطر الأمنية الموثوقة دليل على نظام قائم على التخطيط طويل الأمد وليس على السياسات التفاعلية، كما تطورت المكانة الدولية لمجلس التعاون الخليجي لتصبح أصلًا استراتيجيًا مهمًا، والمنطقة مندمجة في شبكة واسعة من الشراكات العالمية تتجاوز العالم العربي، وتعمل هذه العلاقات بشكل عملي يتيح تنسيق الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والمواءمة الأمنية، مما يعزز موقع دول الخليج كفاعل عالمي موثوق. أزمة تنسيق وهيكل *وفق ما ذكرتم.. كيف تنظرون إلى أداء جامعة الدول العربية؟ - جامعة الدول العربية تُظهر نمطًا من التشتت في استجاباتها الجماعية، وعلى الرغم من أن بعض الدول الأعضاء تتحرك ضمن حدود قدراتها، إلا أن غياب الوحدة المستدامة والتنسيق أصبح مشكلة بنيوية مخزية وليست مجرد قصور مؤقت، أما أسباب هذا التراجع في الأداء العربي المشترك فيرجع إلى تحديات داخلية أعمق في العديد من دول جامعة الدول العربية، بما في ذلك ضعف هياكل القيادة، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والفساد، وضعف المؤسسات، وهذه الظروف تنعكس غالبًا في ضغوط مجتمعية أوسع مثل الفقر، وتدني الوصول إلى التعليم الجيد، وهشاشة البنية التحتية، وانخفاض مستويات المعيشة، مما يحدّ بشكل كبير من الفاعلية الإقليمية. النموذج الخليجي مسار مختلف * ما الذي يميز تجربة دول الخليج مقارنة بغيرها؟ -دول المجلس اتبعت مسارًا مختلفًا تمامًا، فعلى الرغم من صغر حجمها لكن لديها قدراتها المؤسسية المتقدمة، واقتصاداتها المتنوعة، وبنيتها التحتية الحديثة، وأنظمتها التعليمية التنافسية للغاية، كما تُعد مستويات المعيشة فيها من بين الأعلى عالميًا، ويُنظر إلى نموذجها الحوكمي بشكل متزايد على أنه مرتبط بالاستقرار والكفاءة والتطوير المستقبلي. وفي الواقع.. خارج دول مجلس التعاون الخليجي لا يمكن تحديد جامعة واحدة عاملة في العالم العربي تستوفي حتى الحد الأدنى من المعايير العالمية، وعلى النقيض، فإن جامعات دول الخليج تعيد تشكيل المعايير العالمية في التعليم العالي، ويمتد هذا التباين إلى ما هو أبعد من المجال الأكاديمي ليشمل بيئات الأعمال، وتصميم السياسات، ونماذج القيادة، ومخرجات التنمية البشرية بشكل عام، أضف إلى ذلك أن هذا التفاوت المتسع قد أثّر أيضًا على التصورات الإقليمية، إذ إن نجاح دول الخليج يحظى باحترام دولي واسع، لكنه يُقابل في بعض الدول العربية بشعور من الإحباط أو الغيرة، نتيجة القيود الداخلية ومسارات التنمية غير المتكافئة. لهذا، أرى أن استمرار مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في جامعة الدول العربية يمثل اختلالًا متزايدًا، فالجامعة تستهلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام السياسي والموارد المالية والوقت، بينما تقدم قيمة استراتيجية وتكتيكية وتشغيلية محدودة. شراكات انتقائية أكثر فاعلية *في المقابل.. ما البديل المقترح للتعامل مع الدول العربية؟ -على دول مجلس التعاون الخليجي الاستمرار في الانخراط البنّاء مع الدول العربية التي تُظهر قدرة حقيقية على التعاون والشراكات التنموية، لكن أقترح أن يقتصر التعامل مع الدول الأخرى على الدعم الإنساني بشكل أساسي، بدلًا من التكامل السياسي أو المؤسسي العميق، فإن مسار دول مجلس التعاون الخليجي يتطلب بشكل متزايد أطرًا تعكس مستوى طموحها، وتكاملها، وأهميتها العالمية. إن القوة طويلة الأمد لدول مجلس التعاون الخليجي تعتمد على تعزيز الوحدة الداخلية عبر مجلس التعاون الخليجي، وتعميق التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني، وإعطاء الأولوية للمنصات الاستراتيجية التي تحقق قيمة قابلة للقياس، مع مواصلة توسيع شراكاتها العالمية ونفوذها الدولي.
Go to News Site