Collector
تحقيق "البلاد" | “رشة العطر”.. تحرش تحت غطاء التسويق | Collector
تحقيق
صحيفة البلاد البحرينية

تحقيق "البلاد" | “رشة العطر”.. تحرش تحت غطاء التسويق

يريدونها جميلة.. ناعمة.. ذات ابتسامة ساحرة ملاحقة المارة قد تكيف كـ “جنحة إزعاج” وإخلال بالسكينة العامة تكرار الرفض وصد الموظفات يؤدي إلى احتراق وظيفي ونفسي الربح المادي لا يسقط الحق القانوني في حفظ الكرامة ومنع الاستغلال صديقة: “نرجسية الربح” لدى أصحاب العمل تجعل الموظفة “تستجدي” الاهتمام زهراء: نموذج البيع “قصير الأجل” يستهلك سمعة السوق ولا يبني ولاءً تقي: رش العطر دون موافقة تعدٍ على السلامة الجسدية والحرية الشخصية لاشين: مصابات بالإجهاد العاطفي ومتعرضات للتحرش يحتجن دعما نفسيا   كان يتجول في أحد المجمعات، مر بجانبها، تلاقت النظرات، خفف من سرعة مسيره، بادرت هي بنظرة أخرى، فابتسامة تبعها سلام، حتى استقر في نفسه أن الأمر سيتبعه كلام فموعد فلقاء. بادلها الابتسامة وتقرب، كأن جاذبية الأرض قد تغيرت نحوها، أسر في نفسه أن الفتاة الشقراء تستميله. نعم فهي دخلت في أعماقه من عينيه، تقرب أكثر والأجواء من حولها مشبعة برائحة الياسمين الدمشقي الممزوج بوقار العنبر، رائحة تداعب الحواس وتخدر المنطق. رفعت يدها برقة بالغة، وقالت بصوت ناعم: “لو سمحت.. حياك جرب هذا العطر”. مد يده بزهو، وكأنه فارس يتسلم وسامًا، رشت العطر على ظهر كفه، فامتزجت برودة السائل بدفء بشرته، لم يخطر بباله أنه يشم ذرات عطر من تركيز الـ “Eau de Parfum”، بل كان يشعر أنه يستنشق عبير بداية لحكاية جديدة بدأت تنسج خيوطها اللحظة التي يعيشها. دخل معها إلى المحل، وبدأ حديثًا تخللته ضحكات خافتة وتواصل بصري لم ينقطع، ظن أن “الأخذ والعطاء” في الكلام هو ضوء أخضر لاقتحام خصوصيتها. بعد أن ابتاع الزجاجة الأنيقة، انحنى قليلًا وهمس بثقة من يظن أنه ملك قلبًا: “هل لي برقمك، لنكمل هذا الحديث الجميل؟”. في تلك اللحظة، انطفأ البريق في عينيها، طأطأت رأسها، حياءً وخجلًا من الموقف، اعتذرت بكلمات مقتضبة، لكنه ألحّ، ظنًا منه أن “التمنع هو مذهب الجميلات”، حاول مرارًا، وكل محاولة كانت تزيد من الهوة بينهما. غادر المحل وفي جيبه عطر ثمين، وخسارة علاقة ظن أنها كانت قريبة جدًا منه.  أما هي، فوقفت تراقب طيفه وهو يبتعد، وشعور بالانكسار ينهش أعماقها، لم يكن انكسار الرفض، بل انكسار الصورة النمطية التي رسمت في ذهنه عنها. لقد آلمها أنها برغم احترافيتها وودها، لم يرها إلا “صيدًا سهلًا” أو “فتاة خفيفة” أغراها بريق الكلام، فاستباح لنفسه أن يراها بصورة لا تريد أن تكون عليها، لكنها لقمة العيش.   انطلاقة البداية في الأجواء المحيطة بمحلات العطر وأكشاكها، تختلط روائح المسك والياسمين والعنبر مع العود والبتشولي واللبان، فتتشكل طبقة حسية مترفة الإحساس للمارين بالقرب من هذه المحلات والأكشاك، تغري الحضور وتستدعي التوقف. لكن في تلك المساحة ذاتها، ثمة طبقة أخرى لا تلتقط بالأنف بقدر ما تلتقط بالوعي؛ رائحة مختلفة لا علاقة لها بالعطر، بل بطبيعة ما يجري خلف لحظة الترويج نفسها. نعلم أن هنالك قاعدة تقول إن نظير الشيء منجذب إليه، لكن لكل قاعدة شواذ، فما سنستدعيه يخالف في طبيعته ما تحمله رائحة العطور من أثر إيجابي ينعكس على النفس والروح على شكل بهجة وارتياح وانشراح للصدر. في أحد الممرات المكتظة بأحد المجمعات، تقف شابة تحمل زجاجة عطر، تبتسم لكل عابر وكأنها تعرفه، تمد يدها بخفة وتطلب “تجربة سريعة” للمنتج الذي تروّج له.  لحظة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تتكرر مئات المرات يوميا، حتى تتحول إلى نمط عمل لا يملك الكثير من مساحة الاختيار أو الرفض. وخلف تلك الابتسامة، تقف معادلة أكثر صلابة: هدف بيعي يجب تحقيقه، وعقد عمل يربط الدخل بعدد العملاء، وضغط يومي لا يظهر في المشهد الأول. في سوق يتكثف فيها التنافس إلى حد الاختناق، لم تعد جودة المنتج وحدها كافية لتشكيل الفارق، بل دخلت عناصر أخرى إلى قلب المشهد: الحضور، الإقناع، وسرعة استمالة العابر في لحظة واحدة، هنا تصبح الحركة، والنبرة، والجمال، وطريقة الاقتراب أدوات ضمن منظومة بيع تتجاوز المنتج إلى طريقة تقديمه. وبينما يمر البعض متجاهلا، ويتوقف آخرون بدافع المجاملة أو الحرج، تتراكم تفاصيل صغيرة قد تبدو منفصلة لكنها تنتمي إلى المشهد ذاته: إحراج، انزعاج صامت، احتكاك غير مرغوب فيه، أو عملية شراء تتم فقط لإنهاء لحظة غير مريحة.  وفي الجهة المقابلة، تبقى الشابة في موقعها ذاته، تدور داخل المساحة نفسها بين مطلب العمل وحدود التجربة الإنسانية التي تخاض يوميا على حافة الضغط. “البلاد” في هذا التحقيق تحاول أن تقترب من تلك المسافة الضيقة بين “التسويق” و “الاستغلال”، لنفتح سؤالا أكبر: متى يتحول البيع من مهارة إلى ضغط، ومن وظيفة إلى استنزاف؟   كشف المستور ومن هذا المشهد اليومي الذي يتكرر في الممرات التجارية، تتكشف طبقة أعمق من التفاصيل، يرويها أحد العاملين القدامى في القطاع، فضل عدم الكشف عن هويته مكتفيا باسم مستعار، ومن خلال تجربته من الداخل، يقدم قراءة مختلفة  في سياق مختلف. يروي محمد (وهو اسم مستعار) لمدير يعمل في قطاع التجميل والعطور منذ أكثر من عشرين عاما، أنه رأى طيلة فترات عمله في هذا القطاع العجب العجاب. يقول إن فلسفة التوظيف في هذا القطاع لا تقوم على الخبرة أو المهارة إلا نادرا جدا، بل على “الواجهة”، ومقدرات الجمال والجسم. اختيار الموظفات، كما يصف، يمر غالبا عبر معيار الشكل أولا، ثم تأتي بقية التفاصيل لاحقا: المظهر، أسلوب التقديم، وحتى درجة الالتزام بالظهور العام، بما في ذلك مسألة الحجاب أو عدمه، وفق ما يراه أصحاب العمل عنصرا في “صورة البيع”، داخل هذا الإطار، تتحول الأرقام إلى مركز الثقل الحقيقي.  ويوضح “محمد” أن الهدف الشهري قد يصل إلى نحو 5000 دينار من المبيعات، وأن عدم بلوغه لثلاثة أشهر متتالية يعني غالبا إنهاء العلاقة الوظيفية واستبدال الموظفة أو الموظف بآخرين. “الدورة مستمرة”، كما يقول، دون توقف طويل عند الأفراد. ويضيف أن هيكل الأجور في هذا القطاع يقوم على راتب أساسي يتراوح عادة بين 350 و700 دينار، يضاف إليه نظام عمولات لا يفعل إلا عند تحقيق الهدف الشهري للمبيعات، ما يجعل الدخل الفعلي مرهونا بالكامل تقريبا بقدرة الموظفة أو الموظف على الوصول إلى الأرقام المطلوبة. ورغم أن العقود بحسبه لا تنص صراحة على استيقاف المارة أو طلب تجربة العطر في الشارع أو الممرات، إلا أن ضغط الأهداف، كما يصفه، يصنع سلوكا ميدانيا مختلفا تماما عن النصوص المكتوبة. “لا أحد يطلب ذلك رسميا، لكن الواقع يدفع إليه”، يقول، مضيفا أن كثيرات يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع الجمهور كخيار وحيد لتحقيق المطلوب. في هذا الاحتكاك اليومي، تتكرر مواقف الإحراج والمضايقات، وفق روايته، إلى درجة تصبح معها جزءا من الروتين المهني.  بعض العاملات، كما يصف، يتعرضن لتعليقات جارحة أو تحرش لفظي، ثم يواصلن العمل في اليوم التالي دون وقت كافٍ لاستيعاب ما حدث؛ لأن دورة العمل لا تتوقف عند التجربة الفردية. ويشير أيضا إلى حادثة في أحد المجمعات التجارية، حين طلبت إدارة المجمع من محلات العطور التخفيف من أسلوب استقطاب المارة بعد شكاوى، لكن انخفاض المبيعات لاحقا أعاد الجدل بين الإدارة وأصحاب المحلات، الذين برروا أسلوبهم بأنه استجابة مباشرة لضغط السوق والربط بين الأداء والدخل. ويضيف أن آثار هذا النمط لا تقتصر على الضغط المهني، بل تمتد إلى حالات إنهاك نفسي متكررة بين العاملات، سواء من المواطنات أو الوافدات، حيث يتحول التكرار اليومي للمواقف ذاتها إلى ما يشبه “احتراقا وظيفيا،‏‏ نفسيا، معنويا” تدريجيا، في بيئة لا توفر بحسب وصفه أدوات حماية كافية من التوتر أو الإساءة أو التحرش، مشيرا إلى أن حالات التحرش كثيرة في هذا المجال، أكثرها من المتبضعين، وهناك حالات بسيطة جدا من العاملات في هذا المجال أيضا. ورغم تأكيده أن المسؤولية لا تقع على الموظفات أنفسهن، لكنه يقر بأن المشهد في بعض الأحيان يتجاوز حدود البيع التقليدي، ليخلق احتكاكا مباشرا مع الجمهور، قد يفهم أحيانا كضغط تسويقي زائد، ينتهي في كثير من الحالات بإحراج الطرفين معا. ويختم “محمد” حديثه بالدعوة إلى إعادة النظر في هذا النموذج من العمل، بما يوازن بين متطلبات السوق والحد الأدنى من الحماية الإنسانية للعاملين، محذرا من أن استمرار هذا النمط دون تنظيم قد يبقي القطاع في دائرة ضغط دائم، لا تنجو منه لا الموظفات ولا المستهلكون، الذين يجدون أنفسهم فجأة داخل تجربة بيع غير مخطط لها.   رعاية نفسية طارئة ومن زاوية نفسية تحليلية، تقدم اختصاصية الطب النفسي د. منة لاشين قراءة مفاهيمية للسلوكيات المرتبطة ببيئات العمل الضاغطة في هذا القطاع، موضحة الأطر النفسية التي قد تفسر بعض أنماط التفاعل والانعكاسات على العاملين والعاملات. كما تقدم د. لاشين قراءة نفسية تحليلية لبيئات العمل ذات الضغط البيعي المرتفع، موضحة أن فهم بعض السلوكيات المتكررة في هذا السياق يمكن أن يتم عبر مفاهيم نفسية عدة متداخلة.  وتشير أولا إلى مفهوم “التشييء” الذي يعني التعامل مع الشخص بوصفه أداة لتحقيق هدف أو نتيجة، بدل النظر إليه ككائن إنساني له حدود وخصوصية، كما تتوقف عند مفهوم “الإضفاء ذي الطابع الجنسي”، وهو حين يعاد توجيه الانتباه في بعض السياقات من المنتج نفسه إلى الجاذبية أو المظهر كوسيلة جذب وتسويق، بما يخلق اختلالا في طبيعة العلاقة بين البائع والمشتري.  وتتحدث كذلك عن مفهوم “الحيز الشخصي”، وهو المساحة النفسية والجسدية غير المرئية التي يراها الفرد جزءا من خصوصيته، والتي قد يؤدي اختراقها دون رضا إلى شعور بالتوتر والتهديد وعدم الارتياح.   الإجهاد العاطفي وتوضح أن هذه المفاهيم، عند تقاطعها مع بيئات عمل قائمة على الضغط لتحقيق أهداف رقمية صارمة، قد تنعكس على شكل أنماط سلوكية في الميدان، حيث يدفع بعض العاملين والعاملات إلى استخدام أساليب تواصل مباشرة أو مكثفة مع الجمهور تحت ضغط تحقيق المبيعات، حتى لو لم يكن ذلك منصوصا عليه بشكل صريح في العقود. وتشير إلى أن هذا النوع من البيئات قد يرتبط نفسيا بمستويات مرتفعة من الإجهاد العاطفي، نتيجة التكرار اليومي لمواقف الرفض أو الاحتكاك الاجتماعي غير المريح أو الإحراج، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى اضطرابات مثل القلق أو الاكتئاب أو ما يعرف بالإنهاك النفسي المرتبط بالعمل، خصوصا عندما يكون الدخل أو الاستقرار الوظيفي مرتبطا مباشرة بتحقيق أهداف مالية محددة. وفيما يتعلق بما يروى عن حالات تحرش قد تتعرض لها بعض العاملات في هذا السياق، تقول د. لاشين: “للأسف نعم، هذا يحدث في بعض بيئات العمل التي تتضمن احتكاكا مباشرا بالجمهور، وفي هذه الحالات يكون من الضروري توفير دعم نفسي يساعد على التعافي، وعلى استعادة القدرة على التعامل مع المواقف المشابهة لاحقا بحدود أوضح وحزم أكبر”. وتضيف أن مثل هذه المواقف لا تقتصر على قطاع واحد، بل قد تتكرر في وظائف متعددة تعتمد على التفاعل المباشر مع الجمهور، مشيرة إلى أن التعامل معها يحتاج إلى مستويين متوازيين: الأول نفسي عبر اللجوء إلى الدعم والعلاج عند الحاجة، والثاني قانوني عبر تعزيز الوعي بالحقوق وإمكان اتخاذ الإجراءات الرسمية عند وقوع تجاوزات، بما يضمن حفظ الكرامة ورد الاعتبار وتقليل احتمالات التكرار.   عمل عاطفي قسري ومن زاوية نفسية أعمق، تقترب الاستشارية النفسية د. صديقة المير من هذا المشهد بوصفه سلوكا يتجاوز كونه ممارسة مهنية إلى ما يشبه إعادة تشكيل للعلاقة بين الإنسان ودوره داخل العمل. تقول إن ما يحدث هنا لا يمكن قراءته بمعزل عن مفهوم “التشييء”، حيث يُختزل الإنسان إلى أداة وظيفية، وتُعاد صياغة قيمته وفق قدرته على تحقيق استجابة فورية من الآخر، لا وفق إنسانيته أو مهارته. وتوضح أن صاحب العمل، في هذا السياق، قد ينطلق من تصور نفسي يربط القيمة بالأرقام وحدها، فيُسقط هذا التصور على العاملين، فيتحول وجودهم إلى “مثير حسي” وظيفته تحفيز الشراء، دون اعتبار كافٍ لما يترتب على ذلك من ضغط أو إحراج أو استنزاف نفسي. وتضيف أن هذا النمط يعكس ضعفا في التعاطف التنظيمي، حيث تُبرر الوسيلة بالنتيجة، ويُختزل الجهد الإنساني في معادلة بيع مجردة. أما على مستوى الموظفات، فتصف المير ما يحدث بأنه شكل من أشكال “العمل العاطفي القسري”، حيث تُجبر العاملة على إظهار مشاعر وسلوكيات لا تعكس بالضرورة قناعاتها أو راحتها. ومع تكرار الرفض من المارة، أو نظرات الضيق، أو حتى العبارات الجارحة، يبدأ التآكل التدريجي في تقدير الذات، ويتشكل شعور داخلي بالرفض أو عدم القبول.   قلق واكتئاب وتشير إلى أن هذا التكرار قد يقود إلى حالة من الصراع الداخلي، حيث تعيش الموظفة بين ما تؤمن به من حدود شخصية، وما تفرضه عليها الوظيفة من اقتراب وتفاعل متكرر مع الآخرين. هذا التناقض، بحسب وصفها، قد يتطور إلى قلق مزمن أو اكتئاب وظيفي، خصوصا حين يترافق مع الإحساس بفقدان السيطرة على طبيعة الدور المهني. وفي جانب آخر، تتوقف المير عند ما وصفته بـ “متلازمة الاستجداء المهني”، حيث يتحول الوقوف في الممرات واستيقاف المارة إلى تجربة تمس صورة الفرد عن نفسه، فينتقل - في وعيه الداخلي - من موقع “مقدم خدمة” إلى موقع يسعى لطلب الانتباه أو القبول، وهو ما يترك أثرا نفسيا عميقا مع مرور الوقت. كما تربط بين هذه الممارسات وبعض التوترات التي قد تنشأ في المحيط الأسري للمتسوقين، موضحة أن الاقتراب الجسدي المفاجئ أو استخدام نبرة تواصل لافتة قد يُفسَّر داخل بعض العلاقات - خصوصا بين الأزواج - على أنه اختراق للحيز الشخصي، ما يولد شعورا بالانزعاج أو التوتر، ويحوّل لحظة التسوق من تجربة طبيعية إلى موقف مشحون. وتضيف أن تكرار هذه المواقف لا يؤثر فقط على المتسوق، بل ينعكس أيضا على الموظفة نفسها، خصوصا في حالات الرفض القاسي أو الردود الجارحة، التي قد تتجاوز الاعتذار أو الإشارة إلى عبارات قاسية تمس الكرامة. ومع تراكم هذه التجارب، قد يجد بعض العاملين أنفسهم أمام خيار ترك العمل حفاظا على سلامتهم النفسية، رغم ما يعنيه ذلك من فقدان مصدر الدخل. وتخلص د. صديقة المير إلى أن هذا السلوك يمثل ما يمكن وصفه بـ “انتهاك نفسي مزدوج”، إذ يمس خصوصية المتسوق من جهة، ويستنزف كرامة العامل من جهة أخرى، مؤكدة أن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على البعد التنظيمي فقط، بل يتطلب أيضا وعيا أعمق بحماية الصحة النفسية داخل بيئات العمل، وصون طبيعة التفاعل الإنساني من أن تتحول إلى ممارسة ضغط يومي مستمر.   تحرش وعقوبة وبين ما يراه البعض ممارسة تجارية خاضعة لمنطق السوق، وما يصفه آخرون ببيئة عمل مثقلة بالضغط والاحتكاك المباشر، تبقى الكلمة الأخيرة للقانون الذي يحدد حدود الفعل ويفصل بين ما هو مسموح وما قد يلامس منطقة التجاوز، وهنا ننتقل إلى الرأي القانوني مع المحامي حسين تقي. خلف هذه المشهدية التي يراها البعض “نشاطا تجاريا عاديا”، تبرز زاوية قانونية حادة لا ترى في زجاجة العطر مجرد منتج، بل ترى فيها أداة قد تلامس حدود “الجرم”.  يبسط المحامي حسين تقي المواد القانونية ليفكك هذا التشابك بين حق التاجر في البيع وحق الفرد في الخصوصية، ليرسم خطا فاصلا قد يتجاوزه كثيرون دون دراية. يبدأ تقي حديثه بوضع النقاط على الحروف فيما يخص “مشروعية الفعل”، موضحا أن الأصل في النشاط التجاري هو الإباحة، لكنها إباحة مشروطة؛ حيث يقول: “إن استيقاف المارة واستجداءهم لتجربة العطر عبر رشها عليهم ليس مجرد ممارسة تسويقية، بل هو فعل مقيد بعدم مخالفة النظام العام والآداب، وأي تجاوز لهذه الحدود عبر ملاحقة المارة أو الاقتراب الجسدي منهم بشكل غير مرغوب فيه، ينقلنا من (التسويق) إلى (التعدي)، وقد يرقى لمستوى الاستغلال الوظيفي للموظفات اللواتي يدفعن لهذا السلوك تحت ضغط الحاجة للعمل”.   من الإزعاج إلى التحرش ينتقل تقي إلى الجانب الأكثر خطورة في التحقيق، وهو التكييف الجنائي لهذه الممارسات، فالأمر هنا لا يتوقف عند انزعاج عابر، بل قد يتحول إلى “جنحة” مكتملة الأركان.  يوضح تقي أن الإلحاح في ملاحقة المارة قد يكيف قانونا كـ “جنحة إزعاج” وإخلال بالسكينة العامة، أما إذا امتدت اليد لترش العطر دون موافقة صريحة، فإننا أمام “تعدٍ على السلامة الجسدية والحرية الشخصية”. ويضيف محذرا من منزلق أخلاقي وقانوني أكبر: “في حال وجود إيحاءات أو سلوك مخل بالآداب أثناء عملية الجذب هذه، فإننا نتحدث عن جنحة فعل مخل بالحياء وفقا لقانون العقوبات البحريني”.  وحين سألناه عن نقطة التماس مع “التحرش”، لم يتردد في تأكيد أن الفقه والقضاء يستقران على أن أي سلوك غير مرغوب فيه يتضمن اقترابا جسديا غير مبرر أو إلحاحا رغم الرفض، يقع مباشرة ضمن مفهوم “التحرش غير المباشر”.   عقود الإذعان لا يغفل تقي عن الجانب الداخلي في هذه المنظومة؛ حيث يشير إلى أن فرض هذه الممارسات على الموظفات تحت “الإكراه الوظيفي” أو التهديد بإنهاء الخدمة يمثل مخالفة صريحة لأحكام قانون العمل، وهذا يمنح الموظفة الحق في إنهاء العلاقة التعاقدية مع الاحتفاظ بكامل حقوقها، بل ويفتح الباب لمساءلة صاحب العمل إداريا عما وصفه بـ “الممارسات التعسفية”.   التنظيم الغائب  وفي قراءته لواقع المجمعات التجارية، يؤكد تقي أن الأنشطة التسويقية ليست “جزرا معزولة”، بل تخضع لضوابط التراخيص التي تشترط عدم إعاقة المارة أو إزعاجهم. وينتهي تقي بخلاصة قانونية صارمة: “إن هذه الممارسات، متى تجاوزت حدود العرض الطوعي اللائق، تخرج من عباءة النشاط التجاري المشروع لتدخل في دائرة الأفعال المجرمة التي تتراوح بين المخالفات الإدارية والجنح الجنائية”. ويختم المحامي حسين تقي رؤيته بدعوة الجهات المختصة لعدم الاكتفاء بالرقابة الصورية، بل التدخل لفرض ضوابط صارمة تضمن ألا تتحول الممرات العامة إلى ساحات لاستغلال كرامة الموظفة أو انتهاك خصوصية المارة، مؤكدا أن “الربح المادي لا يمكن أن يسقط الحق القانوني في حفظ الكرامة”.   منخفض الجودة وفي امتداد زوايا هذا التحقيق بين السوق والإنسان والقانون، ننتقل إلى قراءة من نوع آخر تقترب من البنية الاقتصادية والتخصصية التي تنتج هذه النماذج وتعيد تشكيلها، مع الاستشارية الاقتصادية واستشاري جمعية رجال الأعمال البحرينية زهراء باقر المتخصصة في التطوير القيادي وتنمية المشروعات والمبادرات التي تربط بين الاقتصاد والثقافة. وتقدّم الاستشارية زهراء باقر قراءة لهذا النموذج من زاوية اقتصادية بحتة، موضحة أنه يقوم على تحفيز لحظي منخفض الجودة، ينجح في توليد مبيعات سريعة، لكنه في المقابل لا يساهم في بناء ولاء للعلامة التجارية ولا في ترسيخ هوية سوقية مستقرة، بل قد ينعكس سلبا على سمعة التجربة الاستهلاكية داخل المجمعات التجارية، ويؤدي إلى تراجع مستوى الراحة العامة للمتسوقين. وترى أن هذا النمط يمكن وصفه بأنه نموذج بيع قصير الأجل يستهلك السوق أكثر مما يطوره؛ لأنه يركز على لحظة البيع الفوري دون الاستثمار في العلاقة طويلة المدى بين المنتج والمستهلك، بما يحدّ من فرص بناء تجربة تجارية مستدامة. وتطرح باقر في المقابل مقترحا يقوم على تطبيق “إتيكيت البيع” كمعيار مهني منظم داخل قطاع العطور، موضحة أن هذا الإتيكيت يقوم على أربعة مبادئ أساسية؛ أولها الاستئذان قبل التفاعل، بحيث لا يجوز الاقتراب من العميل أو عرض تجربة المنتج عليه دون موافقته الصريحة. وثانيها احترام المساحة الشخصية، باعتبار أن الممرات العامة ليست نقاط بيع، ولا يجوز تحويلها إلى فضاءات إقناع مباشر. أما المبدأ الثالث فهو “العرض دون الفرض”، بحيث يقدم المنتج كخيار مفتوح أمام المستهلك، لا كواقع مفروض أو تجربة ملزمة، فيما يقوم المبدأ الرابع على حصر التجربة داخل بيئة مخصصة، إذ تتم تجربة العطور في داخل المحل أو في نقاط عرض مصممة بعناية، تمنح العميل شعورا بالخصوصية والهدوء أثناء اتخاذ القرار.   الكرامة والاحترام وتتوسع باقر في البعد الإنساني لهذا النموذج، مبينة أن تمكين المرأة في السوق لا يعني مجرد إشراكها في أي دور وظيفي، بل يستلزم توفير بيئة عمل تحفظ الكرامة والاحترام، وتتيح أدوارا قائمة على الإدارة والمهارة والاستشارة، إلى جانب توفير حماية واضحة من الإحراج أو الضغط البيعي المباشر. وفي ما يتعلق بالأثر على خصوصية المجتمع، تشير إلى أن هذا الأسلوب قد يتقاطع مع انتهاك الخصوصية الشخصية، وإزعاج المتسوقين، وخلق تجربة تسوق سلبية داخل المجمعات، وهو ما دفع بعض الدول إلى تنظيمه أو تقييده عبر أطر واضحة. وتخلص باقر إلى أن البديل لا يكمن في المنع، بل في تطوير النموذج ذاته، عبر تحويل البائع إلى مستشار عطور، وإنشاء تجربة حسية منظمة داخل نقاط بيع مخصصة، واعتماد أسلوب “الدعوة للتجربة” بدل الفرض، إلى جانب تدريب مهني يرسخ مهارات خدمة العملاء وإتيكيت التفاعل بوصفه جزءا أساسيا من جودة السوق.   احفظ السر طرقنا باب أحد موردين خبيرات العطور فاكتفى بالقول: إنهم يريدونها صغيرة، جميلة، الخبرة غير لازمة، النعومة والجمال والابتسامة الساحرة والمظهر هو المعيار الأهم، ولا أهمية للخبرة الكبيرة في المجال.   ضبط وحفظ  بين روايات الداخل التي ترى في المشهد انعكاسا مباشرا لضغط الأرقام ومنطق السوق، وقراءات القانون التي تضع حدودا فاصلة بين المسموح والمساءلة، وتحليلات الاقتصاد التي تدعو إلى إعادة هندسة النموذج بدل الاكتفاء بنتائجه، يتضح أن ما يجري في بعض فضاءات البيع لم يعد تفصيلا تسويقيا عابرا بقدر ما أصبح تجربة متكاملة تمسّ العامل والمستهلك معا. وفي هذا السياق، تقرع “البلاد” اليوم، عبر نشر هذا التحقيق، جرس تنبيه للمعنيين والمسؤولين بضرورة إعادة النظر في الضوابط المنظمة لهذا القطاع، ووضع أطر أكثر وضوحا لما يصفه البعض بـ “الحريات المنفلتة” في أساليب التسويق المباشر داخل الفضاءات العامة، بما يحقق التوازن بين متطلبات السوق وحقوق الأفراد وكرامتهم.

Go to News Site