jo24.net
منذ بدء العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران نهاية شباط/فبراير الماضي، وإغلاق طهران لمضيق هرمز الاستراتيجي رداً على الاعتداءات، لم يعد الصراع محصوراً في جغرافيا "الشرق الأوسط". فبعدما تحوّل شريان الطاقة العالمي إلى ساحة اشتباك مباشر، وبرز التلويح بقطع الملاحة في باب المندب، يطلّ اليوم مضيق ملقا كفصلٍ جديد من فصول المواجهة البحرية. وتحت شعار "الأمن للجميع أو لا أمن لأحد"، تلوّح طهران بنقل المواجهة إلى المدى الحيوي الأبعد في جنوب شرق آسيا. وبينما تسارع واشنطن لتطويق النفوذ الإيراني-الصيني باتفاقيات دفاعية مع إندونيسيا تهدف لعسكرة المضيق، جاءت رسائل مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران علي أكبر ولايتي حاسمة: "أمن هذا الممر الاستراتيجي بات بيد حلفاء إيران". تحاول واشنطن أن تشنّ "حرب الممرات" بهدف استهداف الاقتصادين الإيراني والصيني في الصميم، لكن طهران تُفعّل اليوم معادلة "وحدة الساحات البحرية"، لتمتد مديات الرد من ضفاف الخليج (هرمز) إلى قلب المحيط الهادئ (ملقا)، في مواجهة سياسات الهيمنة التي تسعى لتحويل المضائق الدولية إلى أوراق ضغط عسكرية ضد الشعوب. طهران تفعّل "وحدة الساحات البحرية" من هرمز إلى ملقا في وقتٍ يشدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حصاره البحري على الموانئ الإيرانية عند مضيق هرمز، بالتزامن مع حراك باكستاني لفتح ثغرة في جدار التفاوض بين طهران وواشنطن، تمضي إيران في تثبيت معادلة "وحدة الساحات البحرية"، فرسائل طهران الموجّهة إلى البيت الأبيض باتت تربط بوضوح بين أمن مضيق هرمز وأمن مضيق ملقا في قلب جنوب شرق آسيا، في استراتيجية ردع تتجاوز الحدود الإقليمية إذ تعتبرها طهران "خط الدفاع الثاني" ومجالاً حيوياً للردع لها ولحلفائها. وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) وتحليلات مراكز دراسات قريبة من صنع القرار في طهران، فإنّ الربط بين الممرات الثلاثة (هرمز، باب المندب، وملقا) يهدف إلى خلق "رد متسلسل"، حيث أكّد ولايتي أنّ "أيّ مكر سيواجه رداً متسلسلاً"، موضحاً أنّ أمن باب المندب بات في أيدي اليمنيين، بينما ملقا وهرمز يقعان ضمن دائرة نفوذ القوّة الإيرانية وشركائها الاستراتيجيين. كيف ستصل إيران إلى مضيق ملقا؟ وتستند إيران في نفوذها بمضيق ملقا إلى شبكةٍ من "حلفاء الضرورة والأيديولوجيا" فبعيداً عن الأنماط العسكرية التقليدية، تبرز الصين كحليف استراتيجي يتقاطع مع إيران في مواجهة السيطرة الأميركية الأحادية على المضيق، ما يحوّل أيّ تحرك إيراني إلى ضغط منسّق يستهدف المصالح الأميركية في المحيط الهادئ. وتشير تقارير "لويدز ليست" المتخصصة في الملاحة البحرية لعام 2026، إلى أن "أسطول الظل" الإيراني والصيني يُمثّل قوّة واقعية في ملقا، حيث تشترك الدولتان في التوجّس من عسكرة واشنطن للمضيق عبر اتفاقياتها الأخيرة مع إندونيسيا. وإلى جانب ثقل بكين، تستثمر إيران في "قوّتها الناعمة" داخل ماليزيا وإندونيسيا، مستفيدة من تنامي المواقف الشعبية والسياسية المناهضة للهيمنة الأميركية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تفعيل "عمليات هجينة" بفضل "الشركاء الاستراتيجيين"، وهو ما يراه مراقبون عسكريون إشارة إلى قدرات "سيبرانية" وبحرية غير تقليدية قادرة على تعطيل الملاحة الأميركية، محاكيةً نموذج "المقاومة البحرية" من قبل اليمن والذي أثبت فعاليته في البحر الأحمر بعد "طوفان الأقصى" في 2023. لم تكتفِ طهران بالدفاع، بل انتقلت للهجوم السياسي، حيث وجّه ولايتي رسالة لاذعة لبريطانيا وفرنسا، داعياً إياهما للاهتمام بأمن "مضيق المانش" وإنهاء "الجرح القديم في جبل طارق" بدلاً من التدخل في أمن مياه المنطقة. هذه الصياغة تعكس. وبحسب "موديرن ديبلوماسي" فإنّ هناك ثقة إيرانية في قدرة المحور على تحويل أيّ تضييق أميركي في ملقا إلى "شلل نظامي" يطال التجارة العالمية، مستهدفاً المصالح الغربية في الصميم رداً على سياسة الحصار والعدوان. خناق ملقا.. واشنطن تحاول حصار "التنين" الصيني عبر البوابة الأندونيسية لا تُعد اتفاقية الدفاع المبرمة في 13 نيسان/أبريل الجاري، بين واشنطن وجاكرتا محض صدفة دبلوماسية، بل هي "هروب استراتيجي" أميركي للأمام بعد انسداد الأفق في مضيق هرمز. ففي قراءة تحليلية نشرتها منصة "مودرن ديبلوماسي"، يبرز استنتاج مفاده أنّ "عسكرة" مضيق هرمز باتت مرشحة للانتقال إلى مضيق ملقا ليكون "الهدف التالي" في استراتيجية نقاط الاختناق. وترى المنصّة أنّ السيناريوهات المعاصرة أعادت إحياء نظرية ألفريد ماهان بشأن القوّة البحرية والتي ترى أنّ السيطرة على المحيطات هي مفتاح السيادة العالمية، وهو ما يفسر السباق المحموم اليوم لتسليح الممرات المائية وتحويلها إلى ساحات حرب نظامية. وبحسب تحليل نشره موقع "CNA" الآسيوي، فإنّ الولايات المتحدة لم تكتفِ بمذكرات التفاهم السابقة مع سنغافورة (1990، 2005، 2015)، بل استغلّت حاجة إندونيسيا الملحة لتحديث قواتها المسلحة لتقدم نفسها كـ "ضامن أمني"، فواشنطن لعبت على وتر "الهواجس الأمنية" لجاكرتا بشأن تداخل منطقتها الاقتصادية الخالصة حول "جزر ناتونا" مع "خط التسع نقاط" الذي تطالب به الصين، وتعتبر بكين تلك الاتفاقية تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وتؤكد "مودرن ديبلوماسي" أنّ الحصار المضاد الذي تفرضه البحرية الأميركية في هرمز لا يستهدف خنق إيران فحسب، بل يهدف بالدرجة الأولى لضرب القدرة التجارية للصين، التي يمرّ أكثر من 60% من إجمالي تجارتها البحرية عبر مضيق ملقا. هذه الخطوة الأميركية تأتي رداً مباشراً على قرار طهران الجريء بحصر تعاملات المرور في هرمز بـ "البترو-يوان" الأمر الذي دفع واشنطن لنقل المواجهة إلى ملقا لمحاولة حماية عرش "البترودولار" المهدد، عبر امتلاك القدرة على قطع طرق إمداد الصين إذا ما استمرّت في دعمها العسكري والدبلوماسي "غير المحدود" لطهران. قلق عسكري في جاكرتا من "مخاطر الاستدراج" في المقابل، يُسلّط معهد "لوي إنستيتيوت" الأسترالي الضوء على "البراغماتية الإندونيسية" المعقدة، ففي الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع في واشنطن يوقع اتفاقية تمنح الأميركيين تسهيلات جوية وبحرية، كان الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في موسكو يعزز الروابط مع روسيا. لكن على الرغم من هذه البراغماتية إلا أنّ الأصوات من داخل المؤسسة العسكرية الإندونيسية بدأت بالظهور إلى العلن فقد نشر العقيد آر إم أوكي كيستيانتو، أحد ضباط القوات المسلحة الإندونيسية، تقييماً استراتيجياً حذر فيه من أن منح واشنطن "حقوق التحليق" قد يجرّ جاكرتا إلى سيناريوهات إقليمية خارجة عن سيطرتها، وينطوي على ما وصفه بـ "مخاطر استدراج" البلاد إلى صراعات القوى العظمى. وشدد العقيد كيستيانتو في تحليله على أن السيادة على المجال الجوي هي ركن أساسي لا يقبل القسمة، موضحاً أنّه "عندما تطلب قوّة كبرى حق الوصول إلى مجالنا الجوي، فإن الأمر يتجاوز مجرد إذن عبور تقني، إنه قرار يحمل دلالات استراتيجية عميقة حول من يحقق المكاسب عملياتياً، وكيف ستنظر القوى الإقليمية الأخرى (في إشارة للصين وروسيا) لهذا القرار، ومدى انسجامه مع مبدأ السياسة الخارجية الإندونيسية المستقلة. "حرب الممرات".. واشنطن تزعزع أمن الطاقة لا يمكن فهم خطورة المساعي الأميركية لعسكرة مضيق ملقا من دون إدراك وزنه التاريخي والجغرافي في ميزان القوى العالمي فهذا الممر، الذي يُعد الأطول في العالم بطول يصل إلى 800 كيلومتر، يمثل الرابط التجاري التاريخي بين "الشرق الأوسط" والصين. يقع المضيق بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، مشكلاً حلقة الوصل الوحيدة بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي وصولاً إلى المحيط الهادئ. وعلى الرغم من امتداده الواسع، إلا أنّه يضيق في "نقطة اختناق" حرجة لا يتجاوز عرضها 2.5 إلى 2.8 كيلومتر، وبعمق يصل إلى 23 متراً، ما يجعله "نقطة ارتكاز" لا يمكن الاستغناء عنها، حيث يختصر آلاف الأميال البحرية بين أوروبا وآسيا. واليوم، تحول المضيق إلى "رئة" الاقتصاد العالمي، إذ يستحوذ على قرابة 40% من إجمالي التجارة الدولية، وتعبر مياهه سنوياً أكثر من 50 ألف سفينة محملة بمختلف البضائع. وبحسب دراسات استراتيجية، يمثل المضيق "معضلة وجودية" للقوى الآسيوية الكبرى فمن خلاله تعبر ما بين 80 إلى 90% من الواردات النفطية لدول الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. كما أنّ التأثير الجيوسياسي للمضيق يتجاوز حدود بكين. لذلك، فإن تحويل المضيق إلى "منطقة اشتباك" يعني وضع أمن الطاقة الخليجي بين فكي كماشة، حيث ستؤدي أي عرقلة للملاحة إلى قفزات جنونية في أسعار النفط العالمية، وتضاعف تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما قد يسبب ركوداً اقتصادياً عالمياً يفوق في آثاره أزمة عام 2008. وأمام التهديد بعسكرة المضيق، تبرز مشاريع الالتفاف كاستراتيجية صينية-إيرانية مضادة، منها: العودة للحديث عن قناة "كرا" وهي مشروع تايلاندي مدعوم صينياً والذي يهدف لشق قناة تربط بحر أندامان بخليج تايلاند، متجاوزاً ملقا بالكامل. هذا المشروع، في حال تنفيذه، سيغير خارطة الجغرافيا السياسية ويجرّد واشنطن من أهم أوراق ضغطها البحرية. واشنطن تزرع بذور الأزمة التي تطال حلفاءها تثبت مجريات أحداث عام 2026 أنّ سياسة "العسكرة" التي تحاول أن تفرضها واشنطن من هرمز مروراً بباب المندب وصولاً إلى ملقا، لا تعدو كونها "هروباً استراتيجياً" إلى الأمام، يحمل في طياته بذور أزمة عالمية قد لا ينجو منها حلفاء واشنطن قبل خصومها. فبينما تسعى إدارة ترامب لخنق "التنين" الصيني وتطويق إيران، تجد دول الخليج واليابان وكوريا الجنوبية نفسها الضحية الأولى لاهتزاز أمن الممرات إذ إن أي "اشتباك غير محسوب" في مضيق ملقا لن يقتصر أثره على بكين، بل سيؤدي إلى شلل فوري في تدفقات النفط والغاز الخليجي، ويرفع تكاليف التأمين إلى مستويات تضع اقتصاديات طوكيو وسيؤول على حافة الانهيار. في المقابل، نجحت طهران في فرض معادلة "وحدة الساحات البحرية"، محولةً الجغرافيا الممتدة من ضفاف الخليج إلى قلب المحيط الهادئ إلى مديات ردع مترابطة. إن الربط الإيراني بين أمن المضائق الدولية لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى واقع عملياتي يستند إلى شبكة حلفاء و"قوة سيبرانية وهجينة" قادرة على تعطيل سلاسل الإمداد العالمية في أي لحظة. وبينما تراهن واشنطن على عسكرة نقاط الاختناق البحرية العالمية، تراهن طهران وبكين وموسكو على "البدائل الاستراتيجية"، ما يضع النظام الدولي أمام حقيقة جديدة: الهيمنة الأحادية على المضائق قد ولّت، وباتت مياه ملقا وهرمز وباب المندب ترسم ملامح عالم "متعدد الأقطاب" يُدار بالصواريخ والعلاقات الاستراتيجية والأيديولوجية، لا بإرادة الولايات المتحدة التي تفرّدت بالهيمنة البحرية لسنوات طويلة. الميادين .
Go to News Site