صحيفة البلاد البحرينية
في الوقت الذي سجلت فيه ألمانيا ظاهرة استثنائية بهبوط أسعار الكهرباء إلى مستويات سلبية قياسية نتيجة طفرة غير مسبوقة في إنتاج الطاقة المتجددة، يبرز تساؤل مهم على المستوى المحلي: هل يمكن أن تشهد البحرين سيناريو مشابهاً في ظل توجهها نحو تنويع مصادر الطاقة؟. التجربة الألمانية جاءت نتيجة تلاقي عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها الارتفاع الحاد في إنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والذي غطى نحو 80% من الطلب، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك بسبب عطلة عيد الفصح، ما أدى إلى فائض كبير في المعروض لم تتمكن أنظمة التخزين المحدودة من استيعابه. هذا الخلل بين العرض والطلب دفع الأسعار إلى ما دون الصفر، بل وأدى إلى ارتفاع تكاليف موازنة الشبكة، في مؤشر واضح على التحديات التقنية التي تواجه الأنظمة المعتمدة على مصادر طاقة متجددة متقلبة. غير أن إسقاط هذه الحالة على البحرين يتطلب قراءة دقيقة لاختلاف السياقات. فالمنظومة الكهربائية في البحرين لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي، مع دخول تدريجي للطاقة الشمسية ضمن مزيج الطاقة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الفائض واسع النطاق. كما أن الطلب على الكهرباء في البحرين يتميز بالاستقرار النسبي والارتفاع المستمر، مدفوعاً بالعوامل المناخية، خصوصاً خلال معظم أشهر السنة، ما يقلل من احتمالات حدوث فجوات حادة بين الإنتاج والاستهلاك. إضافة إلى ذلك، تختلف طبيعة سوق الكهرباء، حيث تخضع الأسعار في البحرين لتنظيم حكومي ولا تعتمد على آليات التسعير الفوري كما هو الحال في الأسواق الأوروبية المرتبطة ببورصات الطاقة. وهذا العامل بحد ذاته يحد من تقلبات الأسعار الحادة، سواء صعوداً أو هبوطاً، ويجعل من سيناريو الأسعار السلبية أمراً غير مرجح في الأمد القريب. ومع ذلك، فإن التجربة الألمانية تحمل دلالات مهمة لمملكة البحرين، خاصة في ظل توجهها لتعزيز مساهمة الطاقة المتجددة ضمن خطط الاستدامة. فكلما ارتفعت حصة الطاقة الشمسية مستقبلاً، ستبرز تحديات تتعلق بإدارة الأحمال، ومرونة الشبكة، والحاجة إلى حلول تخزين فعالة لتفادي فائض الإنتاج خلال فترات الذروة الشمسية. كما أن تطوير البنية التحتية للشبكات الذكية وربطها إقليمياً قد يسهم في امتصاص الفوائض وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب. في المحصلة، لا يبدو أن المملكة مهيأة حالياً لتكرار سيناريو الأسعار السلبية الذي شهدته ألمانيا، إلا أن المسار نحو زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة قد يفتح مستقبلاً الباب أمام أنماط جديدة من تقلبات الأسعار، وإن كانت أقل حدة. ومن هنا، تبرز أهمية الاستعداد المبكر عبر الاستثمار في تقنيات التخزين، وتعزيز كفاءة إدارة الشبكات، لضمان تحقيق التوازن بين الاستدامة الاقتصادية وأمن الطاقة.
Go to News Site