صحيفة البلاد البحرينية
ليس معلوماً على وجه الدقة عدد الألغام التي يحتمل أن تكون إيران قد زرعتها في مضيق هرمز. لكن مجرد احتمال تلغيم هذا الشريان البحري الحيوي كان كافياً لدفع الولايات المتحدة إلى بدء الاستعداد لعملية شاقة لمسح قاع البحر وتأمين أحد أكثر الممرات المائية أهمية في العالم. وبحسب خبراء عسكريين وبحريين، قد تستغرق عملية إزالة الألغام أسابيع طويلة قبل إعلان المضيق آمناً للملاحة، لا سيما أن بعض هذه الألغام يمكن تمويهها لتبدو كصخور أو أن تدفن جزئياً في الرمال، ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيداً وخطورة. وتزداد صعوبة المهمة في حال انهار وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران، واضطرت القوات الأميركية لتنفيذ عمليات التطهير تحت نيران محتملة. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد فترة التهدئة العسكرية، وفقاً لما ذكرته "فاينانشال تايمز"، واطلعت عليه "العربية Business". ويصف كيفن آير، المدير السابق للتدريب في قيادة الحرب ضد الألغام والغواصات في البحرية الأميركية، السيناريو بأنه "كابوسي"، مقدراً أن فتح ممر ملاحي آمن باتجاه الخليج قد يستغرق نحو شهر ونصف، فيما قد تمتد عملية إزالة الألغام بالكامل إلى ما يصل أربعة أشهر. ويكتسب هذا التقدير بعداً اقتصادياً مضاعفاً، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس تجارة النفط والغاز المنقولة بحراً على مستوى العالم. التطهير الكامل لمضيق هرمز في المقابل، يرى المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية والباحث في معهد هدسون، برايان كلارك، أن فتح ممر آمن ومحدود قد يكون ممكناً خلال أسبوع واحد فقط، استناداً إلى نتائج محاكاة عسكرية أجريت حديثاً. لكنه أقر بأن التطهير الكامل للمضيق قد يتطلب ما يصل إلى أربعة أسابيع. وكانت القوات الأميركية قد أعلنت في وقت سابق من هذا الشهر بدء مهمة لإزالة الألغام، فيما قال ترامب، الخميس، إنه أمر البحرية الأميركية "بإطلاق النار والقتل" ضد أي سفن إيرانية يشتبه في تورطها بعمليات زرع الألغام. عدد الألغام في طهران، اعتبر رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن محاولات الولايات المتحدة لإزالة الألغام تمثل "انتهاكاً لوقف إطلاق النار"، مؤكداً، في تصريحات متلفزة الأحد الماضي، أن إيران واجهت هذه المحاولات بحزم، بل وصلت - على حد تعبيره - إلى حد المواجهة. ويظل العامل الحاسم في تحديد زمن العملية هو عدد الألغام التي تمكنت إيران من زرعها خلال ثمانية أسابيع من المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال مسؤولون أميركيون إن إيران زرعت بالفعل عدداً من الألغام، لكنه قد يكون محدوداً. في المقابل، دعا الحرس الثوري الإيراني السفن إلى تجنب منطقة محظورة في وسط المضيق، واستخدام مسارات بديلة تمر عبر المياه الإيرانية لتفادي الألغام، وفق ما نقلته وكالة "تسنيم" شبه الرسمية. أجواء من الارتباك وأثار إعلان إيران، في وقت سابق من هذا الشهر، أن مضيق هرمز سيكون مفتوحاً بالكامل خلال فترة وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تدافعاً مفاجئاً للسفن التي سارعت لمحاولة الخروج من الخليج. غير أن هذا التفاؤل تبدد سريعاً، بعدما تعرضت عدة سفن لإطلاق نار من قبل الحرس الثوري، من بينها ناقلة نفط هندية وسفينة حاويات تابعة لخط الشحن الفرنسي سي إم إيه سي جي إم، ما زاد الغموض حول الوضع الفعلي للملاحة في المضيق، في الوقت الذي أبقت فيه واشنطن على حصار بحري. اضطر معظم ما تبقى من السفن إلى التراجع، وسط أجواء من الارتباك. ويؤكد الخبراء أن حالة عدم اليقين هي الخطر الأكبر. إذا وضع لغم واحد فقط، فعليك أن تفترض وجود المزيد، قال كيفن آير، مشيراً إلى أن فتح ممر آمن يتطلب تطهير قناة عرضها نحو ميل بحري، مع مشاركة إحداثياتها مع الناقلات التجارية لضمان عبورها تحت الحماية. وتشير تقديرات إلى أن إيران كانت تمتلك قبل الحرب مخزوناً يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف لغم بحري، تتنوع بين ألغام تلامسية تقليدية تطفو أسفل السطح بقليل، وأخرى متطورة ترقد في القاع، مبرمجة للانفجار استجابة لإشارات مغناطيسية أو صوتية أو ضغوط معينة. مهمة مرهقة وبالغة الصعوبة ويصف ستيف ويلز، الضابط السابق على متن كاسحات ألغام أميركية والباحث حالياً في مركز الاستراتيجية البحرية، المهمة بأنها مرهقة وبالغة الصعوبة. وأضاف سكوت سافيتز، المهندس في مؤسسة "راند"، أن زرع الألغام بشكل عشوائي وسريع يجعل اكتشافها أصعب مقارنة بحقول الألغام المنظمة. كما أن سفن صيد الألغام، التي تتحرك ببطء وتكون تسليحها محدوداً، ستكون عرضة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من السواحل الإيرانية القريبة، ما يستدعي مرافقتها بمدمرات متقدمة وتغطية جوية. وسيقع العبء الأكبر على سفن القتال الساحلية، التي تعتمد على مروحيات مزودة بأنظمة ليزر، إضافة إلى مركبات غير مأهولة مجهزة بسونارات وكاميرات وأجهزة استشعار مغناطيسية. ورغم الانتقادات التي طالت هذا البرنامج باعتباره مكلفاً وغير مجرب بما يكفي، لا تملك البحرية الأميركية حالياً سوى سفينتين جاهزتين للعمل في المضيق، بينما تخضع ثالثة للصيانة في سنغافورة. ويعترف مسؤولون بأن واشنطن أهملت قدراتها في حرب الألغام لعقود، وبدأت بالفعل سحب آخر كاسحات الألغام المتخصصة من الخدمة، رغم أن الألغام كانت مسؤولة عن نحو 80% من السفن الأميركية التي غرقت أو تعطلت منذ عام 1945. وقد غادرت آخر أربع سفن من طراز "أفنجر" ذات الهياكل الخشبية البحرين في يناير الماضي، بينما يجري حالياً إعادة نشر سفينتين من اليابان باتجاه الشرق الأوسط. 100 سفينة متخصصة في صيد الألغام هذا النقص في القدرات يفسر، وفق مراقبين، تكثيف إدارة ترامب ضغوطها على الحلفاء الأوروبيين، الذين يمتلكون أكثر من 100 سفينة متخصصة في صيد الألغام وخبرة واسعة في هذا المجال، للمساهمة في تأمين المضيق. قال القائد السابق للبحرية السويدية، يان ثورنكوفيست، إن الولايات المتحدة تحتاج بوضوح إلى دعم أوروبي، مشيراً إلى أن الظروف البحرية في مضيق هرمز تشبه إلى حد كبير المضائق الدنماركية، حيث اكتسبت القوات الأوروبية خبرة طويلة في إزالة الألغام في بحر البلطيق وبحر الشمال. ورغم وجود نقاشات أوروبية حول إمكانية تشكيل مهمة مشتركة، فإن العديد من الدول تبدي تردداً في الانخراط بحل أزمة لم تكن طرفاً في صنعها. كما أن أي تدخل أوروبي لن يكون سريعاً، إذ قد يستغرق تجهيز ونشر القوة ما يصل إلى أربعة أشهر، تليها أشهر إضافية من العمل الميداني. وفي حال غياب الدعم الأوروبي، قد تلجأ واشنطن إلى خيار غير تقليدي: الاستعانة بالدلافين المدربة على صيد الألغام. هذه الكائنات، المتمركزة في سان دييغو، استخدمت سابقاً في الخليج عامي 1991 و2003، ولا تزال قادرة على التفوق على بعض أحدث التقنيات في اكتشاف الأجسام المدفونة بقاع البحر.
Go to News Site