صحيفة البلاد البحرينية
مستقبل “الربع فرصة” وعصر التحولات بعيدا عن “مين باع؟ بكم؟” لا يجب أن يتوقف التعليم لا أثناء الحرب ولا بعدها ماذا لو انقطع الإنترنت وتفرقت بنا السبل لسوء الحظ؟ التعليـــم ثــم التعليـــم.. وقـــود لأي تصحيـــح ومـــأوى لكـــل وطـــن لابد من ابتكار بدائل جديدة وعلوم لمواجهة التحدي النأي بالنفس عن المخاطر.. دور وطني لكل مواطن مراكز البحوث يجب أن تكون في حالة انعقاد دائم الاصطفاف الوطني خلف قيادتنا صمام أمان للجميع عاجلا أم آجلا سوف تضع الحرب الضروس أوزارها، ولأننا أمة محبة وسلام فإننا لا يجب أن نعيش المواجهات العسكرية وكأنها نهاية العالم، وحرب التصريحات على أنها واقع لا يمكن الفكاك منه. صحيح أننا نعيش الخطر ونراه ونشهده، لكن الوقوع في المحظور هو الذي نخشاه، هو الذي لا تُحمد عقباه، وهو الذي يقود إلى اليأس والتراخي، ونحن نواجه مستقبل السلام من دون أن نكون متسلحين بعقيدة السلام، مؤمنين برسالة الحياة. من هنا كان لا بد من أن نتحدث عن مستقبل التعليم بعد الحرب في بلادنا، أن نفكر فيه مثلما نفكر في لقمة العيش وأسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية وتراجع قيمة الدينار أمام لتر البنزين. كان لا بد أن نفكر خارج صندوق المهملات، إلى داخل صندوق الضروريات، أن نبحث لنا عن مخرج طوارئ آمن من كل مكروه بعيدا عن أي فوضى. بالتعليم وحده كان يرى رائد التعليم الأهلي في البحرين البروفيسور عبدالله الحواج أننا يمكن أن ننأى بالنفس، أن ننجو بها من نفق التداعي إلى عنان السماء، وأن ننطلق محبين وليس مُكرهين نحو “الربع فرصة”، مستفيدين من حالة ما بعد الحرب، عندما تكون السيولة غزيرة، وفرصة الائتمان محدودة، ومحاولات التضخم على أشدها. كان لا بد من الحوار بعيدا عن “مين باع؟ بكم؟”، أو عن ميكانيكية العرض والطلب، وهي تتنحى جانبا لتفسح المجال إلى مرتكزات ومعايير أخرى سوف تلعب لعبتها في تحديد أسعار السلع، بل وفي تصويب مسارات واتجاهات المستهلكين. سيناريوهات البُعد الآخر البروفيسور عبدالله الحواج، بوصفه رئيسا لرابطة الجامعات الخاصة الخليجية ورئيس المكتب التنفيذي لمؤسسات التعليم العالي والجامعات والمعاهد الخاصة العربية، يرى أن البعد الآخر هو الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا ونحن نفكر في المستقبل، ونحن نخطط للسلام، بعد أن كنا غارقين من رؤوسنا حتى أخماص أقدامنا في الحرب التي مازالت تدور رحاها بشراسة غير متوقعة حتى اللحظة، كان يجب أن نحاوره عن مستقبل التعليم في بلادنا ودوره في إيجاد حلول علمية لمشكلاتنا تجنبا لآثار أكثر ضراوة في اقتصاداتنا، بل وفي تفاصيل الحياة اليومية لشعبنا. كان لا بد أن نقرأ معه خريطة التحدي وكيف بالتعليم.. ثم التعليم وحده، يمكننا لملمة المتناثر من فرص، وإعادة ترتيبها من أجل أن يكون اقتناصها هو مربط الفرس، والتحلي بها هو الهدف الذي ينبغي السعي إليه. من ثقب فرصة البروفيسور الحواج يرى أن الحرب، أي حرب، تنتج دائما مشكلات يصعب حصرها، أو تحديد مواقيت لتداعياتها. كل المتحاربين يعانون وسوف تزداد معاناتهم، وكل المتحاربين سوف يخسرون وسوف تتفاقم خسائرهم لو أصروا على تحكيم منطق القوة على العقل، ولو تمادوا في العدوان معتقدين بأن الرصاصة سوف تحل مشكلاتهم، وأن الدمار سوف تخرج من تحت أنقاضه سنبلة صالحة للحياة. لا يهم إذا كان هناك طرف قد ينتصر وآخر سوف يخسر؛ فالجميع برأيه خاسر، والجميع سوف يبحثون عن فرص أخرى للتعويض ربما لا يجدونها؛ فكل منشدي الموت وتجاره سوف يواجهون مصيرا مجهولا لا يعلمه إلا الله. من هنا يرى البروفيسور الحواج المشهد المستقبلي من ثقب فرصة، من نتيجة مؤلمة لتجربة قاسية، لذلك فإن التعليم ثم التعليم لا بد أن يتطور، ولا بد أن يصبح وقودا لأي عملية تصحيح للمسارات الفكرية، وتلك التي تنتمي لما يسمى بحروب الجيل السابع وليس الخامس أو السادس، المسارات التعليمية يجب أن نبحث لها عن مأوى وعن منطلق، ذلك إذا أردنا أن نهتم أكثر فأكثر بتطوير التعليم الإلكتروني، وتعديل زواياه المرتبطة بالماضي أكثر من ارتباطها بالمستقبل. يجب أن يتناسب التعليم المستقبلي مع الظروف المقبلة، ومع الأهداف اللاحقة. بعد الحرب قد تنقطع أدوات التواصل الإلكترونية، التعليم وحده هو الذي يعيدها إلى رشدها، ويعيد التواصل إلى أوج مساراته وأنبل أهدافه. مطلوب من الجامعات التعليم في الحرب أو بعدها لا يجب أبدا أن يتوقف، حتى لو عشنا ظروفا أصعب، أو أياما أخطر. مطلوب من المدارس والجامعات مثلا الإبداع في طرق تقديم الخدمات احتياطا لو توقف الإرسال ولو امتنعت وسائل التواصل عن التواصل، ولو انقطعت إحداثيات الإنترنت، كيف سنعوض ذلك؟ وما الذي ينبغي أن نفعله لكي ننأى بوسائل تواصلنا عن الخطر؟ هذا هو السؤال؟ الآن، هنا ينبغي على التعليم أن يلعب لعبته، وأن يقوم بدوره الطليعي الطبيعي لكي يبحث لنا عن بدائل وآليات، وعن فرص لمواجهة التحديات، وعن أمل وسط ركام الخسائر المتلاحقة وتداعي الإنجازات. مخاطر المرحلة كيف نحول التحديات إلى فرص مثلما يقولون؟ استمرار التعليم هو أحد الحلول. إيجاد آليات وبدائل جديدة يعد حلا وجيها لمواجهة مخاطر المرحلة. مؤسسات البحث العلمي ومراكز البحوث بالجامعات يجب أن تكون في حالة انعقاد دائم من أجل البحث عن بدائل علمية وتكنولوجية معتبرة أمام تنامي الخطر، إذا ما استفحل، وإذا ما انقطعت وسائل التواصل إذا كان الجاني أكثر حماقة مما نتصور. كيف يمكن الإفلات من هذه الورطة يا دكتور؟ لا بد أن يفكر علماؤنا وأكاديميونا وباحثونا في مخرج طوارئ آمن من كل هذه الافتراضات، لا بد أن يكون التفكير بحجم التحدي ليصبح على مستوى التدبير، ولا بد أن تكون إرادة الباحث موفقة حسب التقديرات الدقيقة، وليست الجزافية، لحالة الحرب التي نحن نعيش أدق تفاصيلها بشكل يومي. مستقبل “اليوم التالي” إذا توقفت الحرب وتركت خلفها خسائر في كل اتجاه، كيف يمكن للتعليم مواجهة أو تعويض هذه الخسائر؟ أولا نتمنى من الله عز وجل أن يحفظ بلادنا وأهلنا وكل المقيمين على أرضنا الطيبة من كل مكروه. تسألني عن “اليوم التالي”، عن المبادرات التي يمكن أن يقدمها قطاع التعليم، وهنا بحكم خبرتي وسنوات عمري الطويلة فأنا متفائل بطبعي، ولذلك فإنني لا أعتقد بأن المواجهة العسكرية التي نعيش تفاصيلها الصعبة حاليا ستتحول، مثلما يعتقد البعض، إلى إعصار مدمر للأخضر واليابس، خصوصا أنه حسب التصريحات والمفاوضات المتواصلة، والخسائر التي لحقت بكل بلدان العالم وليس بالمنطقة فحسب، فإن الحرب لن تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع على أكثر تقدير. بالتأكيد سوف يتوصل المحاربون إلى وسيلة مناسبة لوقف إطلاق النار، على أن يصحب ذلك سلام دائم، خصوصا أن المنطقة مثلما ترى استراتيجية جدا، وبها نسبة كبيرة من مصادر الغاز والنفط والطاقة التي تحتاج إليها البشرية جمعاء، وأي تطور قد يحدث، لا سمح الله، في هذه الحرب أو أي تدهور سوف يؤثر في العالم أجمع. أنا في الحقيقة أتمنى – الكلام للبروفيسور الحواج – أن يحترم قادة الدول المتحاربة قراراتهم، وألا يتراجعوا في وعودهم التي قد يقطعونها على أن أنفسهم من أجل وقف القتال فورا ومن دون تأجيل. أتمنى من الكونجرس الأمريكي كذلك تهذيب تحركات الرئيس بوصفه رئيس أكبر دولة في العالم كي تتناسب مع موقعه. التهويل والتهوين وكيف يعيش المواطن الواعي هذه الفترة الحرجة من حياتنا؟ يجب على المواطنين في مختلف أرجاء المنطقة أن يبتعدوا عن التهويل والتهوين، ويجب أيضا على المقيمين والمواطنين في الأقطار المحاذية للدول المتحاربة أن يؤكدوا عدم تمزق الجبهة الداخلية، وأن يحافظوا على وحدتهم، وأن يكونوا صفا واحدا خلف قياداتهم بغض النظر عن آرائهم الشخصية، وأن لا ينساقوا خلف تجار الحروب والسلاح وغسل الأموال وكارهي الحياة. من هنا لا بد أن يكون الاجتهاد محدودا، والتركيز على الأمن والأمان والاستقرار عموما. جبهة داخلية قوية متراصة في أي مجتمع تعني تماسكا وصلابة وأداة فورية للخروج من الحرب بأقل خسائر، وأعلى مكاسب. وحدة واحدة وكيف يمكن للتعليم أن يساهم في تنمية الوعي الوطني هنا؟ نحن أولا كعرب يجب أن نؤمن إيمانا تاما بأن في الاتحاد قوة، وفي التفرق ضعفا، ويجب أن نؤمن تمام الإيمان بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن ننبذ إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار، وأن نؤكد للذين يحاولون اللعب بالنار أن هذا الوطن لكل أبنائه وبكل أبنائه، وحدة واحدة في مواجهة التحدي ودرء الخطر. ثانيا، لا بد من إحياء المشروع العربي الذي يعيد لنا الطريق بالعودة إلى ترسيخ القناعة التامة بأن العمق العربي هو عمقنا، هو البعد الاستراتيجي لبلادنا الذي لا يجب الرهان عليه. لكن الحالة المعنوية والمعرفية مازالت على المحك، قد تعود إلى ضعف الوعي بأهمية المشروع. كيف يمكن إعادة الروح للمواطن؟ كيف يستطيع الإيمان بتلك الفكرة أن يصبح عونا لها لا فرعونا عليها؟ أعتقد بأنه يجب إعادة كتابة منهاج وطني قومي نوضح فيه للجميع فوائد الوحدة والتكامل، وأهمية التماسك والتعاون، وأن نبتعد عن إثارة النعرات والحديث عن الطوائف والمذاهب والمناطق والتمييز، ويجب أن يشعر المواطن العربي في كل أنحاء الوطن العربي من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر بأن المشروع الوحدوي المطروح هو مشروعه الشخصي، رسالته في الحياة، ضرورته اليومية وديدنه الإيماني. لا بد أن تكون المناهج التعليمية مؤكدة لهذه المبادئ، لا أن تكون محرضة على الفتن وإثارة النعرات والضغائن، وأن يكون للمواطن العربي قضية وطنية، محورية، مركزية، يتحرك عبرها، ويؤمن بها، ويدافع عنها، ويقتنع بأنه من دونها سوف تضيع كرامته، ويزول وجوده، وتتماهى شخصيته. قضايانا المحورية تماما مثلما كنا في ستينات وسبعينات القرن الماضين لدينا قضية محورية هي القضية الفلسطينية، جميعنا آمن بها واقتنع بأبعادها ودافع عن ديمومتها، واليوم لدينا أكثر من فلسطين وأكثر من قضية، لدينا وجودية الكيان العربي التي أصبحت مهددة من جميع المشروعات الأممية والإقليمية، إسرائيل تهدد وإيران تهدد وتركيا تطمع، وحتى أثيوبيا ودول الجوار العربي، جميعها أصبح لديها أطماعا في مياهنا، في حدودنا، في مقدراتنا وثرواتنا، حتى في أمننا وأماننا أصبحنا محسودين، وأصبح التربص بأمننا هدفا لأعدائنا، لذلك ينبغي أن نكون يقظين بمشروع عربي وحدوي مركزه التعليم المتميز، والعِلم الراقي المواكب للتقدم وثورة الحداثة، لا بد أن نكون مستعدين لنواجه الخسائر باقتناص الفرص، والتحدي بتصويب المسار، والمعضلة بالحل العلمي الشامل، وبالتعليم المواكب على أي حال.
Go to News Site