صحيفة البلاد البحرينية
في مشهد لم يشهده الخليج منذ حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، باتت تهديدات إغلاق مضيق هرمز والاعتداءات الإيرانية الآثمة، تُلقي بظلالها الثقيلة على مخططي الأمن الاقتصادي في المنطقة ومملكة البحرين، بحكم موقعها الجغرافي الفريد داخل الخليج العربي واعتمادها التاريخي على الاستيراد البحري، تجد نفسها في قلب هذه المعادلة. غير أن البحرين تملك ورقة استراتيجية نادرة: جسر الملك فهد البري الذي يربطها بالمملكة العربية السعودية، وبدوره يفتح الباب واسعًا أمام خيارات الاستيراد البري من داخل منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وهنا يكمن جوهر هذا التقرير: كيف تتحوّل الشركات البحرينية من نموذج الاستيراد العالمي إلى الاستيراد الخليجي، وما هي الشركات الخليجية القادرة على أن تكون الحصن الواقي؟ المسارات البديلة للإمداد — إمكانات وقيود تمتلك المملكة العربية السعودية خط أنابيب بطول 1200 كيلومتر قادر على نقل ملايين البراميل يوميًّا من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، فيما تربط الإمارات حقولها الداخلية بميناء الفجيرة على بحر عمان. غير أن هذه البدائل لا تحل إشكالية استيراد البضائع غير النفطية التي تحتاجها البحرين يوميًّا من غذاء ودواء ومواد بناء وأجهزة وتقنية. هنا يبرز الحل الأكثر عملية وسرعة تطبيقًا: التحوّل إلى الاستيراد من المنتجين الخليجيين الذين يمكن الوصول إليهم برًّا عبر الجسر، متجاوزًا كل إشكاليات مضيق هرمز. ثانيًا: قطاع الغذاء والمشروبات يتمتع قطاع الغذاء الخليجي بنضج صناعي استثنائي، فالمملكة العربية السعودية وحدها تضم عشرات الشركات الكبرى العاملة في الألبان والمشروبات والحبوب والزيوت والأعلاف، فيما تبرز الإمارات وقطر بقدرات إنتاجية متنامية، ومن المفيد أن منتجات الغذاء المصنّعة في أي دولة خليجية تُصدَّر إلى الدول الأعضاء الأخرى معفاة من الرسوم الجمركية بموجب الاتحاد الجمركي الخليجي المُقرَّر منذ 2003. قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية بات القطاع الدوائي الخليجي يمثّل أحد أسرع القطاعات نموًّا في المنطقة، والمملكة العربية السعودية وحدها تُوقَّع أن تبلغ إيرادات قطاعها الدوائي 10.1 مليار دولار في 2024 لترتفع إلى 16.8 مليار دولار بحلول 2034، وتتوافر في الخليج شركات دوائية كبرى قادرة على تلبية احتياجات البحرين من الأدوية الجنيسة والمستلزمات الطبية الأساسية. قطاع البتروكيماويات والبلاستيك — الكنز الخليجي يُعدّ قطاع البتروكيماويات الخليجي من أقوى القطاعات الصناعية في العالم، وتتصدّره المملكة العربية السعودية بشركاتها العملاقة التي تُصدّر إلى أكثر من 140 دولة، وتشمل المنتجات التي تحتاجها الصناعة البحرينية: مواد التعبئة والتغليف، وأنابيب البلاستيك، والمواد الخام للصناعات التحويلية، والأسمدة. قطاع مواد البناء والإنشاء مع انتعاش قطاع الإنشاءات في البحرين وتسارع مشاريع التطوير العمراني المرتبطة برؤية 2030 وخطط التنويع الاقتصادي، تحتاج المقاولون والمطورون إلى تأمين الإسمنت والحديد ومواد البناء من بدائل خليجية برية بدلاً من البحث عنها في الأسواق العالمية عبر الشحن البحري المعرّض للأزمة. قطاع التقنية والطاقة والاتصالات في عصر رقمي يتسارع فيه الاعتماد على البنية التحتية للاتصالات والطاقة، تبرز في منطقة الخليج شركات متخصصة في توريد معدات الطاقة الشمسية ومحطات الكهرباء وأجهزة الاتصالات وخوادم البيانات، يمكن الاستعاضة بها جزئيًّا عن الموردين العالميين. اللوجستيات والنقل والسلاسل التجارية البنية اللوجستية الخليجية أصبحت اليوم بمستوى احترافي عالمي. ومع إغلاق هرمز، يُصبح الطريق البري من البحرين عبر الجسر إلى الدمام فريضة لوجستية لا رفاهية. ولحسن الحظ، شهدت السنوات الأخيرة ظهور شركات لوجستية سعودية وإماراتية وكويتية ضخمة قادرة على إدارة التدفق التجاري البري بكفاءة عالية. قطاع الزراعة والأمن الغذائي أثبتت جائحة كورونا وأزمة أسعار الغذاء عام 2022 أن الأمن الغذائي ليس فلسفة نظرية بل ضرورة بقاء، وعلى الرغم من المحدودية النسبية للمنتج الزراعي في المنطقة، شهدت دول الخليج قفزات نوعية في الزراعة المائية وزراعة الصوبات (البيوت المحمية) وإنتاج الألبان. من أزمة إلى فرصة تكامل خليجي إغلاق مضيق هرمز أيًّا كانت مدته وطبيعته ليس نهاية الطريق للاقتصاد البحريني، بل ربما يكون النقطة التي تتشكّل عندها بنية تجارية خليجية أكثر تكاملاً ومتانة، فالبحرين التي تُعدّ تاريخيًّا بوابة التجارة الخليجية، تملك اليوم الموقع والعلاقات والبنية التحتية لتصبح مركزًا للتوزيع البري بين دول الخليج. والشركات الخليجية المُدرجة في هذا التقرير ليست بدائل مؤقتة في وقت الأزمة، بل شركاء استراتيجيون لمرحلة ما بعد الأزمة أيضًا، التحوّل نحو الاستيراد الخليجي يعني توفير قيمة مضافة إقليمية، وتقليص أوقات التسليم، وتعظيم مرونة سلاسل التوريد فضلًا عن الامتثال لمتطلبات المحتوى المحلي الخليجي المتزايدة.
Go to News Site