Collector
انطلاق معرض "أصداء التراث" وسط حضور دبلوماسي وثقافي لافت | Collector
انطلاق معرض
صحيفة البلاد البحرينية

انطلاق معرض "أصداء التراث" وسط حضور دبلوماسي وثقافي لافت

في مشهد فني يعكس حيوية وتنوع الحركة التشكيلية في مملكة البحرين، افتُتح معرض "أصداء التراث" وسط حضور دبلوماسي وثقافي لافت، حيث استهلّ الحدث بكلمة للسيد أندريا كاتالانو، سفير الجمهورية الإيطالية الصديقة لدى مملكة البحرين، تلتها مشاركة افتتاحية للفنان التشكيلي عباس الموسوي، قبل أن تتوالى الرؤى الفنية والتنظيمية التي شكّلت ملامح هذا الحدث البصري المميز. أشاد السفير الإيطالي بما يحمله المشهد التشكيلي البحريني من عمق حضاري وتراكم ثقافي، مؤكدًا أن الأعمال المعروضة في هذا المعرض تعكس وعيًا بصريًا متقدمًا وقدرة لافتة على المزج بين التراث والحداثة. وأضاف أن هذه التجارب الفنية قادرة على مخاطبة جمهور عالمي، وتمثل جسورًا حقيقية للحوار الثقافي بين الشعوب. بدوره، أكد الفنان عباس الموسوي أن إقامة مثل هذه المعارض ضرورة ملحّة لدعم الفنانين، معتبرًا أن الفن هو لغة سلام وجمال تتجاوز الحدود، وتسهم في ترسيخ القيم الإنسانية المشتركة، داعيًا إلى تكثيف المبادرات الثقافية التي تحتضن الإبداع وتمنحه فضاءً أوسع للحضور. أوضح الفنان التشكيلي الدكتور محمد طه أن هذا المعرض يأتي في إطار تعزيز الحراك الفني في البحرين، وتوفير منصة حقيقية للفنانين لعرض تجاربهم والتواصل مع الجمهور، مشيرًا إلى أهمية هذه اللقاءات في تطوير الذائقة البصرية. فيما أشار الفنان والمعماري والمنسق العام للمعرض سوديب سودهير ديشباندي إلى أن مفهوم "أصداء التراث" يقوم على استحضار الذاكرة بوصفها كيانًا حيًا يتردد عبر الزمن، مؤكدًا أن كل فنان شارك برؤيته الخاصة للتراث، ما أضفى على المعرض ثراءً بصريًا وتنوعًا في الطرح. وشارك الفنان التشكيلي د. محمد طه بعملين بعنوان "الغميضة" و “القرقاعون”، يستعيد من خلالهما ملامح الذاكرة الشعبية وروح الطفولة في البيئة البحرينية. ففي "الغميضة" يوثق لحظة عفوية من ألعاب الأزقة القديمة بما تحمله من براءة واكتشاف، بينما يجسد في “القرقاعون” أجواء الفرح الجماعي وقيم المشاركة المرتبطة بالمناسبات التراثية. وتعكس الأعمال بأسلوب يجمع بين البساطة والتعبير حرص الفنان على إبراز الهوية الثقافية وإحياء تفاصيلها في وجدان معاصر. قدّمت الفنانة نميرة بوت عملين بعنوان "Yasso Panjo" و"Subconscious Secrets" وباستخدام تقنية القلم الجاف والكولاج على الورق. تنطلق أعمالها من ذاكرة الطفولة، حيث تستعيد ألعابًا تقليدية بسيطة لكنها غنية بالدلالات. في العمل الأول، تستلهم لعبة الخيط التي تعتمد على تشكيل أشكال متعددة بين الأصابع، في فعل إبداعي يعكس التحوّل والخيال. أما العمل الثاني، فيستحضر لعبة جماعية من تراث البنجاب تقوم على الإيقاع والتنسيق، بما يحمله من قيم المشاركة والتواصل. وتعتمد الفنانة على التكرار الخطي كإيقاع بصري يحاكي حركة اللعب، في محاولة لتثبيت لحظات عابرة وتحويلها إلى ذاكرة بصرية مستدامة، مؤكدة أن هذه التجارب تمثل قاسمًا إنسانيًا مشتركًا بين الثقافات. يقدّم الفنان ثامر الريفي رؤيته مصرحاً " ان الحركة الفنية في المملكة تمتاز بالتطور المستمر مع المحافظة على الأصول الأولية للبناء الفني من خلال استلهام التراث والفولكلور في موضوعات الفنانين باختلاف وسائل عرضها".  ويؤكد الريفي على أن مملكة البحرين تزخر بكوادر فنية تتمتع بالموهبة والكفاءة وتقدم نموذجا رائعا للفنان البحريني الذي يرث تجربة تمتد الاف السنين من التاريخ، وأن كثرة المعارض الفنية التي تقام في البحرين وتنوع اشكالها ومدارسها ومشاربها تعكس حركة فنية زاخرة بالعطاء والبذل في اللقاءات التي تتيح تلاقح التجارب الفنية وتبادل الخبرات بما يزيد من القدرة على العطاء والإبداع الفني.   وقد ساهم الريفي بعملين من انعكاس الطبيعة على فنه وتجربته الشخصية؛ حيث مَثل العمل الاول الممشى بغابات كرزكان، وحاول في هذه التجربة ان يستلهم هذا الهدوء ويعكسه في عمله الفني بجعل عين المتلقي تنساب برفق خلال الطريق الممتد بين الأشجار الباسقة التي تلقي بظلالها على هذا الطريق، مكونة بهذا الظل تناسقا ضوئيا هادئا. أما العمل الثاني فهو عبارة عن محاولة لتصوير غروب شهده خلال زيارته الأخيرة للسويد، حيث كانت الشمس تتشبث بالبقاء في محاولة لترك أثرها في السماء، فأصبحت السماء والغيوم ملونة بألوان عجيبة مكونة تناغما رائعا. وصرحت الفنانة ندى الصباغ قائلة: " في مشاركتي ضمن معرض "أصداء التراث"، حاولت أن أستحضر ملامح الهوية الخليجية بروح معاصرة، من خلال الاشتغال على مفردات بصرية تنتمي إلى الذاكرة الشعبية، كالزينة التقليدية والملابس التراثية، وإعادة تقديمها بلغة تشكيلية حديثة". واستكملت حديثها " العمل الذي أقدّمه هنا يتمحور حول صورة المرأة كحاملة للإرث الثقافي، حيث تظهر مرتدية البرقع التقليدي ومُحاطة بعناصر الزخرفة الذهبية، في إشارة إلى مكانة الحلي ودلالاتها الاجتماعية في مجتمعاتنا. لم يكن هدفي تقديم صورة توثيقية بقدر ما سعيت إلى إبراز البعد الرمزي؛ فالوجه المائل والنظرة الجانبية يعكسان حالة تأمل وامتداد بين الماضي والحاضر". وقد اعتمدت الفنانة في عملها على تباين الألوان الدافئة، خصوصًا الأحمر والذهبي، لما لهما من حضور قوي في الثقافة المحلية، ولقدرتهما على التعبير عن الفخامة والحنين في آنٍ واحد. كما اشتغلت على تفاصيل الزخارف بدقة لإضفاء حس بصري غني يُحاكي الحِرف التقليدية. وختمت معبرة "مشاركتي في هذا المعرض تمثل بالنسبة لي فرصة للحوار مع الجمهور حول أهمية الحفاظ على التراث، ليس فقط كذاكرة جامدة، بل كمصدر إلهام متجدد يمكن أن يتجلى في أشكال فنية معاصرة تعكس هويتنا وتُخاطب العالم". كما شارك الفنان عيسى النعيمي بلوحتين تجريديتين مستلهمتين من غابة كرزكان، مستخدمًا ألوانًا متناغمة تهدف إلى خلق حالة من الهدوء والراحة النفسية، حيث تتحول الطبيعة إلى تجربة شعورية داخلية يتفاعل معها المتلقي. صرح النعيمي "شاركت في المعرض بلوحتين تُصوّران غابة كرزكان حيث تُعدّ الغابة مساحة خضراء وارفة تضمّ أكثر من 20,000 شجرة وتجري بينها المياه العذبة وقد أصبحت وجهةً شهيرةً للزوّار للاستمتاع بمناظرها الخلابة وهدوئها والاستمتاع بأصوات الطيور المختلفة، ولوحتاي بمقاس 60×50 سم اختيار الرسم تجريدي مستخدم ألوانًا متنوعة تُريح النفس". وفي أعماله، يعيد ديشباندي تشكيل الأزقة القديمة في البحرين من خلال مشاهد منظورّية مرسومة بالحبر والألوان المائية على ورق بني، بأسلوب أحادي اللون. تتداخل خطوط المنظور مع فضاءات لونية حديثة، في محاولة لربط الماضي بالحاضر، حيث تصبح النوستالجيا عنصرًا بصريًا يعيد تشكيل الذاكرة في قالب معاصر. ضم المعرض نخبة من الفنانين، من بينهم: د. محمد طه ، ندي الصباغ، عيسى النعيمي، سارة قريشي، ثامر الريفي، عديتي باتيل، بريني تومار، فيكي جون ووكر، نيمس براكاش، نيتاشا بيجو، شروثي رانجيث، سريبارنا غوش ، تيجبير سينغ، أوداي شانباغ، سنِها راج، إلى جانب الفنان المنظم سوديب ديشباندي، حيث قدّم كل فنان رؤيته الخاصة لمفهوم "التراث"، ما أضفى على المعرض ثراءً بصريًا وتنوعًا في الأساليب. شهد المعرض حضورًا لافتًا من الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي، في تأكيد على مكانة البحرين كمركز فني نشط يحتضن مختلف التجارب والمدارس، كما أتاح مساحة لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار. ويستمر المعرض حتى تاريخ 7 مايو، يُذكر أن معرض "أصداء التراث" يستقبل زوّاره في مركز البحرين للبراويز بالبديع حيث يتيح للجمهور فرصة استكشاف هذه التجارب الفنية المتنوعة، والتعرّف على رؤى بصرية تستحضر التراث بروح معاصرة. يؤكد معرض "أصداء التراث" أن الفن ليس مجرد استعادة للماضي، بل إعادة صياغته بلغة معاصرة، تجعل من التراث كيانًا حيًا نابضًا، يمتد أثره من الذاكرة إلى الحاضر، ومن الإنسان إلى الإنسان كرسالة سلام تتردد أصداؤها عبر الزمن.

Go to News Site