Collector
اقتصاد الصراعات: التأثير على النمو والتضخم | Collector
اقتصاد الصراعات: التأثير على النمو والتضخم
jo24.net

اقتصاد الصراعات: التأثير على النمو والتضخم

في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التعقيد وتداخل محدداته، تُفهم الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوصفها مخرجات تراكميّة لبنية اقتصادية غير متوازنة تشكّلت عبر عقود، حيث تعكس هذه الأزمات اختلالات جوهرية في نماذج التنمية، وضعفاً في مستويات التكامل الاقتصادي الإقليمي، إلى جانب درجة عالية من الاعتماد الخارجي في مجالات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، فضلاً عن هشاشة نسبية في الأطر المؤسسية والمالية، وهو ما يجعل هذه الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات وأقل قدرة على امتصاصها. هذه العوامل مجتمعة مهّدت لبيئة شديدة الحساسية تجاه الصدمات، بحيث تحوّل أي تصعيد جيوسياسي إلى أزمة اقتصادية متعددة الأبعاد. وفي هذا السياق، انعقدت بالفعل اجتماعات الربيع لعام 2026 لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن العاصمة، لتؤكد أن ما يجري في المنطقة لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح جزءاً من مشهد اقتصادي عالمي يتسم بعدم اليقين والتقلب. في جوهر التحليل الاقتصادي، يمكن توصيف الصراع المستمر على أنه صدمة عرض سلبية Negative Supply Shock، وهي من أكثر الصدمات تعقيداً في علم الاقتصاد الكلي، إذ تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالتوازي مع تراجع الإنتاج. هذا المفهوم يرتبط مباشرة بإسهامات الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت سولو، الذي بيّن أن أي تعطّل في عناصر الإنتاج يؤدي إلى انخفاض الناتج المحتمل. Potential Output كما يتقاطع مع طرح جوزيف ستيجلتز، الذي أشار إلى أن الأسواق لا تتكيف بكفاءة مع الصدمات غير المتناظرة Asymmetric Shocks ، خاصة عندما تقترن بارتفاع مستويات عدم اليقين. وقد انعكست هذه الصدمة بوضوح على مؤشرات النمو، حيث تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى تراجع النمو العالمي إلى نحو 3.1% في السيناريو الأساسي، مع احتمال انخفاضه إلى 2% في السيناريو الحاد. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد انخفض النمو إلى 1.4% فقط في عام 2026، مع تسجيل انكماش في بعض الاقتصادات المتأثرة مباشرة بالصراع. ويعود ذلك إلى تعطل سلاسل الإمداد، وتراجع الاستثمارات نتيجة تصاعد المخاطر، إضافة إلى تباطؤ التجارة الدولية. ويمكن تفسير هذه التطورات من خلال نموذج التوازن بين سوق السلع وسوق النقود IS-LM Model، حيث يؤدي ارتفاع المخاطر إلى انتقال منحنى IS إلى اليسار، نتيجة تراجع الاستثمار، في حين يتجه منحنى LM إلى الأعلى بفعل تشديد السياسة النقدية . وتشير بعض الدراسات إلى أن تفكك التجارة العالمية قد يؤدي إلى خسائر رفاه تصل إلى 15% في بعض المناطق. أما على صعيد التضخم، فقد تحولت صدمة الطاقة إلى موجة تضخمية واسعة النطاق، حيث ارتفعت أسعار النفط من 72 إلى 120 دولاراً للبرميل (وصلت عقود نفط برنت لحظة كتابة المقال كانت 104 دولار للبرميل)، فيما يُتوقع أن يتراوح التضخم العالمي بين 4.4% و6%. هذا النمط من التضخم يُعرف بالتضخم المدفوع بالتكاليف Cost-Push Inflation، حيث ترتفع الأسعار نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج، خاصة في الطاقة والنقل والغذاء. ورغم أن ميلتون فريدمان أكد "أن التضخم ظاهرة نقدية على الدوام"، إلا أن الواقع الحالي يعكس تداخلاً بين العوامل النقدية وصدمات العرض. وهنا تبرز ظاهرة الركود التضخمي Stagflation ، التي تناولها الحائز على نوبل أدموند فيلبس، موضحاً أن ارتفاع التضخم يمكن أن يتزامن مع ارتفاع البطالة عندما تتدهور التوقعات. ولا يقل تأثير الصراع على الاستقرار المالي خطورة عن تأثيره على الاقتصاد الحقيقي، حيث ارتفعت فروقات العوائد السيادية بنحو 50 إلى 100 نقطة أساس، مع تزايد خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، وارتفاع قيمة الدولار كملاذ آمن، وتشديد شروط التمويل. هذه التطورات تتماشى مع نظرية عدم الاستقرار المالي التي قدمها هيمان مينسكي، والتي تشرح كيف تتحول الصدمات إلى أزمات عندما تتراكم المخاطر داخل النظام المالي. ومن المهم الإشارة إلى أن آثار هذه الصدمات ليست متساوية، إذ تتضرر بشكل أكبر الدول المستوردة للطاقة التي تواجه ضغوطاً تضخمية وعجزاً تجارياً، وكذلك الدول ذات الهشاشة المالية التي تعاني من مستويات مرتفعة من الدين، إضافة إلى الدول القريبة جغرافياً من مناطق النزاع. في المقابل، قد تحقق بعض الدول المصدرة للطاقة مكاسب قصيرة الأجل، لكنها غالباً ما تكون غير مستدامة. وقد عكست اجتماعات واشنطن لعام 2026 تحولاً واضحاً في أولويات الاقتصاد العالمي، حيث تم خفض توقعات النمو، وارتفع الطلب على التمويل الطارئ إلى نحو 50 مليار دولار، فيما انتقل التركيز من قضايا التنمية طويلة الأجل إلى إدارة الأزمات. وأكدت إدارة صندوق النقد الدولي أن العالم يواجه صدمة عرض عالمية وغير متناظرة، وهو توصيف يعكس عمق التحول الجاري. من الواضح أن الصراعات في المنطقة لم تعد حدثًا عابرًا ضمن دورة اقتصادية، بل أصبحت عاملاً هيكلياً يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي نحو نموذج يتسم بنمو أبطأ، وتضخم أعلى، وتقلبات مالية أكبر. ولا شك إننا نشهد انتقالاً تدريجياً من اقتصاد العولمة المستقرة إلى ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الصراعات "(Conflict Economy)، حيث تصبح الصدمات جزءاً من البنية الاقتصادية نفسها. وفي هذا السياق، تبرز حقيقة أساسية: كلما طال أمد الصراع، تحوّل أثره من صدمة مؤقتة إلى واقع هيكلي يعيد رسم قواعد الاقتصاد في المنطقة والعالم. وفي مواجهة هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف نفهم الصدمة، بل ماذا يجب أن نفعل حيالها. على المستوى العام، تفرض هذه المرحلة تبني سياسات اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات، من خلال تعزيز التنويع الاقتصادي ، وتقليل الاعتماد على الواردات الحيوية، وبناء احتياطيات استراتيجية، إضافة إلى تحسين كفاءة السياسات النقدية والمالية لضبط التضخم دون خنق النمو. كما تبرز أهمية تعزيز التكامل الإقليمي كوسيلة لتقليل الانكشاف الخارجي، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد المحلية. أما بالنسبة إلى الأردن، فإن التحدي أكثر دقة وحساسية، لكنه في الوقت ذاته يحمل فرصاً استراتيجية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وطبيعته كاقتصاد مستورد للطاقة، يتأثر مباشرة بأي صدمة خارجية، ما يستدعي تسريع خطوات التحول نحو أمن الطاقة عبر التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة. كما أن الحفاظ على الاستقرار المالي يتطلب إدارة حذرة للدين العام، وتوسيع القاعدة الضريبية دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي عبر بيئة تشريعية مستقرة وجاذبة. وفي بعد آخر، يمتلك الأردن فرصة ليكون مركزاً لوجستياً وخدمياً إقليمياً إذا ما أحسن استثمار موقعه الجيوسياسي، خاصة في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. كما أن الاستثمار في رأس المال البشري والاقتصاد الرقمي يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للنمو المستدام. وفي نهاية المطاف، فإن قدرة الأردن على التكيف مع "اقتصاد الصراعات" لن تعتمد فقط على إدارة المخاطر، بل على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة واستقلالية، قادر على الصمود في عالم لم يعد الاستقرار فيه هو القاعدة، بل الاستثناء. .

Go to News Site