Shafaq News
شفق نيوز - بغداد لم تعد كلمة "فساد مالي" وما يرادفها من مفردات، غريبة على حياة العراقيين بل أصبحت من ضمن أحاديثهم اليومية، إذ لم تخلو حكومة من الحكومات المتعاقبة من اتهامات بالفساد من قبل أركان الحكومة نفسها أو مجلس النواب أو السلطة القضائية أو هيئة النزاهة، إلا أنه في الغالب الأعم تدور الدوائر حول أموال الدولة ومؤسساتها كونها الضحية الأولى والأخيرة. لكن وزارة الكهرباء في الحكومة الحالية وتحت غطاء التوجه نحو "تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية" ذهبت إلى ما هو أبعد من خزينة الدولة لتتجه نحو جيوب المواطنين من خلال ما اصطلحت عليه "أجور طباعة القوائم"، ومن ثم "أجور اشتراك الكهرباء"، وكلاهما تسميتان أوقعتا الوزارة في "ورطة" وكشفتا عن ملف فساد مالي بعشرات المليارات من الدنانير "شهرياً يدفعها المواطن"، بحسب مسؤول في الوزارة نفسها. و في وقت تمضي فيه المؤسسات الحكومية، ومنها وزارة الكهرباء، بخطى متسارعة نحو الأتمتة والتحول الرقمي مع الاعتماد وبشكل واسع على أنظمة الدفع الإلكتروني، ظهرت على السطح مفارقة مثيرة للاستغراب، إذ تواصل وزارة الكهرباء فرض رسوم إضافية تحت مسميات متعددة، أبرزها "طباعة ورقة الجباية" على الرغم من التحول إلى الدفع الإلكتروني لأجور استهلاك الطاقة. وتتزايد الانتقادات حول مشروعية هذه التكاليف الإضافية وجدواها وما الغرض منها كونها تُحمّل المواطنين أعباء مالية مقابل خدمة لم تُقدّم على أرض الواقع فـ"ورقة الجباية" لا تتعدى كونها بنداً مالياً مضافاً إلى أجور التسديد، من دون مقابل ملموس. مراسلو وكالة شفق نيوز استطلعوا آراء المواطنين في مناطق مختلفة من العاصمة بغداد، إلا أنه تم اختيار سكان مجمع بسماية جنوب شرقي بغداد لكونه المنطقة السكنية الأكثر التزاماً بتسديد أجور استهلاك الكهرباء. ويقول المواطن ملاذ عاصم من مجمع بسماية، في حديث لوكالة شفق نيوز: "كنا ولأشهر عدة ندفع مبلغ ألفي دينار زيادة على قسيمة أجور الكهرباء، وهو ثمن طباعة الورقة التي لم نرها على الإطلاق". ويضيف: "مؤخراً زاد المبلغ وأصبح ثلاثة آلاف دينار مقابل هذه الورقة، على الرغم من أنني أسدد الأجور إلكترونياً ولم أتسلم أي قسيمة أجور ورقية". أما المواطنة سعدية ناصر، وهي من مجمع بسماية أيضاً فتتساءل: "لا نعرف أين الجهات الرقابية من هذه الإجراءات، أو ليس الهدف من الأتمتة هو حماية المواطنين من التلاعب والغش والاحتيال والحفاظ على المال العام؟". وتؤكد في حديثها لوكالة شفق نيوز أن الرسوم الإضافية تحت مسمى "طباعة الورقة" ما هي إلا "باب للفساد واستغلال المواطنين بسبب غياب المتابعة والرقابة الحقيقية، فأبواب استنزاف جيوب الناس أصبحت مفتوحة". ووفقاً لنتائج التعداد العام للسكان لعام 2025 فقد بلغ عدد المساكن الخاصة ثمانية ملايين و340 ألف وحدة سكنية ما بين منزل وشقة وغيرها من المساكن الأخرى. وبضرب عدد الوحدات السكنية بمبلغ الثلاثة آلاف دينار يكون الإيراد الشهري 25 ملياراً و20 مليون دينار شهرياً، أي 300 مليار و240 مليون دينار سنوياً تدخل إلى خزينة وزارة الكهرباء دون أن يتم الكشف عن مصيرها حتى ساعة إعداد هذا التقرير. أما الوحدات التجارية فالمبلغ خمسة آلاف دينار، وتشمل الوحدات التجارية أي نشاط تجاري سواء كان كشكاً بسيطاً أو محلاً أو مطعماً أو كافيتريا أو مكتباً قانونياً أو تجارياً أو عيادة طبية وغير ذلك، ورغم وجود إحصائية دقيقة إلا أنها تقدر بالآلاف. وكذلك الحال بالنسبة للوحدات الصناعية والزراعية ودوائر ومؤسسات الدولة، ما يعني زيادة بعشرات المليارات من الدنانير تضاف إلى إيرادات الوحدات السكنية. وعن مدى قانونية هذه الأجور التي تفرضها وزارة الكهرباء شهرياً على المواطن، يؤكد عضو اللجنة العليا لتنفيذ الإصلاح الضريبي الحكومية، خالد الجابري، لوكالة شفق نيوز، أن "الأتمتة الحالية هي تحويل العملية من النظام الورقي إلى الإلكتروني، وإضافة أي أموال لا تتم إلا بقانون يشرعه مجلس النواب العراقي بحسب المادة 28 من الدستور". ويبين أن "رفع الأداء الوظيفي لأي جهة أو زيادة وارداتها لا يجب أن يتحمله المواطن، وحتى وإن كان هناك تقاطعاً مشتركاً بين الإيرادات والمواطن فلا يجب تحمل المواطن كلفة الأعباء المالية". وشرعت الحكومة الحالية "حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني" في 22 كانون الثاني/ يناير 2024، شرع العراق بالجباية الإلكترونية لتسهيل خدمة المواطنين، فيما فصل محافظ البنك المركزي، علي العلاق، أهداف ومزايا مشروع الجباية الإلكترونية. وينص قانون هيئة النزاهة الاتحادية على اتخاذ "موقف صارم" إزاء أي رسوم إضافية يتم استيفاؤها من المواطنين دون سند قانوني، باعتبار أن ذلك يعد "استغلالاً وظيفياً يضر بالمال العام". ويقول مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء إن هذه الأجور الإضافية ليس لها أي مبرر مالي ولا قانوني وعائداتها ليس لها باباً محدداً، وجاءت ضمن توجه الحكومة نحو تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية. ويوضح لوكالة شفق نيوز: "في بادئ الأمر تم فرض مبلغ ألفي دينار تحت باب أجور طباعة قوائم الكهرباء، على الرغم من عدم وجود هكذا باب في قسائم الكهرباء بل هناك فقرة (أجور أخرى)". ويتابع: "هذا التبويب وضع الوزارة في حرج كبير لكونها بالأساس تعمل بنظام التمويل الذاتي بالإضافة إلى مخصصاتها من الموازنة الاتحادية، وبالتالي فالوزارة ليست بحاجة لهذا المبلغ لتغطية نفقات الطباعة". ويضيف: "بعد إقرار جباية أجور الطباعة انتبهت الوزارة للمطب الذي وقعت به، فهو تزامن مع توجه الوزارة نحو الجباية الإلكترونية والتي تستغني عن الطباعة الورقية، لذلك تغيرت التسمية من أجور طباعة الورق إلى (أجور اشتراك بالكهرباء)، وأيضاً حتى هذه التسمية ليس لها باباً بل تدخل ضمن (الأجور الأخرى)". ويردف المصدر: "وحتى تسمية (أجور اشتراك الكهرباء) مضحكة فما يدفعه المواطن شهرياً هو أجور استهلاك الطاقة الكهربائية التي بطبيعة الحال هو مشترك بها، لذلك الأمر لا يخرج عن كونه فساداً جديداً يدفعه المواطن وليس خزينة الدولة ومؤسساتها، لكن الوزارة تخطت ذلك وذهبت نحو جيوب المواطنين". ويستدرك المصدر: "حتى فقرة (أجور أخرى) الموجودة في قسيمة أجور استهلاك الكهرباء هي بحد ذاتها تبويباً للفساد المالي، فما هي طبيعة هذه الأجور الأخرى ولماذا يتحملها المواطن أساساً وهو لا يكلف الدولة سوى نفقات التيار الكهربائي؟". ويرجح المصدر أن تكون هذه الأجور الإضافية رد فعل على قيام هيئة النزاهة بفتح ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء "لتسديد عشرات وربما مئات المليارات من الدنانير التي تم اختلاسها من قبل موظفين ومسؤولين في الوزارة طوال السنوات الماضية، من أجور استهلاك الكهرباء وما يُعرف في الوزارة بـ(لجنة دريم سيتي)، أو جمعية إسكان موظفي الكهرباء". يشار إلى أن هيئة النزاهة الاتحادية بدأت منذ العام 2024 بفتح ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء وأصدرت عدة أوامر قضائية بحق المتورطين بتلك الملفات. وكان آخرها ما يُعرف بـ"لجنة دريم سيتي" والتي تتعلق بتسوية مبالغ بمليارات الدنانير كأجور استهلاك للكهرباء في عدد من المجمعات والمولات التجارية في بغداد مقابل تسديد مبالغ تُعد "زهيدة" مقارنة بالأجور الفعلية. وكذلك قضية الجمعية التعاونية لإسكان موظفي وزارة الكهرباء والمتهم الرئيس بها هو رئيس الجمعية والمتحدث السابق باسم الوزارة مصعب المدرس، وصدرت بحقه في آذار/ مارس 2026، أوامر قبض ومنع من السفر وحجز الأموال، في قضية يقدر مبلغ الاختلاس فيها بالمليارات أيضاً. وهو ما يتفق معه الخبير القانوني حسن زياد الركابي، إذ يرى أن فرض أجور إضافية على المواطن دون تقديم خدمة فعلية يتعارض مع المادة 28 من الدستور العراقي. ويوضح لوكالة شفق نيوز "تشترط هذه المادة أن تكون الرسوم مفروضة بقانون واضح، وبالتالي فإن فرض هذه الرسوم يمس مبدأ حماية المال العام المنصوص عليه في المادة 27 من الدستور، ما يستدعي مراجعة هذه الإجراءات لضمان عدالتها وشفافيتها".
Go to News Site