صحيفة البلاد البحرينية
كريستالينا جورجيفا: دعم دول الخليج للاستقرار الإقليمي انتقل إلى دول أخرى مرتبطة بها تجاريًّا وماليًّا أحمد جواهري: بعض القطاعات شهدت تراجعًا نتيجة التأخير وارتفاع الكلفة لكنها قادرة على التكيّف السريع عادل اليحيى: البحرين وقعت اتفاقيات استثمارية كبرى تجاوزت قيمتها 17 مليار دولار في قطاعات حيوية يوسف الكعبي: تغير فلسفة العمل الاقتصادي من تبني فرضية الاستقرار إلى “الاستعداد الدائم للمخاطر” عيد العيد: أي توقف يتراوح بين 15 إلى 18 مليون برميل يمثل صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي ستيف أوجيدان: بدأت الشركات في إعادة بناء نماذج عملها عبر أربع استراتيجيات بدل الانكماش وضعت “البلاد” سؤالًا تحت المجهر: ”كيف ستعيد الشركات البحرينية والخليجية نموذجها بعد صدمات الاعتداءات الإيرانية الغاشمة؟”، ففي الاقتصاد، لا تأتي الأزمات كضيف عابر يحمل حقيبة صغيرة، بل كعاصفة تقتلع الخرائط وتعيد رسمها، وهذا ما حدث تمامًا في الخليج العربي مع تصاعد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة وإغلاق مضيق هرمز.. أحد أهم شرايين التجارة العالمية! فجأة، لم تعد الأرقام مجرد مؤشرات، بل نبضًا متسارعًا يعكس قلق الأسواق وارتباك الإمدادات وارتفاع كلفة كل شيء تقريبًا. لكن، وعلى غير ما توحي به البدايات الصاخبة، لم تنتهِ القصة عند حدود الصدمة، بل بدأت هناك حكاية أخرى أكثر عمقًا ألا وهي “حكاية التكيّف”.. كيف ذلك؟ هذا ما سيجيب عليه الملف التالي: الضغط على الغذاء والطاقة تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 70 % من واردات الغذاء في دول الخليج تعرضت للتعطّل، نتيجة الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، وهو ما دفع الأسعار للارتفاع بنسب تراوحت بين 40 % و120 % خلال أسابيع قليلة، ولم يكن ذلك مجرد تضخم عابر، بل ضغطًا مباشرًا على الأمن الغذائي، وفق الباحث في مركز تشاتام هاوس نيل كويليام. في قطاع الطاقة، أشار تقرير أصدرته منظمة الطاقة الدولية في مارس الماضي إلى انخفاض إنتاج النفط الخليجي بنحو 6.7 إلى 10 ملايين برميل يوميًّا في ذروة الأزمة، وهو رقم كفيل بإحداث رجّة في الأسواق العالمية، ومع هذه التطورات، تراجع النمو الاقتصادي في المنطقة إلى نحو 1.1 % في عام 2026، بعد أن كانت التوقعات تشير إلى أداء أقوى بكثير. متانة الأسس.. لا انهيار اقتصادي منذ اندلاع الحرب في المنطقة أواخر فبراير 2026 وما تبعها من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، برزت اقتصادات دول الخليج كنموذج للقدرة على الصمود وامتصاص الصدمات، فالممر الذي يمر عبره نحو 20 % من إمدادات الطاقة العالمية تعرض لتعطّل واسع، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 40 %، وخلق موجة قلق عالمية بشأن التضخم والنمو الاقتصادي، مع ذلك، لم تتحول الأزمة إلى انهيار اقتصادي في الخليج، بل كشفت عن متانة الأسس التي بُنيت خلال العقد الماضي. تلك المعلومات وردت في تقرير نشره موقع “ARABNEWS” تحدثت فيه المدير العام لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، تطرقت فيه إلى أن دول الخليج نجحت في دعم الاستقرار الإقليمي بفضل “أسس اقتصادية متينة وسياسات سليمة وآليات احتياطية فعالة”، وهذه العوامل لم تحمِ اقتصاداتها فحسب، بل انعكست إيجابيًّا على المنطقة ككل، حيث انتقلت آثار الاستقرار إلى دول أخرى مرتبطة بها تجاريًّا وماليًّا. ويعود هذا الأداء إلى عدة عوامل رئيسة، أولها التنويع الاقتصادي الذي تبنته دول الخليج خلال السنوات الماضية، ما خفف من الاعتماد الكامل على النفط، وثانيها قوة المؤسسات المالية، بما في ذلك البنوك المركزية المستقلة والمجالس المالية، التي ساهمت في إدارة السيولة والسيطرة على التقلبات، أما العامل الثالث فهو الاحتياطيات المالية الضخمة التي وفّرت غطاءً قويًّا لمواجهة الأزمات دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية حادة. هامش إضافي للمناورة في الجانب التشغيلي، أظهرت دول الخليج مرونة لافتة في إدارة قطاع الطاقة، فقدرة بعض الدول الخليجية على تخزين النفط وإعادة توجيه الإمدادات وفّرت هامشًا إضافيًّا للمناورة، في وقت كانت فيه دول أخرى، مثل العراق، أكثر عرضة للصدمات بسبب اعتمادها بنسبة تصل إلى 90 % على الإيرادات النفطية، ورغم التحديات، لم تتوقع المؤسسات الدولية طلبًا واسعًا على التمويل الطارئ من دول الخليج، في مؤشر على متانة أوضاعها المالية، وفي المقابل، استعد البنك الدولي لتقديم ما بين 20 و25 مليار دولار كتمويل سريع للدول الأكثر تضررًا، مع إمكانية رفع الدعم إلى 60 مليار دولار، وهو ما يعكس الفجوة بين الاقتصادات القوية والهشة، وحسب التقرير، فإن اقتصادات الخليج لم تتفادَ آثار الحرب، لكنها نجحت في امتصاصها وإدارتها بكفاءة، وأثبتت التجربة أن الاستثمار في التنويع، وبناء المؤسسات، وتراكم الاحتياطيات، لم يكن خيارًا تنمويًّا فقط، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار في أوقات الأزمات. التكيف السريع بإعادة التنظيم ويضع رجل الأعمال الأستاذ أحمد ميرزا علي جواهري ثقة كبيرة في قدرة الشركات البحرينية والخليجية على تجاوز تداعيات الأزمة الأخيرة، ومواصلة دورها الحيوي في دعم النمو الاقتصادي، رغم ما واجهته من تحديات تشغيلية غير مسبوقة، موضحًا أن الصدمة لم تقتصر على تراجع الطلب، بل امتدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج وحركة التجارة والسياحة. ويشير إلى أن بعض القطاعات، مثل السياحة والتجزئة، شهدت تراجعًا ملحوظًا، كما تأثرت مشاريع البنية التحتية نتيجة التأخير وارتفاع الكلفة، إلا أن الشركات الخليجية أظهرت قدرة عالية على التكيّف السريع، من خلال إعادة تنظيم عملياتها وتبني حلول مرنة لمواجهة المتغيرات، ويعيد جواهري التأكيد بالقول: ”الثقة في اقتصاد المنطقة تستند إلى عناصر قوة حقيقية، أبرزها البيئة الاستثمارية المستقرة، والتشريعات الداعمة، والقدرة على الابتكار في إدارة الأزمات، والقطاع الخاص الخليجي أثبت أنه ليس مجرد متلقٍ للصدمات، بل شريك فاعل في تجاوزها وتحويلها إلى فرص للنمو. وينوه بالدور المحوري الذي لعبته الحكومات الخليجية، ومن بينها مملكة البحرين، في دعم استقرار الأسواق، من خلال توفير السيولة، وحماية المنشآت، وضمان استمرارية الخدمات، وتعزيز الأمن الاقتصادي. وأكد أن هذه الإجراءات أسهمت في الحفاظ على ثقة المستثمرين، والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات. ويختم جواهري تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التكامل بين القطاعين العام والخاص، مشيرًا إلى أن الشركات البحرينية والخليجية تمتلك من الخبرة والمرونة ما يؤهلها لمواصلة المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مكانة المنطقة كمركز اقتصادي قادر على مواجهة التحديات بثقة وثبات. البحرين.. مرحلة اقتصادية جديدة ويتناول الخبير الاقتصادي البحريني عادل علي اليحيى تصوره، إذ يرى أن مملكة البحرين تقف اليوم على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة، مدفوعة بمؤشرات إيجابية تعكس قوة البيئة الاستثمارية وتصاعد ثقة المستثمرين، مشيرًا إلى أن ارتفاع رصيد الاستثمارات الأجنبية في عام 2025 إلى نحو 17.5 مليار دينار يمثل نقطة تحول مهمة في مسار النمو الاقتصادي. ويوضح أن استمرار تدفق المشاريع الاستثمارية يعزز فرص الوصول إلى مستوى 20 مليار دينار خلال السنوات المقبلة، واصفًا هذا الهدف بأنه واقعي وقابل للتحقيق في ظل المعطيات الحالية. وأشار إلى أن هذا التوجه يستند إلى عدة عوامل رئيسة، في مقدمتها تنامي تدفق رؤوس الأموال الخليجية، وعودة النشاط الاستثماري بوتيرة متسارعة بعد فترات من التباطؤ الإقليمي والدولي، كما أن الشراكات الاقتصادية الإقليمية والدولية تلعب دورًا محوريًّا في دعم هذا المسار، من خلال فتح أسواق جديدة وتوسيع قاعدة الاستثمارات، إلى جانب ما تشهده المملكة من توقيع اتفاقيات استثمارية كبرى تجاوزت قيمتها 17 مليار دولار في قطاعات حيوية تشمل الصناعة، والخدمات، والتكنولوجيا. وحول القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمار، أكد اليحيى أن تنويع الاقتصاد البحريني يمثل أحد أهم ركائز المرحلة المقبلة، من خلال التركيز على قطاعات واعدة مثل الاقتصاد الرقمي، والاتصالات، والخدمات المالية، بما يسهم في تعزيز الاستدامة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية، ويختم اليحيى بالتأكيد على أن تحقيق هذا النمو لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يمتد ليعزز مكانة البحرين كمركز اقتصادي واستثماري رائد في المنطقة، مدعومًا بسياسات اقتصادية مرنة قادرة على مواكبة التحولات العالمية. اقتصاد المرونة وإدارة المخاطر ما هو التحول الاستراتيجي المتسارع؟ يرى الخبير الكويتي في الخدمات اللوجستية يوسف الميل الكعبي أن ما شهدته دول الخليج خلال الأزمة الأخيرة لا يمكن قراءته بوصفه تراجعًا اقتصاديًّا بقدر ما هو “تحول استراتيجي متسارع” نحو نموذج أكثر توازنًا واستدامة، فالأزمة لم تُضعف اقتصادات المنطقة، بل سرّعت انتقالها من الاعتماد التقليدي على النفط إلى اقتصاد متنوع يقوم على المرونة وإدارة المخاطر. هل هناك دليل على ذلك؟ أي هل هناك بيانات واضحة؟ والبيانات التي يرتكز عليها الكعبي هي بيانات اقتصادية تشير إلى أن القطاعات غير النفطية حافظت على معدلات نمو تتراوح بين 3.4 % و3.5 % رغم التحديات، وهو ما يعكس نجاح السياسات الخليجية في تنويع مصادر الدخل خلال السنوات الماضية، أضف إلى ذلك أن الشركات بدأت بالفعل إعادة توجيه استثماراتها نحو قطاعات أكثر قدرة على الصمود، مثل التكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة المتجددة، إلى جانب الخدمات اللوجستية التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في استقرار سلاسل الإمداد. المرونة أهم من النمو وعن أبرز ما كشفته الأزمة، يتطرق الكعبي إلى تغير فلسفة العمل الاقتصادي، حيث لم تعد الشركات تبني استراتيجياتها على فرضية الاستقرار، بل على الاستعداد الدائم للمخاطر، بل أصبحت المرونة أهم من النمو السريع، والتنويع ضرورة لا خيارًا، فيما يشكل التكامل الإقليمي عامل بقاء في ظل عالم سريع التغير، والقطاع اللوجستي كذلك لعب دورًا محوريًّا في تخفيف آثار الأزمة، من خلال إعادة توجيه مسارات الشحن، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التكامل بين الموانئ والمطارات، ما ساهم في استمرارية تدفق السلع والخدمات. ومن الأهمية بمكان، يختم يوسف الميل الكعبي، الإشارة إلى أن الشركات الخليجية، ومنها البحرينية بلا شك، أثبتت قدرتها على التكيّف مع الأزمات، والتحول الجاري اليوم يضع أسس اقتصاد أكثر ذكاءً وصلابة، قادر على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص نمو مستقبلية. التأثيرات ليست بالـ”حجم المقلق” وللمستشار الاقتصادي السعودي عيد العيد كلام مهم في تصريح لتلفزيون الشرق، فأي توقف يتراوح بين 15 إلى 18 مليون برميل من النفط من دول الخليج يمثل صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، نظرًا لاعتماد العديد من الدول على هذه الإمدادات ليس فقط في قطاع الطاقة، بل في استمرارية صناعات حيوية ترتبط بمدخلات ومنتجات خليجية أساسية، وهذا التوقف ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، وقد بدأت بالفعل مؤشرات القلق الدولي في الظهور، إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن تأثيراته على دول الخليج، رغم وجودها، لن تكون بالحجم المقلق، مستندًا إلى ما تتمتع به هذه الدول من مرونة اقتصادية وقدرة مثبتة على تجاوز الأزمات. ويعود العيد إلى التجارب السابقة، سواء خلال الأزمات المالية العالمية أو جائحة كورونا أو التوترات الجيوسياسية، فقد أثبتت قدرة اقتصادات الخليج على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات، ذلك لأن البنية التحتية الاستراتيجية لعبت دورًا محوريًّا في تعزيز هذه القدرة، ومثل هذه التحديات، رغم صعوبتها، تعزز من قوة ومتانة اقتصادات الخليج. إعادة تصميم نماذج الأعمال نشر الباحث الاقتصادي في موقع “ذي ويستلر” د. ستيف أوجيدان دراسة بتاريخ 4 مارس 2026، شخص فيها الأزمات الأخيرة التي لم تدفع الشركات في الخليج العربي إلى التراجع بقدر ما أجبرتها على إعادة تصميم نماذج أعمالها بصورة أكثر مرونة وكفاءة، وما حدث يمثل تحولًا هيكليًّا في طريقة إدارة المخاطر والتشغيل. وفي قراءة تطبيقية لأداء الشركات خلال الأزمة، يشير إلى أن قطاع الطيران قدّم نموذجًا واضحًا لحجم التحديات، حيث تم إلغاء نحو 22.9 % من الرحلات خلال يوم واحد، مع ارتفاع التكاليف التشغيلية إلى ما يقارب 6000 دولار لكل ساعة طيران نتيجة تغيير المسارات، موضحًا أن هذه الأرقام تعكس ضغطًا تشغيليًّا غير مسبوق، فرض على الشركات التحرك سريعًا لتفادي خسائر أعمق. وحسب تقديره، فإن الشركات لم تلجأ إلى الانكماش، بل تبنّت مسارًا استباقيًّا لإعادة الهيكلة، تمثل في أربع ركائز أساسية هي: تنويع سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على مسارات محددة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي لضمان استمرارية الإنتاج، إلى جانب تسريع التحول الرقمي بما يدعم كفاءة اتخاذ القرار، وأخيرًا رفع مستوى المرونة التشغيلية عبر إعادة توزيع الموارد وضبط التكاليف. ويمكن تلخيص الوضع كخاتمة بالقول أن الحكومات الخليجية لعبت دورًا محوريًّا في دعم هذا التحول، من خلال ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتوفير السيولة للأسواق، وتعزيز الاستقرار الأمني، ما ساهم في خلق بيئة قادرة على امتصاص الصدمات وتسريع التعافي، وهذا يعني بروز نموذج اقتصادي جديد في المنطقة، قائم على المرونة والابتكار بدل الاعتماد التقليدي على الإنتاج والتصدير فقط، علاوةً على أن التجربة الخليجية أثبتت قدرتها على إعادة التشكيل في مواجهة التحديات، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تبني مفهوم مختلف للاستقرار الاقتصادي، فالاستقرار لم يعد حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية تُدار بشكل يومي، في ظل بيئة عالمية سريعة التغير.
Go to News Site