صحيفة البلاد البحرينية
في أوقات التوتر، تميل القرارات لأن تكون سريعة أكثر من كونها ناضجة، ولا يكون التركيز على جودة القرار بقدر ما يكون على تقليل التكلفة أو الاستمرار في التشغيل، حتى لو كان ذلك على حساب الاستدامة، وهنا يظهر سؤال مهم، هل يؤدي تطبيق الاستدامة إلى رفع التكلفة، أم أن تجاهلها هو ما قد يخلق هذه التكلفة لاحقًا؟ وفي سياق منطقة الخليج العربي، يشير الأكاديمي الدكتور نجيب الغربال، استمرارية التشغيل ترتبط باستقرار تدفق الطاقة والتجارة عبر الممرات المائية، ولا يبقى هذا السؤال نظريًّا، بل يتحول إلى جزء من القرار اليومي الذي يُتخذ تحت ضغط التوترات الإقليمية. وفي مثل هذه الظروف، قد لا يختفي أثر تأجيل الاستدامة، بل يبدأ بالظهور تدريجيًّا في طريقة التشغيل اليومية. وزاد، ما يحدث في أوقات التوتر ليس إعادة تقييم حقيقية للاستدامة بل إعادة ترتيب سريعة للأولويات تحت ضغط، حيث قد تُعامل الاستدامة كتكلفة يمكن تأجيلها، وهنا تبدأ بعض الانعكاسات في الظهور. ولا تظهر هذه الانعكاسات بشكل مفاجئ، بل تتشكل تدريجيًّا في جودة التشغيل، ثم تمتد إلى الأثر الاقتصادي والبيئي والاجتماعي، وما ينعكس على طبيعة الشراكات بين القطاعات. وأشار الغربال إلى أنه في أوقات التوتر، لا يتم التعامل مع الاستدامة كأولوية، بل قد يُنظر إليها على أنها عنصر مكمل يمكن تأجيله، لأن تطبيقها قد يُفهم على أنه يزيد التكلفة، أمام ضغوط أكثر إلحاحًا مثل السيولة أو استمرارية التشغيل أو تدفق السلع، خصوصًا مع التوترات التي تؤثر على الممرات المائية مثل مضيق هرمز، مبينًا أن الأثر لا يتوقف عند مستوى التجارة فقط، بل يمتد إلى تفاصيل التشغيل اليومية داخل المؤسسات، حيث يبدأ القرار في الانحراف تدريجيًّا نحو ما يمكن التحكم فيه بسرعة، حتى لو كان ذلك على حساب ما يجب الحفاظ عليه على المدى الأطول. ولا يقتصر الأثر هنا على حركة التجارة فقط، بل قد يمتد إلى طريقة التشغيل اليومية في دول الخليج التي تعتمد بشكل مباشر على استقرار هذه الممرات في تحقيق التوازن الاقتصادي. وفي مثل هذه الظروف، يوضح الغربال قد يدفع ذلك إلى قرارات تركز على تقليل التكاليف من خلال العمليات اليومية، لكن هذه القرارات لا تختفي آثارها، بل تنتقل إلى مراحل لاحقة بشكل أكثر تعقيدًا، وهو ما قد ينقل جزءًا من الأثر إلى مراحل لاحقة، قد يظهر في الأبعاد الاقتصادية من حيث التكاليف وكفاءة التشغيل، وقد يظهر أيضًا في تراجع جودة العمليات أو زيادة الهدر أو الضغط على الموارد، وفي الجوانب البيئية، وتأثيره على المجتمع، خاصة عندما تكون بعض هذه القرارات مفروضة بفعل ظروف خارجية يصعب التحكم بها، لذلك، تحت ضغط التوتر الجيوسياسي قد لا تكون الاستدامة مجرد ترف إضافي، بل تؤثر بشكل مباشر على القرارات اليومية، إما في تقليل الأثر أو انتقاله إلى مراحل لاحقة أكثر تعقيدًا مع الوقت. وفي هذه الحالة، قد يجد متخذ القرار نفسه أمام تحدي تحقيق توازن بين التعامل السريع مع الضغوط الاقتصادية والتشغيلية، وبين الحد من تحول هذا التعامل إلى أثر أكبر على الاقتصاد والمجتمع لاحقًا. وتابع، لا يتوقف أثر هذا النوع من القرارات عند التشغيل فقط، بل قد يظهر في بعض الحالات في مستوى الثقة في السوق، لأن طريقة إدارة القرار تحت الضغط تعطي إشارات غير مباشرة للبيئة المحيطة، مثل استقرار التعاملات واستمرار الشراكات بين القطاعات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة أو ضمن المجتمع المدني وحتى على المستوى الدولي، وهو ما ينعكس تدريجيًّا على مستوى الثقة في السوق وقدرته على جذب الاستثمارات. فطريقة إدارة القرار تحت الضغط لا تؤثر فقط على النتائج المباشرة، بل على استقرار البيئة الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. وفي هذا الإطار، يلفت الغربال إلى الاستدامة لا تكون مجرد خيار يمكن تأجيله، بل تصبح جزءًا من طريقة إدارة القرار نفسه، خصوصًا في أوقات التوتر، حيث لا يكون التحدي في سرعة القرار فقط، بل في قدرته على الاستمرار دون أن يخلق آثارًا يصعب التعامل معها لاحقًا، وهنا لا يكون التحدي في سرعة القرار بقدر ما يكون في إعادة إدماج الاستدامة داخل القرار نفسه، لا كخيار لاحق بل كجزء من بنيته منذ البداية، وفي هذه الحالة، لا يكون التحدي في توفر المعلومات بقدر ما يكون في طريقة تعامل متخذ القرار معها تحت الضغط، حيث يميل في بعض الحالات إلى التركيز على ما يمكن التحكم فيه بشكل سريع، مثل التكاليف أو استمرارية التشغيل، مقابل تأجيل الصيانة أو تقليل جودة التشغيل. وأكد، عندما تُدار الاستدامة ضمن القرار بشكل عملي، قد يظهر أثرها في خفض التكاليف بدلاً من زيادتها، فعلى سبيل المثال، قد يساعد تحسين كفاءة استخدام الموارد أو تقليل الهدر في تقليل المصروفات اليومية دون التأثير على جودة التشغيل، كما قد يسهم تنظيم العمليات بشكل أفضل في تقليل الوقت والموارد المستخدمة. وفي بعض الحالات، قد يمتد هذا الأثر ليشمل اختيار المواد الخام التي تقلل الفاقد أو يمكن إعادة استخدامها، وهو ما ينعكس مباشرة على التكلفة دون الإخلال بجودة العمل، وهنا يظهر الفرق بين النظر إلى الاستدامة كتكلفة، وبين إدارتها كأداة داخل القرار نفسه، فحين تُدار بشكل منفصل تبدو عبئًا، أما حين تُدمج داخل طريقة التشغيل فإنها تتحول إلى جزء من الكفاءة. وفي ظل تصاعد التوترات، يتساءل الغربال سؤالًا عمليًّا، هل يمكن للاستدامة أن تُطبق دون أن ترفع التكاليف؟ والإجابة تعتمد على طريقة التطبيق، فقد يؤدي تحسين استهلاك الطاقة أو تقليل الهدر في المواد إلى خفض المصروفات اليومية، كما قد يظهر ذلك في طريقة تصميم العمليات، وكذلك في اختيار المعدات أو خطوط الإنتاج التي تراعي كفاءة الاستخدام، حيث قد تكون تكلفتها أعلى في البداية، لكنها تساهم في خفض المصروفات التشغيلية مع الوقت، وعند هذا المستوى تحديدًا، لا يرتبط دور الاستدامة فقط بطريقة التعامل مع الأثر بعد حدوثه، بل يبدأ قبل ذلك من مستوى الجاهزية داخل المؤسسة أو الجهة المعنية نفسها. فالمؤسسات التي تبني قراراتها على كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الهدر، ومرونة العمليات، تكون أكثر قدرة على التعامل مع التوترات دون الحاجة إلى قرارات حادة أو مفاجئة. وأضاف ففي لحظة التوتر، لا تختبر المؤسسة بقدرتها على اتخاذ قرار سريع فقط، بل بمدى قدرتها على التأقلم، ومدى جاهزيتها لتحمل آثار هذا القرار دون أن تنكسر بنيتها التشغيلية، فعلى سبيل المثال، عندما تكون أنظمة التشغيل مصممة بقرارات تراعي تقليل الاعتماد على مصادر محددة، أو لتخفيف المخاطر، فإن أثر أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو تدفق الطاقة يكون أقل حدة. كما أن وجود سياسات واضحة لإدارة الموارد يساهم في تقليل الضغط على القرار عند حدوث الأزمة، لأن جزءًا من المعالجة يكون قد تم مسبقًا ضمن طريقة التشغيل نفسها، وفي مثل هذه الحالات، لا تظهر الاستدامة كحل مؤقت، بل كجزء من بناء القرار من الأساس، وهو ما يمنح متخذ القرار مساحة أوسع للتعامل مع التوتر دون أن يضطر إلى التضحية بجودة التشغيل أو تحميل المجتمع آثارًا إضافية. وبين أن وجود قواعد واضحة في اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات، ضمن إطار الحوكمة، يساعد على تقليل الارتباك في مثل هذه الظروف، ويجعل القرار أكثر وضوحًا وثباتًا، مشيرًا إلى أنه في ظل تصاعد التوترات، يتضح كيف يمكن للاستدامة أن تعيد تشكيل طريقة اتخاذ القرار تحت الضغط، حيث لا يكون التركيز على معالجة الأثر في لحظته فقط، بل على ما يترتب عليه لاحقًا. وفي هذا المستوى، لا يكون القرار مجرد استجابة ظرفية، بل انعكاس لطريقة عمل تم بناؤها مسبقًا، وهو ما يقلل من الحاجة إلى قرارات سريعة قد تحمل آثارًا أكبر لاحقًا، مثل ارتفاع التكاليف التشغيلية، أو تراجع كفاءة العمل، أو زيادة الضغط على الموارد. واختتم حديثه أنه في مملكة البحرين، يمكن ملاحظة أن إدارة الاستدامة خلال فترات التوتر قد ساهمت في الحد من انعكاساتها على حياة المواطن والمقيم، حيث استمرت معظم مظاهر الحياة اليومية بشكل قريب من المعتاد، وهو ما ينسجم مع التوجهات العامة لرؤية البحرين الاقتصادية 2030 في إدارة القرار الرشيد بما يعزز الاستقرار ويدعم الأمن المجتمعي. أكاديمي وكاتب بحريني
Go to News Site