صحيفة البلاد البحرينية
سابقة للبحث عن الاستقلال في اتخاذ القرارات آلية التسعير وفوضى الأسواق وراء الخروج الكبير الطلب العالمي يصعد 1,4 مليون برميل يوميًّا هذا العام “أوبك بلس” تنتج 35 مليون برميل يوميًّا الشهر الماضي 10,1 مليون برميل تراجع في إمدادات النفط بسبب الحرب خبراء: النفط يرتفع 24 % خلال 2026 مارس .. يرفع سلة “أوبك” إلى 116 دولارًا المسارات البديلة لـ”هرمز” ترفع أسعار الشحن 100 % “إذا حضر الماء بطل التيمم”، هكذا يُقال بأن الذين يصرحون بأسمائهم للكشف عن ملامح المشهد بعد “استقالة” الإمارات من “أوبك” و”أوبك بلس”، كانوا أبطال اللحظة، لذلك فإن ما يُقال بعدهم من كلام سيصبح مجرد كلام، وما يُثار خلفهم من همس ولمز لا يُعد كونه تكهنات أو أضغاث أحلام. رغم ذلك، كان هاجس البحث أكثر اندفاعًا من الوصول إلى مجرد “وجهات نظر”، واستشراف المستقبل يمنحنا حق الأولوية في التجريب .. لعل وعسى. من هنا كان لابد ونحن نعيش مع الآخرين ردود الأفعال بعد القرار التاريخي لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة للخروج من المنظمتين العالميتين، أن نكون من الفرز أقرب، ومن الاستعانة بالأرقام أكثر فهمًا بأن ما هو قادم سوف يكون بالقطع مختلفًا، وأن ما كنا نراه من بعيد، ليس بالضرورة مثلما يبدو، لذا فإن الأربعة ملايين برميل “الإماراتية” المرشحة للوصول إلى أكثر من خمسة ملايين برميل نفط يوميًا والتي ستخرج من حقول الدولة الشقيقة، قد تلقي بآثارها السلبية على الدور المحوري الذي تلعبه “أوبك” و”أوبك بلس” في مواجهة الدول الأكثر تأثيرًا على الأسواق من خارج هذا التنظيم الدولي المحكم، فالدول التي تنتج من خارج ذلك الكيان هي البرازيل والولايات المتحدة وكندا والأرجنتين، خاصةً بعد أن برز تحالف “أوبك بلس” كلاعب قوي خلال حرب “إيران الثانية” وما نتج عنها من ضعف في الإمدادات وارتفاع في الأسعار، ذلك على الرغم من انخفاض الإنتاج إلى نحو 35,06 مليون برميل يوميًّا، وذلك على الرغم أيضًا من الارتفاع القوي في هوامش أسواق التكرير والمنتجات النفطية، مما أدى بالتالي إلى ارتفاع أسعار هذه المنتجات ومن ثم ارتفاع أرباح المصافي. قبل “التخارج الكبير” ووفقًا لتقرير صادر عن شهر أبريل الجاري قبل “التخارج الكبير” من منظمة “أوبك بلس”، فإن أسعار سلة نفوط “أوبك” نجدها وقد ارتفعت بمقدار الـ46 و48 دولار للبرميل ليصل السعر إلى نحو 116,36 دولارًا للبرميل، في الوقت الذي ارتفع فيه خام “برنت” إلى 99,60 دولارًا مقابل 91 دولارًا لخام غرب تكساس. السبب وفقًا لـ”أوبك” يعود إلى: (1) اضطرابات في الإمدادات، (2) توترات جيوسياسية، (3) زيادة الطلب الفوري على النفط. طبيعي أن يحدث ذلك لأن التوقعات حسب آخر تقارير البنك الدولي يعود إلى احتمالات قوية بزيادة نمو الاقتصاد العالمي بمقدار 3,1 % بنهاية عام 2016 الجاري وإلى 3,2 % في نهاية عام 2027، وذلك بسبب توقعات النمو الاقتصادي في الهند بمقدار 6,6 % والصين بنسبة 4,5 % ثم الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 2,2 %. هذا الوضع سوف يرفع - وفقًا للبنك الدولي – الطلب على النفط بمقدار 1,4 مليون برميل يوميًا خلال العام الجاري 2026. تحالفات اللحظة لـ”الطاقة الدولية” وكالة الطاقة الدولية تحالفت كذلك مع دول “أوبك” لتؤكد على ارتفاع مخزونات النفط العالمية إلى 2,3 مليار برميل، وإلى حدوث حالة من التوازن “المؤقت” في نفط “أوبك بلس”، حيث يزيد الطلب عن المعروض بمقدار 600 ألف برميل يوميًّا فقط، نظرًا لاحتمال وصول المعروض إلى نحو 42,9 مليون برميل يوميًا في عام 2026 مقابل وصول الطلب إلى 43,6 مليون برميل يوميًا في عام 2027. ويبدو من المشهد أن الطلب على وقود البنزين ثم وقود الطائرات ثم الديزل سوف يتصدرون قائمة الاستهلاكات البترولية خلال العام الذي يلي خروج الإمارات من تحالف “أوبك” و”أوبك بلس”، رغم الارتفاعات المضطردة في الأسعار والنمو المستمر في الطلب على النفط، بالإضافة إلى اضطرابات مؤكدة في الإمدادات والنقل بسبب أزمة “المضيق”، وفي ظل فشل كل محاولات الانتقال من حالة “الهدنة” إلى “السلام الدائم”. سياسة “الخطوة خطوة” واعتبارًا من أول شهر مايو للعام الجاري 2026، سيقرر تحالف “أوبك بلس” زيادة الإنتاج بنحو 206 آلاف برميل يوميًا ابتداءً من شهر مايو القادم، حيث تمثل هذه الزيادة بعد خروج الإمارات أقل من 0,2 % من الإنتاج العالمي المقدر بنحو 100 مليون برميل يوميًا، وهي زيادة رمزية لسبب بسيط هو أن “أوبك بلس” تتبع سياسة “الخطوة خطوة” لمنع انهيار الأسعار والمحافظة على استقرار السوق وتجنب فائض المعروض. أما صدمة الإمدادات وما يرتبط بها من تداعيات، فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية سنجد أن الأرقام تتحدث عن واقع الحال هنا بسبب توقعات بانخفاض حاد لإنتاج “أوبك بلس” إلى نحو 35,5 مليون برميل يوميًا في هذا الشهر بسبب إغلاق أو تعطل مضيق هرمز إلى جانب الهجمات التي تعرض لها البنية التحتية النفطية في إيران ودول المنطقة، ما أدى إلى تراجع الإمدادات العالمية بنحو 10,1 مليون برميل يوميًّا، وهو ما يؤكد اكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ الحديث. بعد انسحاب الإمارات لكن وبعد انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من التحالفين الكبيرين “أوبك” و”أوبك بلس” فإن وكالة الطاقة الدولية لم تسكت ذلك أنها أول من انبرى ليحلل المستقبل، وما الذي تؤول إليه السوق النفطية بعد سريان القرار اعتبارًا من أول مايو من العام الجاري 2026، فالحدث المفصلي مثلما أطلق عليه من الوكالة يمكن تسميته بانسحاب أحد أكبر المنتجين بحوالي ثلاثة ملايين برميل يوميًّا، مع امتلاك قدرة إنتاجية تُقدر بخمسة ملايين برميل يوميًا. هذا القرار قد يؤدي إلى: 1. تقليل حصة “أوبك بلس” في السوق إلى نحو 44 %. 2. إضعاف قدرة التحالف على التحكم في الأسعار. 3. زيادة المنافسة داخل السوق وذلك لأن دولة الإمارات تسعى إلى زيادة الإنتاج من دون قيود للحصص بالإضافة إلى الاستفادة من الأسعار المرتفعة. ولكن كيف تواجه “أوبك بلس” هذه المعضلة؟ ما هي الآليات والوسائل البديلة التي يمكن من خلالها تعويض خمسة ملايين برميل محتملة يوميًّا، وثلاثة ملايين برميل على المحك يوميًّا؟ هل يمكن “التعويض” بضم أعضاء جدد؟ هل بزيادة سقوف الدول الأعضاء حاليًّا؟ إن استراتيجية “أوبك بلس” تعتمد حاليًّا على التقييم العام للوضع، خاصةً أن هذا التقييم قد أدى إلى وضوح أكثر للرؤية وتحديد أكثر انضباطًا للصورة. هناك نقاط قوة تمتلكها “أوبك بلس”، أهمها المرونة في تعديل الإنتاج من داخل التحالف نفسه، بالإضافة إلى الاجتماعات الشهرية التي يتم من خلالها مراقبة الأوضاع مع الانعقاد الدائم لأعضاء المنظمة “أون لاين” منذ الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي وحتى الآن. قاسم مشترك أعظم هذا يقودنا إلى محاذير عديدة تمثل في قاسمها المشترك الأعظم نقاط الضعف الاستراتيجية التي تكمن في: (1) التزام غير كامل من بعض الأعضاء، (2) خروج دول أخرى من التحالف، (3) تأثير محدود أمام الأزمات الجيوسياسية، خاصةً بعد تجميد “فنزويلا” عندما تم اختطاف رئيسها وسرقة نفطها، وأصبحت في وضع لا تُحسد عليه رغم أنها من إحدى الدول اللاتينية المهمة داخل التحالف. من هنا أيضًا كان لابد من تحديد الملامح الأساسية لوضع “أوبك بلس” بعد خروج الإمارات: أولاً: زيادة محدودة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًّا. ثانيًا: انخفاض فعلي في الإمدادات بسبب الأزمات. ثالثًا: السوق سوف يعاني اختلالًا مؤقتًا بسبب نقص الإمدادات ثم تقلبات الأسعار. رابعًا: العوامل الجيوسياسية والتي تصبح عاملًا حاسمًا في تحديد كميات النفط الممكن إنتاجها وتلك المفترض تسويقها أو خروجها للأسواق عبر المضيق المتأزم. أخيرًا: إن انسحاب الإمارات يهدد بالفعل تماسك التحالف وقد يشجع دولاً أخرى على الخروج من عدة بوابات كبيرة وصغيرة و”بَيْنَ بَيْن”. خارج دائرة التحفظهذه الأوضاع مجتمعة سوف تؤدي إلى حالة ارتباك لم يسبق لها مثيل، حيث أن نحو 5 % من الإنتاج العالمي للنفط من داخل وخارج “أوبك بلس” قد فقده التحالف، ويصعب تعويضه من خارج دائرة الدول المتحفظة على هذا التحالف من الأساس وهي الولايات المتحدة والأرجنتين وغيرهما، إلى جانب أن إرهاصات البدائل ما زالت مرتفعة التكلفة وأن الخروج من نفق زجاجة المرحلة بالبحث عن مصادر طاقة أكثر تجددًا وتفعيلاً وتأثيرًا في الاقتصاديات العالمية مازال مرتفع التكاليف حتى لو وصل سعر برميل النفط لأكثر من 150 دولارًا ولو أصبح الاقتصاد العالمي أكثر رواجًا بعد انتهاء الحرب في المنطقة والتي شهدت “انحشارًا” صعبًا لأكبر منتجي النفط في العالم وهي دول مجلس التعاون الخليجي في حالة جيوسياسية لم يسبق لها مثيل، لأننا ولأول مرة نشهد تورط دول في حرب لا ناقة لها ولا جمل، بل إن العدوان الإيراني اليومي الغاشم على مقدراتها الاقتصادية ومنشآتها النفطية ومحطات إنتاج الكهرباء والماء فيها يعتبر سابقة تاريخية لم يشهدها الواقع السياسي والإنساني المؤلم منذ الحرب العالمية الثانية حتى اللحظة مرورًا بحرب تحرير الكويت. فترة تاريخية قادمة هذا الوضع يؤشر باتجاه احتمال تأثر المعروض من النفط خلال الفترة التاريخية القريبة القادمة وإلى احتمال زيادة الأسعار إذا لم يتم حقن الدماء بين الفرقاء الأساسيين في الحرب “أمريكا وإيران” والنزول على أرضع الواقع بعيدًا عن انتصارات وهمية أو مكاسب خيالية، فالكل سوف يكون خاسرًا، والكل سوف يلقب في القاموس الإنساني المهيب بلقب المعتدي على الإنسانية، خاصةً أن الدول حديثة النمو قد أصابها الشلل وتلك التي تئن تحت مستوى خط الفقر، وتلك المتمتعة باقتصاديات الوفرة، جميعها .. جميعها سوف تنال حظها من الخراب، وجميعها .. جميعها سوف تلحق بها الأضرار والكوارث، حتى ما يُقال عن ميزانية الفيدرالي بعد خروج “باول” من إدارة البنك، ودخول آخر قد لا ينصاع بالضرورة إلى السيد ترامب، حيث إن التبعية الحزبية لن تكون بالضرورة هي الدافع الأقوى في معادلة السمع والطاعة للبيت الأبيض بتشكيلته الراهنة، وتحالفاته الساخنة، واختياراته الصادمة. آثار أخرى أسعار الفائدة سوف تكون على المحك، حتى الذهب بدأ في التراجع بعد تخطي أسعار النفط لحاجز الـ116 دولارًا لخام “برنت” ونحو 109 دولارًا لخام “تكساس”، ذلك أن سعر أوقية الذهب قد تراجعت خلال الـ48 ساعة الماضية من أربعة آلاف وستمائة وسبعين دولارًا إلى نحو أربعة آلاف وخمسمائة وسبعين دولارًا للأوقية الواحدة، وارتفاع أوقية الفضة لحدود الـ80 دولارًا، مما يشكل نسقًا جديدًا من من التناضح العكسي بين أسعار النفط وأسعار الذهب والمعادن النفيسة حيث لم تعد العلاقة الطردية موجودة، ولم يعد ذلك التلاحم التصاعدي دليل تحمل شاق لربط المعادلة بمفهومها القديم “اصعد وأنا أصعد معك”، وأن الآلية الجديدة للتسعير تعتمد على مؤثرات وارتباطات أكثر ابتعادًا من نظرية “البعيد عن العين” وما خُفي هو أعظم.
Go to News Site