صحيفة البلاد البحرينية
أستكمل في هذا المقال سلسلة قراءاتي للأفلام التي حصدت جوائز الأوسكار ولم يتسنَّ لنا مشاهدتها في حينها، وتحديداً كنوز السبعينيات والثمانينيات؛ لما تشكله من إرث سينمائي لا ينضب. وعلى الرغم من قلة الإنتاج السينمائي للمخرج الأمريكي"بوب فوس"، إلا أن أفلامه عكست سماتٍ فنيةً متفردة؛ فقد خط لنفسه طريقاً واضح المعالم، صهر فيه مواهبه كمصور، ومخرج، ومصمم رقصات عبقري. استطاع "فوس" أن يطوع الرقص ليصبح لغةً تحكي قضايا الحب، والنقد الاجتماعي، وسبر أغوار النفس البشرية بتعقيداتها. يعد فيلم " "All That Jazz" (إنتاج عام 1979)، والذي جسد بطولته "روي شيدر" و"آن رينكنج" و " جيسيكا لانج" ، أهم أعمال "فوس" على الإطلاق؛ فهو نسيج عجيب وغير مألوف في عالم الكوميديا الموسيقية. قدم فيه "فوس" اعترافاً سينمائياً صريحاً وقاطعاً عن قصة حياته، مسلطاً الضوء على عيوبه ونقاط ضعفه بكل تجرد. فمن خلال شخصية "جو جديعون"، نرى "فوس" المدمن، المتهور، والعاشق للنساء، مستلهماً أحداث الفيلم من واقعه الشخصي، ومستخدماً نماذج لشخصيات ارتبطت به في ظروف واقعية متشابهة. "جو جديعون" هو تجسيد لـ "فوس" نفسه؛ ذلك الرجل الذي يمتلك قدرة هائلة على الخلق والابداع والخيال، بينما تغرق حياته الشخصية في فوضى عارمة. يبدأ الفيلم بصوت ينبعث من عتمة الظلام قائلاً: "مرة أخرى.. من البداية.. ست ضربات".. لو تأملنا هذه الكلمات القليلة، لاكتشفنا الملامح الأساسية للبناء الدرامي للفيلم. فبالرغم من كونها مجرد "توجيهات" يلقيها "جديعون" لراقصيه، إلا أنها تحدد الهيكل العام لقصة حياته. نحن هنا لا نرى تسلسلاً زمنياً تقليدياً يبدأ من الميلاد، بل نقتحم حياته وهي في ذروة نجاحها السينمائي والمسرحي، لنصل معه إلى النهاية.. إلى "الموت"، الذي يمثل في واقع الأمر "الضربة السادسة" بعد الضربات الخمس السابقة. يفصل الفيلم بين كل مرحلة وأخرى بجملة يرددها "جديعون" كطوق نجاة: "إنه وقت الاستعراض" . وهي جملة تسبقها ثيمة سينمائية مكررة، تبرز صراع الفنان وبحثه الدائم في كواليس الفن المجهدة. تميز الفيلم باستعراضات مبهرة، لعل أهمها وأكثرها تأثيراً استعراض "وداعاً يا حياة" فيه تتجسد خيالات "جديعون" وهو يصارع الموت داخل غرفته في المستشفى. هذا الاستعراض يعد قمة في الإبهار والابتكار، حيث اعتمد فيه "فوس" على خيال رحب كسر به قيود الواقع." استحق الفيلم أن يخلد كأحد أقوى الأفلام الاستعراضية. وتكمن عبقريته في اعتماده "مفهوم المخالفة"؛ حيث تمرد على الأسس التقليدية للرقص، ليعيد صياغة تناغم الحركة واللقطة والإيقاع بشكل يلمس الروح ويصدم الوعي.
Go to News Site