صحيفة البلاد البحرينية
“لن تكسرني".. بهذه العبارة يختصر جيري ويست روحه في الوثائقي Jerry West: The Logo، وهو عمل سردي يُقدَّم في أبهى صوره. لا تحتاج لأن تكون من متابعي كرة السلة، ولا حتى أن تمتلك معرفة مسبقة بجيري ويست؛ فالفيلم لا يضع أي عوائق أمام المشاهدة، لأن قصة رجل بحجم إلهامه تتجاوز حدود الرياضة نفسها. عاش ويست حياة مليئة بالألم والجمال في آنٍ واحد، ولهذا يصعب الخروج من هذا الوثائقي دون أن يترك أثرًا عاطفيًا عميقًا. إنه سيرة رجل واجه الكثير خلال 86 عامًا، ونجح في تحويل معاناته إلى قوة دفع استثنائية. يأتي هذا العمل في وقت تشهد فيه أفلام الوثائقيات الرياضية تشبّعًا واضحًا، بعد النجاح الهائل لسلسلة The Last Dance التي تناولت مايكل جوردان وشيكاغو بولز في التسعينيات، والتي أصبحت معيارًا ذهبيًا لهذا النوع. غير أن ذلك النجاح فتح الباب أمام موجة من الأعمال الرياضية المتكررة والسطحية التي فقدت روحها الأصلية. في هذا السياق، يبدو وثائقي جيري ويست منعشًا ومختلفًا. فقد قدّمه المخرج كينيا باريس بأسلوب متماسك وذكي، حيث جمع تفاصيل حياة ويست وسمح له بأن يروي قصته بصوته، في معالجة متوازنة وذات حس إنساني عالٍ. لكن جوهر الفيلم ليس المخرج ولا المقارنات، بل جيري ويست نفسه. فقد تم تسجيل هذه المقابلات في أواخر حياته، قبل وفاته في يونيو 2024 بأقل من عامين، ما يمنح العمل بعدًا إضافيًا مؤثرًا، خصوصًا حين نراه يتحدث بوضوح وذاكرة حادة كأنه ما زال في قلب مسيرته. الأكثر إيلامًا هو إدراك أن الموت يطول الجميع، حتى شخصًا بحضور ويست الأسطوري. ومع ذلك، يظل الرجل حاضرًا بطاقة داخلية مذهلة، وكأن الألم الذي رافقه منذ الطفولة لم ينجح يومًا في إخماده. نشأ ويست في بيئة قاسية داخل غرب فرجينيا خلال فترة من الفقر والعزل العنصري، محاطًا بظروف صعبة تصل حد الخوف اليومي داخل المنزل نفسه. تلك التجارب تركت ندوبًا عميقة، لكنها أيضًا شكّلت شرارة طموحه التي قادته لاحقًا إلى المجد. ورغم كل ما حققه من بطولات وشهرة، لم تغادره تلك المعاناة يومًا، لكنه حوّلها إلى وقود للاستمرار. وبينما يروي ذلك أمام الكاميرا، تتجلى القشعريرة في كل لحظة من حديثه. الوثائقي يقدّم نسختين من حياة ويست: واحدة كان يمكن أن تبقى محصورة في الفقر والضياع، وأخرى تحوّل فيها إلى “The Logo”. وبين النسختين، تتجسد قيمة الإرادة الإنسانية. وفي النهاية، يترك الفيلم رسالتين أساسيتين: الصلابة الإنسانية، وطريقة تعامل الإنسان مع الآخرين. فبالنسبة لويست، لم يكن الاستسلام خيارًا مطروحًا، ولم يكن يومًا في قاموسه. حين ينظر مباشرة إلى الكاميرا ويؤكد أن لا أحدولا أحد إطلاقًا سيكسره، ندرك كيف وُلدت الأساطير. ورغم كل إنجازاته، يظل إرث جيري ويست الأهم هو إنسانيته واحترامه للناس. فليست الألقاب أو البطولات هي ما يخلّد الإنسان، بل الطريقة التي يعامل بها من حوله، ذلك هو جيري ويست الحقيقي، وهذا ما يقدّمه الفيلم بصدق وعمق نادرين.
Go to News Site