Collector
أبعاد | فجوة المهارات في البحرين.. حين لا تكفي الشهادة ولا الوظيفة | Collector
أبعاد | فجوة المهارات في البحرين.. حين لا تكفي الشهادة ولا الوظيفة
صحيفة البلاد البحرينية

أبعاد | فجوة المهارات في البحرين.. حين لا تكفي الشهادة ولا الوظيفة

فجوة المهارات في البحرين أزمة مواءمة لا تعليم فقط الوظائف تتغير أسرع بكثير من المناهج والبرامج التعليمية ضعف جاذبية الوظائف يعرقل تحقيق بحرنة مستدامة وفعالة المشكلة ليست نقص المهارات بل التغير السريع في الطلب وظائف التقنية تنمو أسرع من قدرة السوق على إنتاج الكفاءات الحل ليس تدريبا أكثر بل تدريب أذكى مرتبط بوظائف حقيقية   لم تعد فجوة المهارات في البحرين مسألة فنية تخص وزارة العمل أو الجامعات أو صندوق العمل وحده، بل أصبحت سؤالا مركزيا عن مستقبل النموذج الاقتصادي البحريني: هل يستطيع الاقتصاد أن ينتقل من الاعتماد على وفرة العمالة منخفضة الكلفة إلى اقتصاد يقوم على الإنتاجية والمعرفة والأجور المجزية؟ وهل يستطيع التعليم والتدريب أن يسبقا التحول الرقمي، أم سيظلان يلاحقانه بعد أن تتغير الوظائف بالفعل؟ وتقول دراسة أعدتها وزارة العمل إن 55 % من أصحاب العمل يرون أن عدم توافر الكوادر الوطنية المؤهلة يمثل أحد أبرز تحديات توظيف الخريجين. لكن قراءة هذا الرقم وحده قد تكون غير كافية إذا لم نضعه في سياقه الأوسع: ألا توجد كفاءات بحرينية فعلا؟ أم إن السوق تطلب مهارات عملية لا تنتجها الجامعات؟ أم إن جزءا كبيرا من الوظائف المعروضة منخفض الأجر ولا يناسب تطلعات الخريجين الجامعيين؟   على المستوى العالمي، لم تعد المهارات موضوعا هامشيا. تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أن تتغير 39 % من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول 2030، وأن تشهد سوق العمل العالمية اضطرابا واسعا بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والانتقال الأخضر. معنى ذلك أن الموظف الذي كان مؤهلا بالأمس قد لا يكون مؤهلا غدا إذا بقيت مهاراته كما هي.    وهنا يصلح اقتباس ألفن توفلر الشهير “أميّو القرن الحادي والعشرين لن يكونوا من لا يقرأون ويكتبون، بل من لا يستطيعون التعلم، ونسيان ما تعلموه، وإعادة التعلم”.   ما المقصود بفجوة المهارات؟ فجوة المهارات ليست مجرد نقص في عدد الخريجين أو ضعف في بعض البرامج التدريبية. التعريف الأدق في الحالة البحرينية هو أنها عدم تطابق بين ثلاثة عناصر: ما ينتجه التعليم، وما تطلبه القطاعات الاقتصادية، وما تستطيع الوظائف المعروضة أن تقدمه من أجر ومسار مهني.   لذلك لا يجوز اختزال المشكلة في القول إن “الشباب لا يملكون المهارات”. هذا تبسيط غير دقيق؛ ففي بعض القطاعات، مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، توجد فعلا فجوة كفاءات متخصصة، وفي قطاعات أخرى، مثل التصنيع والضيافة والتجزئة، المشكلة ليست المهارات وحدها، بل ضعف جاذبية الوظائف من حيث الأجر وساعات العمل والمسار المهني، وفي قطاعات ثالثة، مثل الخدمات المالية، توجد كفاءات بحرينية واسعة، لكن طبيعة الوظائف نفسها تغيرت، إذ أصبح المطلوب موظفا مصرفيا رقميا لا موظفا مصرفيا تقليديا.   لماذا أصبح الموضوع أكثر أهمية الآن؟ الذكاء الاصطناعي لم يلغِ كل الوظائف، لكنه غيّر محتواها. وظيفة المحاسب لم تعد مجرد إدخال قيود، بل تحليل بيانات مالية واستخدام أنظمة رقمية. وظيفة المصرفي لم تعد فتح حسابات وتنفيذ معاملات، بل فهم المخاطر الرقمية، والامتثال، والأمن السيبراني، وتحليل سلوك العملاء. ووظيفة موظف التسويق لم تعد إعلانا تقليديا، بل قراءة بيانات، وإدارة منصات رقمية، وفهم تجربة العميل.   ولهذا جاء توجه “تمكين” إلى تدريب 50 ألف بحريني في مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول 2030 كإشارة واضحة إلى أن الموضوع أصبح على الأجندة الوطنية، لا مجرد مبادرة تدريبية عابرة. وقد فتح “تمكين” التسجيل للمؤسسات ضمن برنامج تدريب الذكاء الاصطناعي، كما طرح حزما تدريبية مرتبطة بهذا الهدف الوطني.    واقع فجوة المهارات في البحرين    تُظهر تقارير “Skills Bahrain” أن الفجوة ليست واحدة في كل الاقتصاد، بل تختلف من قطاع إلى آخر؛ فمبادرة “Skills Bahrain”، التابعة لـ “تمكين”، تصدر تقارير قطاعية مبنية على مشاورات مع القطاع الخاص ومنهجيات مقارنة دولية لتحديد الوظائف والمهارات المطلوبة. وتشمل قطاعات مثل الخدمات المالية، والتصنيع، والطاقة، والصحة، والتعليم، والضيافة والسياحة، والتجزئة، والنقل واللوجستيات، والتكنولوجيا المالية، والإنشاءات والعقار.    الخدمات المالية في الخدمات المالية، لا تكمن المشكلة في ضعف البحرنة؛ فالقطاع المالي هو أكبر قطاع غير نفطي في الاقتصاد البحريني، وبلغت مساهمته 18 % من الناتج المحلي الحقيقي في 2025، غير أن الفجوة تظهر في التحول من الخدمات المصرفية التقليدية إلى الخدمات المالية الرقمية؛ فالمهارات المطلوبة اليوم تشمل تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والامتثال التنظيمي، وإدارة المخاطر، والتكنولوجيا المالية. لذلك فإن إطلاق مجموعة من البنوك، مثل بنك البحرين الوطني، أكاديمية الذكاء الاصطناعي والصيرفة الرقمية بدعم “تمكين” ليس مجرد خبر تدريبي، بل دليل على أن البنوك نفسها أدركت أن الخبرة المصرفية التقليدية لم تعد كافية. الأكاديمية تغطي موضوعات مثل إدارة المشاريع، وتحليل البيانات، والمدفوعات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، و “البلوك تشين”، والأتمتة.    أما في التصنيع فالوضع مختلف قطاع التصنيع ساهم بنحو 14 % من الناتج المحلي الحقيقي في 2025، وبلغت قوته العاملة نحو 54,953 موظفا، أي نحو 9.7 % من إجمالي توظيف القطاع الخاص. كما جذب القطاع 2.3 مليار دينار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لكن على رغم أهمية القطاع، فإن نسبة البحرينيين فيه أقل بكثير من القطاع المالي. هنا لا يكفي القول إن البحرينيين لا يملكون المهارات الصناعية؛ فجزء من المشكلة أن كثيرا من الوظائف الصناعية ما تزال تشغيلية أو ذات أجور منخفضة لا تنافس توقعات الخريجين البحرينيين.   وفي الوقت نفسه، تتحول الصناعة نحو الأتمتة، والروبوتات، والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، وإدارة الجودة، وهي مهارات لا يوفرها التعليم العام أو التدريب التقليدي بسهولة.   موقع “Skills Bahrain” يحدد وظائف مطلوبة في التصنيع مثل خبراء الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ومهندسي الأتمتة والروبوتات، ومحللي البيانات الضخمة، واختصاصيي التحول الرقمي.    السياحة والضيافة.. الفجوة ليست تقنية بحتة  هذا القطاع يحتاج إلى مهارات خدمة العملاء، والمبيعات، وإدارة تجربة الزائر، والتسويق الرقمي، وتنظيم الفعاليات. المشكلة أن هذه المهارات “ناعمة” لكنها حاسمة؛ فالزائر لا يقيم البحرين فقط عبر الفندق أو المطعم، بل عبر التجربة الكاملة: سرعة الخدمة، واللغة، واللباقة، والقدرة على البيع، وفهم توقعات العميل. لذلك فإن فجوة المهارات في الضيافة هي فجوة في جودة التجربة، وليست فقط في عدد العاملين.    وفي التقنية والذكاء الاصطناعي، تظهر الفجوة الأكثر وضوحا؛ فهنا لا نتحدث عن ضعف جاذبية الوظائف، بل عن نقص فعلي في العرض المحلي من المتخصصين في علوم البيانات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتصميم المنتجات الرقمية. ولهذا يتعاون “تمكين” مع مؤسسات عالمية لتوفير برامج ممولة للبحرينيين، مثل برامج “General Assembly” في البحرين التي تتيح للبحرينيين فوق 18 عاما الاستفادة من برامج ممولة بالكامل من “تمكين” في مهارات تقنية مطلوبة. كما أطلق “تمكين” و “AWS” برنامجا لتأهيل البحرينيين ليصبحوا متخصصين في الذكاء الاصطناعي أو مؤسسي شركات ناشئة في هذا المجال.    هل المشكلة نقص كوادر أم نقص وظائف مناسبة؟ الجواب الدقيق: المشكلتان موجودتان، لكنهما ليستا بالوزن نفسه في كل قطاع. في الخدمات المالية، توجد كوادر بحرينية، لكن هناك تراجع في حجم الوظائف المعروضة كما أن هناك تحديثا نوعيا لمهاراتها. والمشكلتان تتزاحمان. في التصنيع، توجد وظائف، لكن جزءا كبيرا منها لا يجذب الخريج البحريني بسبب الأجر أو طبيعة العمل أو ضعف المسار المهني. وفي التكنولوجيا، توجد وظائف جديدة فعلا، لكن العرض المحلي من الكفاءات المتخصصة ما يزال محدودا. وفي الضيافة والتجزئة، توجد وظائف كثيرة، لكن كثيرا منها لا ينسجم مع توقعات الخريجين الجامعيين.   لذلك فإن وصف المشكلة بأنها “نقص كوادر وطنية” فقط يظلم الحقيقة. كما أن وصفها بأنها “نقص وظائف” فقط يختزلها. الحقيقة أن البحرين تواجه عدم تطابق بين نوع الخريج، ونوع الوظيفة، ومستوى الأجر، وسرعة التحول الاقتصادي.     المعالجات العملية المعالجة لا تكون بتدريب أكثر فقط، بل بتدريب أدق. المطلوب: أولا، ربط كل برنامج يموله “تمكين” بوظائف محددة أو ترقيات واضحة.  ثانيا، نشر مؤشرات قطاعية سنوية: كم وظيفة نوعية خُلقت؟ كم بحريني انتقل من وظيفة منخفضة الأجر إلى وظيفة أعلى إنتاجية؟  ثالثا، إلزام الشركات الكبرى المستفيدة من الدعم العام بخطط تدريب داخلية ومسارات مهنية للبحرينيين.  رابعا، تحويل تقارير “Skills Bahrain” إلى أداة إلزامية لتحديث مناهج الجامعات والمعاهد سنويا. خامسا، إعادة النظر في جودة الوظائف نفسها؛ لأن البحرنة المستدامة لا تتحقق في وظائف منخفضة الأجر بلا مسار. الخلاصة أن البحرين لا تحتاج فقط إلى سد فجوة المهارات، بل إلى سد فجوة أعمق؛ الفجوة بين اقتصاد يريد أن يصبح متقدما، وسوق عمل ما تزال في أجزاء واسعة منها تعمل بمنطق رخص التكلفة.

Go to News Site