صحيفة البلاد البحرينية
تميز المخرج "أنطوان فوكو" في مسيرته السينمائية بتقديم أفلام ذات خصوصية استثنائية، مثل: "المعادل"، "يوم التدريب"، "السبعة الرائعون"، و"سقوط أولمبيس" وغيرها. كانت كل هذه الأفلام عميقة من حيث العلاقات الداخلية المتبادلة والتعميمات النموذجية؛ إذ تكشف سنن وتناقضات الواقع الحي واتجاهاته ببراعة فائقة. إننا أمام مخرج وفنان متميز وأصيل على نحو غير عادي، يمتلك خصوصية إبداعية ذاتية ساطعة الوضوح، ولهذا فهو يحظى بالثقة المطلقة والاحترام عند كبار النجوم، ومنهم النجم الكبير "دينزل واشنطن" الذي شكل معه ثنائية لافتة. وعندما نشاهد أفلامه تتملكنا الدهشة؛ فهو لم يكتفِ بالديكورات الصرفة، وإنما أدخل بكثير من الرشاقة والرقة في هندسة الأشكال قوة دينامية، هي قوة العمل والحركة، باعتباره عُرف بإخراج أفلام الحركة والإثارة والأعمال الموسيقية أيضاً، كما أنه يكتشف دائماً أساليب سردية جديدة لحبكة الفيلم، ولعل سلسلة أفلام "المعادل" خير دليل على هذا الاتجاه. وفي فيلمه الجديد "مايكل"، استطاع فوكو أن يقدم لنا مادة فيلمية ولا أروع عبر رؤية بصرية متميزة، حيث امتاز الفيلم في الحبكة والسيناريو وبقية العناصر الفنية. ورغم أن القصة تبدو "عادية" من حيث كونها سيرة ذاتية للأسطورة مايكل جاكسون -مع بعض الحذف والإضافات- إلا أنها، كما في بقية أفلامه، تنجح في تحديد الواقع؛ أي البيئة التي تتحرك فيها كل شخصية من شخصيات السرد. فمثلاً، تبرز لقطة مايكل جاكسون -والذي قام بدوره "جعفر جاكسون" ابن أخيه- بإرهاقها وحركتها الثقيلة واقترابها من الكاميرا قرب المنزل، ثم تتنقل الكاميرا في حركة "بان" من الشمال إلى اليمين حيث الأشجار المحيطة بالمنزل تملأ "الكادر"، تليها لقطة من زاوية أبعد قليلاً وأقل ارتفاعاً لنفس الموقف، مع تنويع مبهر بين اللقطات العامة. إنها عبقرية في تحريك الممثلين داخل المكان، وكأنه يقول لنا: "المكان هو الذي يأتي إليك وليس العكس." تميز فيلم "مايكل" أيضاً بمهارة القطع والانتقالات التي تعمل على تكثيف الأحداث ووضعنا في قلبها مباشرة، كالانتقال من صرخة مايكل حينما التهمت النار رأسه على المسرح، إلى سيارة الإسعاف ثم المستشفى. هذا المشهد، بثراء تكوينه وبراعة الأداء والحوار شديد التمايز، جعلنا نشعر بالحضور الهائل لمعاناة وألم مايكل في تلك اللحظة. وكثيراً ما استخدم فوكو اللقطات المتوازنة، التي يؤكد توازنها الشكلي ارتباطها العضوي والموضوعي بهدف تكثيف موقف وجداني يعايشه المتفرج أثناء متابعته لقصة مايكل منذ طفولته؛ وهي قصة تكتسب ثراءها من الشكل الموسيقي الذي صيغت فيه، إذ تستمد الحبكة العاطفية قوتها من تفاعلها مع الجانب الموسيقي، لينال الخط الدرامي الكثير من التوهج والحيوية.
Go to News Site