صحيفة البلاد البحرينية
محمود رمضان: المشرّع البحريني وفّـر حماية موضوعية وإجرائية و“القضـــاء” ساهـم في ترسيخ تطبيقها سعيد محمد سعيد: حقوق المؤلف تمثل ركيزة أساسية في بناء إعلام مهني واقتصاد إبداعي مستدام د. محمد القضاة: يصعب فــــي الوضع الراهن الاعتراف بالذكاء الاصطناعــي كمـؤلــف بالمعنى القانوني د. حنان المولى: التشريعــــات تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين “حمــــاية الحقوق وإتاحة المعرفة” فرضت التكنولوجيا واقعًا جديدًا على مفاهيم التأليف والنشر والملكية الفكرية، ووضعت المبدعين والمشرعين والإعلاميين أمام أسئلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ومن هذا المنطلق، جاءت ندوة “حقوق المؤلف في العصر الرقمي: حماية الإبداع ومواكبة التكنولوجيا” التي نظمها معهد الدراسات القضائية والقانونية يوم الإثنين 27 أبريل 2026 عبر الاتصال المرئي، لتقدم قراءة بحرينية وعربية معمقة في مستقبل حماية الإبداع وسط تحديات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. الندوة، التي أدارتها أستاذ القانون الخاص المشارك في كلية الحقوق بجامعة البحرين الدكتورة حنان محمد المولى، وشارك فيها وكيل المحكمة الكبرى المدنية القاضي محمود رمضان، وعضو الجمعية البحرينية للملكية الفكرية المحامي الدكتور محمد القضاة، إلى جانب عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين البحرينية رئيس لجنة الشؤون المهنية والقانونية والمنظمات المحلية، صحافي أول بإدارة التحرير بصحيفة البلاد سعيد محمد سعيد، وحضور أكثر من 70 مهتمًا من مختلف الدول العربية، لم تكن مجرد طرح نظري، بل منصة متقدمة جمعت بين القانون والإعلام والتكنولوجيا في حوار استشرافي حول حماية الفكر في زمن التحول الرقمي. القاضي محمود رمضان: ما هي البيئة الرقمية؟ وقدم وكيل المحكمة الكبرى المدنية القاضي محمود رمضان شرحًا وافيًا بالمقصود بالبيئة الرقمية هو ذلك الفضاء غير المادي الذي تُنتج وتُتداول فيه المصنفات عبر الشبكات الإلكترونية، من منصات النشر إلى قواعد البيانات والتطبيقات الذكية، حيث لم يعد العمل الإبداعي حبيس الورق أو الوسيط التقليدي، بل أصبح كائنًا سريع الانتشار، عابرًا للحدود بضغطة زر، وهذا التحول جعل العلاقة بين المؤلف ومصنفه أكثر تعقيدًا؛ فالبيئة الرقمية، كما أشار، تحمل وجهين: فهي من جهة تُضاعف مخاطر التعدي عبر النسخ غير المشروع وإعادة النشر دون إذن، ومن جهة أخرى توفر أدوات حماية متقدمة كالتوقيع الإلكتروني، وتقنيات التتبع، وأنظمة إدارة الحقوق الرقمية. وفيما يتعلق بالإطار القانوني، بيّن أن مملكة البحرين نظّمت حقوق المؤلف من خلال مجموعة من التشريعات، في مقدمتها قانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، إلى جانب القوانين المرتبطة بالمعاملات الإلكترونية والجرائم المعلوماتية، بما يشكل منظومة قانونية متكاملة نسبيًا، وأكد أن المشرّع البحريني وفّر أشكالًا متعددة من الحماية وساهم القضاء في ترسيخ تطبيقها، سواء من الناحية الموضوعية عبر إقرار الحقوق الأدبية والمالية للمؤلف، أو من الناحية الإجرائية من خلال تمكين صاحب الحق من اللجوء إلى القضاء لطلب وقف التعدي والتعويض، إضافة إلى اتخاذ تدابير تحفظية سريعة، ورغم ذلك، أشار إلى أن تسارع التكنولوجيا يفرض مراجعة مستمرة لهذه النصوص لضمان كفايتها وفعاليتها. وعن دور القضاء، أوضح القاضي محمود رمضان أن المحاكم البحرينية باتت تتعامل مع قضايا الاعتداء على حقوق المؤلف في البيئة الرقمية بقدر متزايد من الخصوصية، مستفيدة من الخبرة التراكمية ومن الاستعانة بالخبراء الفنيين لفهم طبيعة الأدلة الرقمية، وقد ظهرت نماذج تطبيقية تناولت قضايا نشر محتوى محمي عبر الإنترنت دون ترخيص، حيث اتجه القضاء إلى ترسيخ مبادئ تحمي المؤلف وتوازن في الوقت ذاته مع حرية الاستخدام المشروع، في مشهد قضائي يتطور بخطى حثيثة لمواكبة هذا العالم الرقمي المتغير. الإعلامي سعيد محمد: اقتصاد إبداعي مستدام من جانبه، أكد عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين البحرينية، رئيس لجنة الشؤون المهنية والقانونية والمنظمات المحلية، صحافي أول في إدارة التحرير بصحيفة “البلاد” الزميل سعيد محمد سعيد على أن حماية حقوق المؤلف تمثل ركيزة أساسية في بناء إعلام مهني واقتصاد إبداعي مستدام، لافتًا إلى أن الإطار القانوني في مملكة البحرين متقدم ومتكامل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق والوعي المجتمعي، موجهًا الشكر والعرفان إلى مدير معهد الدراسات القضائية والقانونية القاضي الدكتور رياض محمد سيادي وفريق العمل بالمعهد على تنظيم هذه الندوة بعنوانها الذي يحمل أهمية كبيرة. أشار سعيد إلى أن حقوق المؤلف، بشقيها الأدبي والمالي، لا تقتصر على حماية الكتب والمقالات، بل تمتد إلى كافة أشكال الإنتاج الإبداعي، من الأعمال الفنية إلى المحتوى الرقمي، معتبرًا أن صون هذه الحقوق يعزز ثقة المبدعين ويدفعهم إلى مزيد من الإنتاج والعطاء، وأضاف أن البحرين قطعت شوطًا مهمًا من خلال التشريعات الوطنية والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية، ما يوفر مظلة قانونية قوية لحماية المصنفات من التعدي والقرصنة. وأشار إلى أن دور وزارة الإعلام محوري في هذا الملف، ليس فقط من خلال الرقابة، بل عبر التوعية ودعم المبدعين وتنظيم النشر الرقمي، مؤكدًا أن الإعلام البحريني يتحمل مسؤولية مهنية وأخلاقية في احترام حقوق النشر، والالتزام بذكر المصادر، وتقديم محتوى أصيل. وفي هذا السياق، لفت إلى أن جمعية الصحفيين البحرينية تضطلع بدور فاعل في تعزيز الوعي بحقوق المؤلف، من خلال تنظيم اللقاءات والمحاضرات وورش العمل المتخصصة، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالملكية الفكرية، وأن هذه المبادرات تستهدف رفع مستوى الثقافة القانونية لدى الصحفيين والعاملين في الإعلام، وترسيخ الممارسات المهنية السليمة، بما يسهم في حماية الإنتاج الفكري وصون حقوق أصحابه. وتطرق إلى أن التحديات الراهنة، خصوصًا في ظل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي وسهولة النسخ، تتطلب تضافر الجهود على مستوى الدولة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع، داعيًا إلى تعزيز القوانين، وتدريب الإعلاميين، ونشر ثقافة احترام الملكية الفكرية. وضرب سعيد مثالًا واقعيًا يدحض ما يُتداول أحيانًا بشأن انحسار حركة التأليف وتراجع الإصدارات النوعية في الظروف الصعبة، مؤكدًا أن الساحة الثقافية البحرينية تواصل حضورها الفاعل، وأن المؤلفين والكتاب البحرينيين يثبتون باستمرار قدرتهم على الإنتاج والعطاء في مختلف المراحل دون توقف، مشيرًا إلى أن الإبداع الحقيقي لا يتراجع أمام التحديات، بل كثيرًا ما يزداد أهمية وتأثيرًا في الأوقات الدقيقة التي تتطلب فكرًا واعيًا ورؤية عميقة. وفي هذا السياق، استشهد بالإصدار الجديد لرئيس مجلس إدارة مؤسسة البلاد الإعلامية عبدالنبي بن عبدالله الشعلة بعنوان “الخليج العربي في زمن الخيارات الصعبة.. 2020 – 2025”، معتبرًا أنه نموذج بارز على استمرارية التأليف الجاد والرصين في البحرين، وزاد قوله :”هذا الإصدار القيم لاقى صدى واسعًا نظرًا لقوة مضمونه وتميز محتواه وأهمية توقيته، إذ يتناول مرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ المنطقة برؤية تحليلية تسهم في فهم التحولات الكبرى التي شهدها الخليج خلال تلك السنوات”. وأكد أن مثل هذه الإصدارات لا تمثل مجرد إضافة معرفية، بل تشكل إثراءً حقيقيًا للمكتبة العربية والخليجية، وتعكس الدور الحيوي للمؤلف البحريني في صناعة الوعي وتوثيق التحولات، بما يرسخ مكانة البحرين الثقافية والفكرية في محيطها العربي، محتتمًا بالتأكيد على أن “الحق الفكري لا يقل قيمة عن أي حق مادي”، وأن حماية المبدع هي الطريق نحو مجتمع متقدم وإعلام أكثر مصداقية وتأثيرًا. المحامي د.محمد القضاة: تعقيد المشهد وتداخل الأدوار وتناول عضو الجمعية البحرينية للملكية الفكرية المحامي الدكتور محمد القضاة الإشكاليات المستجدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مفاهيم الحماية التقليدية، مستهلًا بالحديث عن شرط الابتكار بوصفه حجر الأساس لمنح الحماية التشريعية للمصنفات، وأوضح أن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلًا جوهريًا: “هل يتحقق فيه عنصر الابتكار الإنساني أم أنه مجرد نتاج خوارزمي يفتقر للإرادة الإبداعية؟”، ومن ثم، يصعب في الوضع الراهن الاعتراف بالذكاء الاصطناعي كمؤلف بالمعنى القانوني، لارتباط صفة المؤلف تقليديًا بالشخص الطبيعي. وأشار إلى أن عزوف العديد من التشريعات عن حسم مسألة ملكية الحقوق للأعمال المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي يعود إلى تعقيد المشهد وتداخل الأدوار بين المبرمج والمستخدم والجهة المالكة للنظام، فضلًا عن غياب توافق دولي واضح، وهو ما ينعكس على كل من الحقوق الأدبية والمالية، وفيما يتعلق بتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمصنفات لتدريب الخوارزميات، بيّن أن هذه المسألة تمثل منطقة رمادية قانونيًا، إذ تتأرجح بين اعتبارها استخدامًا مشروعًا ضمن الاستثناءات، أو تعديًا يستوجب الترخيص، بحسب طبيعة الاستخدام ومداه. وعند الانتقال إلى المنصات الرقمية، أوضح أن وصفها كـ”وسيط بريء” لم يعد دقيقًا على إطلاقه، في ظل قدرتها التقنية على الرقابة وإدارة المحتوى، ما قد يحمّلها قدرًا من المسؤولية متى تقاعست عن إزالة المحتوى المخالف أو منعت أدوات الحماية، وختم بتقييمه للواقع التشريعي في الأردن والبحرين، معتبرًا أن الفجوة تكمن في بطء مواكبة النصوص للتطور التقني، مقترحًا العمل على تشريع إقليمي استباقي يحدد بوضوح وضع الأعمال المنتجة بالذكاء الاصطناعي، وينظم استخدام البيانات في التدريب، ويضع إطارًا متوازنًا لمسؤولية المنصات الرقمية، بما يضمن حماية الإبداع دون خنق الابتكار. د.حنان المولى: منظومة قانونية حديثة من جانبها، تناولت مديرة الندوة أستاذ القانون الخاص المشارك بكلية الحقوق في جامعة البحرين د.حنان محمد المولى حماية حقوق المؤلف باعتبارها تمثل أحد المرتكزات الأساسية في المنظومة القانونية الحديثة، لما لها من دور في صون الإبداع وتحفيز الإنتاج الفكري. وأوضحت أن الحق المالي للمؤلف لا ينتهي بوفاته، بل يمتد لصالح ورثته أو من تنتقل إليهم الحقوق، وذلك لمدة قانونية محددة (كقاعدة عامة لمدة ٧٠ سنة من اول السنة الميلادية التالية لوفاته) تتيح هذه المدة استثمار المصنف والاستفادة منه ماديًا، وبعد انقضائها، يدخل المصنف ضمن ما يُعرف بـ”الملك العام”، ليصبح متاحًا للجميع دون الحاجة إلى إذن مسبق، حيث يمكن نسخه أو نشره أو الاشتقاق منه بحرية، أما الحق الأدبي، فهو حق مؤبد لا يتقادم ولا يتقيد بمدة زمنية. وفي السياق ذاته، لفتت إلى أن القانون يقر مجموعة من الاستثناءات التي تتيح استخدام المصنف دون ترخيص، وهو ما يسمى بالاستعمالات الحرة، مثل الاقتباس لأغراض تعليمية أو بحثية، شريطة الإشارة إلى المصدر، مؤكدة أن هذه الاستثناءات تسهم في دعم البحث العلمي وتعزيز تداول المعرفة، مؤكدةً على أن التشريعات تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المبدعين وضمان إتاحة المعرفة للمجتمع. واقعــان.. قانـونـــي ورقمــــي وشهدت الندوة مداخلات نوعية من المشاركين، ركزت على عدد من الجوانب العملية المرتبطة بحماية حقوق المؤلف في الواقعين القانوني والرقمي، ومن أبرزها كيفية قيام المؤلف بالإجراءات التي تضمن حفظ حقوقه منذ البداية، ولاسيما في الحالات التي يصدر فيها حكم قضائي لصالحه، لكن يواجه تحديات أو تعثرا في مرحلة التنفيذ، إذ أوضح المتحدثون أهمية التوثيق المبكر للمصنف، والاحتفاظ بالأدلة والمراسلات والعقود، والاستفادة من المسارات القانونية والتنفيذية المتاحة، إلى جانب متابعة الإجراءات مع الجهات المختصة لضمان تحويل الحكم إلى حماية فعلية على أرض الواقع. كما تناولت المداخلات سؤالا مهما يتعلق بوجود فكرة إعلامية رقمية مبتكرة وغير مسبوقة، وما الخطوات التي ينبغي على صاحبها اتخاذها لحماية فكرته وحقوقه قبل طرحها أو تداولها، إذ بيّن المتحدثون أن حماية الفكرة تبدأ بتوثيقها قانونا، وتسجيل ما يمكن تسجيله ضمن الأطر المتاحة، وإثبات الملكية الزمنية عبر الوسائل الرسمية، إضافة إلى استخدام العقود واتفاقيات السرية عند عرضها على جهات إنتاجية أو استثمارية، بما يحفظ الحقوق الفكرية ويمنع الاستغلال غير المشروع. وقدم المتحدثون توضيحات عملية وقانونية تراعي التطورات التقنية المتسارعة، وتؤكد أن حماية الإبداع اليوم تتطلب وعيا استباقيا يجمع بين المعرفة القانونية والإجراءات التنظيمية؛ لضمان صون الحقوق في بيئة رقمية سريعة التغير.
Go to News Site