صحيفة البلاد البحرينية
لم يقتصر نزاع على أجرة محل تجاري على حدود المطالبة المالية، بل امتد ليطرح إشكالية قانونية دقيقة حول الإعفاء من مصروفات الدعوى حال تمّت تسوية النزاع عبر وسيط، وفي إجراء استثنائي أجازه القانون بموافقة كتابية تمكّن طرفا الدعوى من حسم نزاعهما صلحًا رغم لجوئهما إلى الوساطة بواسطة محامية أحد أطراف الدعوى. وتشير تفاصيل الواقعة بحسب ما أفادت المحامية الدكتورة ندى الرياشي بأن موكليها المدعيين قد أقاموا دعواهم القضائية ضد المدعى عليها المستأجرة، طالبين فيها إلزامها بأن تؤدي إليهم باقي الأجرة التي تخلفت عن سدادها بإجمالي مبلغ 1500، متبوعة بالفوائد التجارية. وشرح المدعيان دعواهما، بأن المدعى عليها كانت قد استأجرت منهم محلًا تجاريًّا نظير أجرة شهرية متفق عليها، إلا أنها قد تخلفت عن سداد أجرة المحل لمدة ثلاثة أشهر، مما ترصد في ذمتها مبلغ المطالبة، وهو ما حدا بالمدعيين لإقامة دعواهما للحكم لهما بطلباتهما. وتداولت المحكمة الدعوى في محاضر جلساتها، وفيها لم تحضر المدعى عليها، ولما كان ذلك، وكان من المقرر قانونًا وفقًا لنص المادة 1 من قانون الإثبات، أنه “على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه”، والمادة 13 من ذات القانون أنه “يعتبر المحرر العرفي صادرًا ممن وقعه ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة..”، والمادة 22 من قانون إيجار العقارات، “يلتزم المستأجر بالوفاء بالأجرة المحددة في العقد إلى المؤجر...”.، وكان المدعيان قد قدما تأييدًا لدعواهما صورة ضوئية لعقد الإيجار مذيلة بتوقيع منسوب للمدعى عليها وثابت فيه البيانات التي قررها المدعيان، ولم تحضر المدعى عليها جلسة المحكمة ولم تقدم ثمة دليل يثبت سدادها الأجرة عن الفترة المطالب بها، أو تطعن على العقد بثمة مطعن، ومن ثم يكون حجة عليها، الأمر الذي تستخلص منه المحكمة انشغال ذمة المدعى عليها بالأجرة عن الفترة المطالب بها. وقبل النطق بالحكم بادر المدعيان إلى تسوية النزاع صلحًا مع المدعى عليها وفقًا لأحكام الوساطة في المسائل المدنية، وذلك من خلال الوسيطة الدكتورة ندى الرياشي والتي تمثل المدعيين بصفتها محامية أيضًا، فتم إثبات الصلح باتفاق تسوية اعتمدته الوسيطة ووقع من أطرافه. وحكمت المحكمة بإلزام المدعى عليها بأن تؤدي للمدعيين مبلغ 1500 دينار ومتبوعًا بالفائدة القانونية، وألزمتها كذلك بسداد مقابل أتعاب المحاماة، وألزمت الجميع بسداد مصاريف الدعوى. ولم يلقَ القضاء قبولًا من المدعيين، فطعنا عليه بالاستئناف، طالبين إلغاء الحكم جزئيًا بالنسبة للمصروفات والقضاء بإعفائهم من المصروفات عن الدرجتين، لكون الحكم المستأنف قد أخطأ في تطبيق القانون لمخالفته نص المادة 15 من قانون الوساطة في المنازعات، وذلك بإعفاء المستأنفين من المصاريف لكون النزاع قد انتهى بالوساطة. وأكد المستأنفون أن اتفاق التسوية محل النزاع جاء متوافقًا مع أحكام القانون، إذ أجاز المشرّع تعيين الوسيط إذا كان وكيلاً لأحد الأطراف—شريطة الإفصاح وموافقة جميع الأطراف كتابة، وهو ما تحقق بمحضر الوساطة الموقع منهم مع علمهم بصفة الوسيطة كمحامية لهم. واستندوا إلى نصوص القانون ولائحته التنفيذية التي تقر بصحة هذا الإجراء وتترك مسألة قبول الوسيط لإرادة الأطراف ما لم يتعلق الأمر بالنظام العام، كما تمسكوا بأحقيتهم في الإعفاء من الرسوم القضائية، موضحين أن التسوية أُبرمت خلال 25 يومًا من قيد الدعوى، بما يجيز إعفاءهم الكامل من الرسوم وفقًا للمادة 15 من اللائحة التنفيذية، مطالبين بتطبيق ذلك على درجتي التقاضي الابتدائية والاستئنافية. وعليه، حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة لشق مصروفات الدعوى، والقضاء مجددًا بإعفاء المستأنفين منها وتأييد الحكم المستأنف فيما عدا ذلك، وأعفتهم من المصروفات.
Go to News Site