Collector
معرض "الباليتة المفتوحة" حكاية الجمال والوعي في البحرين | Collector
معرض
صحيفة البلاد البحرينية

معرض "الباليتة المفتوحة" حكاية الجمال والوعي في البحرين

احتضن مجمع الواحة فعاليات معرض “الباليتة المفتوحة”، الذي قدّم هذا العام تجربة تتجاوز العرض الجمالي إلى فضاء إنساني أوسع، جامعًا بين الإبداع التشكيلي والرسالة المجتمعية في صياغة بصرية تعكس تحوّل الفن من كونه مساحة عرض إلى أداة تأثير حقيقية. المعرض، الذي يضم نخبة من الفنانين بأساليب متعددة، لم يكتفِ بتقديم أعمال فنية متباينة، بل ارتبط بقضية إنسانية واضحة، حيث خُصص جزء من ريع الأعمال لدعم جمعية التوحديين البحرينيين، في خطوة تؤكد تنامي الوعي بدور الفن في خدمة المجتمع. وفي مستهل التغطية، قدّم الأستاذ زكريا هاشم رئيس جمعية التوحديين البحرينية رؤية شاملة لدور المعرض، مؤكدًا أن هذا الحدث لا يمكن قراءته بوصفه فعالية فنية فحسب، بل كمبادرة مجتمعية تحمل أبعادًا إنسانية وتنموية متكاملة. وأوضح أن تخصيص جزء من ريع المعرض لدعم فئة التوحد يمثل خطوة نوعية تعكس وعيًا متقدمًا لدى الفنانين والمنظمين، وتؤكد أن الفن قادر على أن يكون شريكًا فعليًا في خدمة القضايا المجتمعية. وأشار إلى أن المعرض نجح في تحقيق هدفين أساسيين في آنٍ واحد؛ أولهما الدمج المجتمعي، من خلال إتاحة الفرصة للأفراد من ذوي التوحد للمشاركة في المشهد الثقافي كفنانين ومبدعين، لا كمجرد متلقين للدعم، وثانيهما نشر الوعي بأساليب حديثة وجاذبة، تعتمد على التفاعل البصري والتجربة المباشرة، بدلًا من الطرق التقليدية. وأضاف أن الفن أصبح اليوم أداة علاجية فعالة، حيث تسهم البرامج الفنية في تنمية مهارات التعبير لدى الأطفال، وإحداث تحوّل ملموس في تواصلهم وثقتهم بأنفسهم، وصولًا إلى مشاركتهم في معارض وعرض أعمالهم أمام الجمهور. ولفت إلى أن احتضان هذه الفئة من خلال الفن يشهد تطورًا ملحوظًا في البحرين، لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية تكاتف المؤسسات المختلفة، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى برامج متخصصة. كما أكد أن للإعلام دورًا محوريًا في هذه المرحلة، من خلال الانتقال من التغطية إلى التأثير، عبر تسليط الضوء المستمر على قضايا التوحد وتعزيز ثقافة الدمج. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مثل هذه المعارض تختصر سنوات من العمل، لأنها تضع الأفراد من ذوي التوحد في قلب المجتمع، وتمنحهم مساحة حقيقية للتعبير والاعتراف بقدراتهم. كما حظي المعرض بإشادة دبلوماسية لافتة، حيث أعرب سعادة السفير محمد ساروار سفير جمهورية بنغلاديش لدي مملكة البحرين، عن تقديره العميق لفكرة المعرض، مؤكدًا أن ما يميّزه ليس فقط تنوعه الفني، بل رسالته الإنسانية الواضحة. وأشار إلى أن الفن في مملكة البحرين يشهد تطورًا ملحوظًا، حيث لم يعد مقتصرًا على كونه ممارسة جمالية، بل أصبح أداة فعالة في العلاج والدعم النفسي والاجتماعي. وأضاف أن توظيف الفن في خدمة القضايا الإنسانية يعكس وعيًا حضاريًا متقدمًا، ويؤكد أن المجتمعات التي تستثمر في الثقافة قادرة على بناء إنسان أكثر توازنًا ووعيًا، مشيرًا إلى أن مثل هذه المبادرات تفتح آفاقًا أوسع للتعاون الثقافي والإنساني، وتعزز من مكانة البحرين كمركز يحتضن الإبداع ويمنحه بعدًا إنسانيًا. من جانبه، قدّم عضو مجلس الشورى السيد رضا الفرج قراءة لافتة لأهمية المعرض، معتبرًا أنه يمثل نموذجًا متقدمًا لتكامل الثقافة مع المسؤولية المجتمعية، حيث لا يُطرح الفن كترف، بل كأداة وعي وتأثير. وأكد أن تخصيص جزء من ريع المعرض لدعم فئة التوحد يعكس حسًا إنسانيًا راقيًا، ويسهم في تسليط الضوء على فئة تحتاج إلى مزيد من التخصص في التعامل معها ونشر الوعي بطبيعة احتياجاتها. كما أشار إلى أن الأعمال التي تستلهم البيئة البحرينية تمنح المعرض بعدًا وطنيًا يعزز الهوية ويستحضر الذاكرة المحلية في سياق معاصر. وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة زينب راشد سوار أن الفن لم يعد مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح أداة علاجية قادرة على فتح مساحات داخلية لدى الإنسان، خاصة لدى الفئات التي تواجه صعوبات في التعبير التقليدي، مؤكدة أن مثل هذه المعارض تخلق توازنًا مهمًا بين الجمال والرسالة، وتمنح الفنان دورًا إنسانيًا يتجاوز حدود اللوحة. وعلى مستوى التجارب الفنية، بدا واضحًا أن التنوع لم يكن شكليًا فقط، بل عكس عمقًا في الرؤية. فقد اتجهت الفنانة زينب يوسف إلى تقديم القمر بوصفه إحساسًا لا صورة، متعاملة مع اللون كحالة شعورية تتجاوز الإدراك البصري. وفي المقابل، اختار الفنان أحمد الشاخوري منهج الاختزال في توثيق قلعة البحرين، مؤمنًا بأن تقليل التفاصيل يفتح المجال أمام المتلقي ليكون شريكًا في استكمال المعنى. كما قدّم الفنان البحريني بدر العالي في هذا العمل لوحة بورتريه إنسانية لافتة، تتجاوز حدود الواقعية إلى عمق تعبيري واضح. يظهر في اللوحة رجل مسنّ بملامح بحرينية أصيلة، يحمل بيده فنجان قهوة، في إشارة رمزية إلى الضيافة والدفء الاجتماعي المرتبط بالثقافة المحلية. واعتمد الفنان على واقعية دقيقة في رسم تفاصيل الوجه، خاصة التجاعيد التي لم تُقدَّم كعلامات تقدم في العمر فحسب، بل كحامل بصري لذاكرة إنسانية وتجارب حياتية طويلة. النظرة في عيني الشخصية تحمل مزيجًا من الحكمة والطمأنينة، ما يمنح العمل بعدًا نفسيًا عميقًا. استخدم الفنان تدرجات دافئة ومتناغمة، خصوصًا في الخلفية، لتُبرز الشخصية وتمنحها حضورًا إنسانيًا حميميًا. كما أن الضوء المسلّط على الوجه يعزز من مركزية التعبير، ويقود عين المتلقي مباشرة إلى تفاصيل المشاعر. أما عنصر القهوة، فلا يأتي كتفصيل عابر، بل كرمز ثقافي يعكس الهوية الخليجية، ويربط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي، في لحظة تأمل هادئة تختصر الكثير من المعاني. بشكل عام، يمكن قراءة العمل كتحية للإنسان البسيط، وللقيم المتجذرة في المجتمع البحريني، حيث ينجح الفنان في تحويل مشهد يومي عابر إلى تجربة بصرية تحمل عمقًا إنسانيًا وثقافيًا. أما الفنان عبد الباسط خنجي، فقد قدّم تجربة قائمة على إعادة التدوير، محولًا المواد البسيطة إلى عناصر فنية تحمل قيمة ودلالة، في مسار يعكس تحوّلًا شخصيًا عميقًا نحو إعادة اكتشاف الذات عبر الفن. وأشار إلى أن هذه التجربة تمثل بالنسبة له تحوّلًا شخصيًا عميقًا، حيث جاء توجهه نحو الفن بعد سنوات طويلة من العمل في مجالات أخرى، ليجد في الممارسة الفنية مساحة لإعادة تعريف ذاته والتعبير عن رؤيته للحياة. وأضاف أن التعامل مع الخامات المعاد تدويرها يفرض نوعًا من التحدي، لكنه في الوقت ذاته يفتح آفاقًا إبداعية غير متوقعة. وأكد أن أعماله تسعى إلى طرح تساؤلات حول مفهوم القيمة، وكيف يمكن للإنسان أن يعيد النظر في ما يعتبره غير ذي أهمية، سواء على مستوى الأشياء أو حتى التجارب الحياتية. كما بيّن أن الفن بالنسبة له أصبح وسيلة للتأمل وإعادة البناء، وليس مجرد إنتاج بصري. ولفت إلى أن مشاركته في “الباليتة المفتوحة” تحمل بعدًا خاصًا، نظرًا لارتباط المعرض بقضية إنسانية، معتبرًا أن هذا التوجه ينسجم مع فلسفته في الفن، التي تقوم على إعادة توظيف العناصر لخدمة معنى أعمق. وفي استحضار للذاكرة، قدّم الفنان عباس سرحان أعمالًا تستلهم البحرين القديمة، بينما واصل الفنان عيسى النعيمي اشتغاله على الطبيعة بأسلوب يجمع بين الواقعي والتجريدي، ساعيًا إلى نقل الإحساس قبل الشكل. وبيّن أن مشاركته في هذا المعرض تأتي في إطار إيمانه بأهمية الفن كوسيلة للتواصل مع المجتمع، خاصة عندما يرتبط بقضية إنسانية، معتبرًا أن هذا النوع من المعارض يمنح الفنان فرصة لإعادة التفكير في دوره، ليس فقط كمنتج للجمال، بل كصاحب رسالة. ومن جانبها، تعاملت الفنانة ندي الصباغ مع الزهور بوصفها حالة شعورية ،بل بوصفها عنصرًا زخرفيًا، بل كحالة شعورية متكاملة تعبّر عن الإنسان في لحظاته المختلفة. وأشارت إلى أنها تتعامل مع الزهرة كرمز للحياة بكل تناقضاتها، حيث تحمل في جمالها الهش قوة داخلية، وفي صمتها قدرة على البوح بما قد يعجز عنه الكلام فيما قدّمت الفنانة نميرة عملًا فلسفيًا يعكس حالة إنسانية بين الواقع والبعد الروحي، مستخدمة الحبر كرمز للزمن والاستمرارية. وفي بعد إنساني موازٍ، قدّمت الدكتورة سونيلا في إم عملًا يحمل رسالة امتنان لمملكة البحرين، عكست من خلاله شعورًا بالأمان والانتماء. وأضافت أن اللوحة تمثل مساحة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمكان، مؤكدة أنها سعت إلى تجسيد فكرة "الاحتواء" التي شعرت بها منذ وجودها في البحرين أثناء العدوان الإيراني، سواء من خلال اختيار الألوان الدافئة أو عبر التوازن في العناصر البصرية، بما يعكس حالة من الطمأنينة والاستقرار. كما بيّنت أن تجربتها الفنية تتقاطع مع اهتمامها بالبعد النفسي، حيث ترى في الفن وسيلة للتعبير عن الامتنان، وكذلك أداة لتعزيز التوازن الداخلي لدى الإنسان. ويأتي هذا التنوع في إطار رؤية " الباليتة المفتوحة"، التي تسعى إلى إعادة تعريف الفن كوسيلة للتأثير المجتمعي، من خلال خلق مساحة إبداعية تربط بين الجمال والمسؤولية الإنسانية. هكذا، يقدّم المعرض نموذجًا متقدمًا للفن بوصفه فعلًا إنسانيًا، حيث لا تُعرض الأعمال فقط، بل تُبنى جسور من الوعي، ويصبح الفن مساحة حقيقية يلتقي فيها الجمال بالرسالة، والإنسان بالإبداع.

Go to News Site