صحيفة البلاد البحرينية
في أمسيةٍ بدت أقرب إلى جلسة ودٍّ عربية منها إلى حفلٍ تقليدي، عاد الفنان المصري سعد العود إلى مملكة البحرين حاملاً مشروعه الموسيقي "القعدة" بروحٍ تتجاوز الغناء إلى مشاركة الحكاية والذاكرة. لم تكن العودة مجرّد محطة ضمن جولة خليجية، بل رسالة طمأنة ومحبة؛ إذ حرص الفنان على أن تكون الأمسية "هدية لشعب البحرين"، كما قال، في لفتةٍ تؤكد إيمانه بدور الفن في التخفيف عن الناس واستعادة الإيقاع الإنساني للحياة. يقدّم سعد العود رؤيته عبر "مزيكا مصرية قديمة بشكل حديث معاصر"، حيث لا تُستعاد الأغاني التراثية بوصفها مادة جامدة، بل تُعاد صياغتها ضمن تجربة حيّة تُروى فيها الحكايات، ويُفتح فيها باب التفاعل والترديد الجماعي، فيتحول الجمهور من متلقٍ إلى شريك أساسي في صناعة اللحظة. ومن هنا أيضًا ينطلق في كسر الصورة النمطية المرتبطة بعازف العود أو الناي، تلك الصورة التي طالما ارتبطت في أذهان البعض برجلٍ متقدم في السن، ملامحه شاحبة ومشحونة بالحزن، ليقدّم بدلاً منها نموذجًا نابضًا بالحياة، قريبًا من الناس، يحمل الموسيقى بروح مرحة وإنسانية دون أن يفقد عمقها. ويؤكد أن ما يقدّمه لا يندرج تحت مفهوم الحفل الغنائي التقليدي، بل هو امتداد لروح "الصهبجية" في مصر، وهي ظاهرة فنية شعبية تعود إلى أوائل القرن العشرين، حيث كانت جماعات من أصحاب الحرف يجتمعون بعد يوم عمل طويل في سهرات ليلية يغنون فيها بشكل جماعي مرتجل، مستلهمين كلماتهم من واقع حياتهم اليومية، ومقدمين مواويل وأغاني تراثية تنتهي أحيانًا بعبارات شهيرة مثل "إيه يا لا للي". وقد نشأ هذا الفن كوسيلة للترويح عن النفس، قبل أن يتحول إلى مدرسة غنائية أثّرت في مسار الأغنية المصرية الأصيلة، وهو ما يستحضره العود اليوم بصيغة معاصرة تمزج بين الغناء والحكاية والطرفة والمعرفة. وتتجسد هذه الرؤية من خلال فرقة موسيقية صغيرة في عددها، كبيرة في خبرتها وتأثيرها، تضم نخبة من العازفين الذين يشكّلون معًا حالة حوار موسيقي حي، حيث يتكامل صوت الأكورديون مع القانون والإيقاع في توليفة تمنح كل آلة مساحتها الخاصة دون أن تفقد وحدة العمل. ويعتمد هذا التشكيل على المرونة والتفاعل اللحظي، إذ لا توجد قائمة أغنيات ثابتة، بل تتشكل الأمسية وفق مزاج الجمهور وطلباته، في تجربة مفتوحة تتغيّر ملامحها من ليلة إلى أخرى، ما يمنح "القعدة" طابعها المتفرد. وفي رؤيته الأوسع، يرى سعد العود أن هذا المشروع يمثل امتدادًا لروح الموسيقى العربية، وإن كان منفتحًا على تأثيرات العولمة والاندماج الثقافي، مشيرًا إلى أن بعض البيئات الموسيقية تأثرت بظروف سياسية واجتماعية، بينما لا تزال موسيقى الخليج تحتفظ بقدر كبير من نقائها وهويتها. ويؤكد أن اختياره البحرين كبداية لجولته الخليجية لم يكن اعتباطيًا، بل انطلاقًا من تقديره لذائقة جمهورها وقربه الوجداني منه، حيث يرى في الجمهور البحريني حسًا فنيًا عاليًا وتفاعلًا صادقًا يذكّره بالجمهور المصري. وقد عبّر أعضاء الفرقة عن هذا الانطباع ذاته، حيث أشار عازف الرق عادل عبد الرحمن حديدة إلى أن الجمهور البحريني يتمتع بثقافة موسيقية واسعة، خاصة فيما يتعلق بالأغاني المصرية، ما يخلق حالة تفاعل استثنائية. فيما وصف عازف القانون عادل عامر البحرين بأنها بلد "خفيف الروح"، يشعر فيه الفنان وكأنه بين أهله، مؤكدًا أن هذه الجولة تحمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز الأداء الفني، خاصة في ظل القلق الذي عاشه الفنانون تجاه ما شهدته المنطقة من أحداث. أما عازف الأكورديون بيشوي شنودة، فقد تحدّث عن التحدي في توظيف آلة غربية ضمن سياق شرقي خالص، مشيرًا إلى أن هذه التجربة أضافت بُعدًا جديدًا للمشروع، وأسهمت في تقديم صوت مختلف لاقى استحسان الجمهور. ومن بين الحضور، قدّمت سيلفيا سعد عازفة القيثارة بأوركسترا البحرين الفيلهارمونية، قراءة لافتة للتجربة، إذ رأت في "القعدة" مشروعًا يتجاوز كونه عرضًا موسيقيًا إلى كونه منصة ثقافية مبسطة تُعيد تقديم التراث بأسلوب جذاب وسلس، يجمع بين المتعة والمعرفة. وأشادت بقدرة سعد العود على تقديم محتوى غني بالمعلومات دون أن يفقد خفته، مؤكدة أن هذه التجربة تدفع الجمهور إلى إعادة اكتشاف الأغاني التراثية والتعرّف على رموزها الكبار مثل سيد مكاوي، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، في تجربة تُشبه درسًا موسيقيًا حيًا، لكنه نابض بالحياة والتفاعل. ويمتد هذا المشروع على مسيرة فنية طويلة تجاوزت سبعة عشر عامًا، قبل أن تتبلور فكرة "القعدة" قبل ست سنوات، حيث اعتادت الفرقة تقديم حفلات دورية في القاهرة، قبل أن تنطلق إلى العواصم العربية، في رحلة لا تهدف فقط إلى الانتشار، بل إلى إعادة وصل الجمهور بهويته الموسيقية في مواجهة ما يتهددها من اندثار. وفي ختام حديثه، يعبّر سعد العود عن أمله في أن يعيش الوطن العربي حالة من السلام والفرح، مؤمنًا بأن الفن، حين يكون صادقًا، قادر على أن يكون مساحة للشفاء، وجسرًا يعيد للناس شعورهم بالطمأنينة والانتماء.
Go to News Site