صحيفة البلاد البحرينية
تتجه أسواق التأمين وإعادة التأمين في دول الخليج نحو مرحلة معقدة بفعل التوترات الجيوسياسية وتداعياتها على القطاع، ووفقا لما أوضحه مختصون لـ “الاقتصادية” السعودية، فإن الشركات مستمرة في توفير التغطية للقطاعات الحيوية ذات المخاطر العالية، إلا أنها عمدت إلى تشديد شروط التعاقد وتعديل الأسعار بما يتواكب مع المتغيرات الراهنة. رئيس اللجنة الوطنية لقطاع التأمين في اتحاد الغرف السعودية طارق الفايز قال: “إن عددًا من القطاعات الحيوية يواجه صعوبات متزايدة في الحصول على تغطيات تأمينية كاملة، نتيجة ارتفاع مستويات المخاطر وتعقيدها، ما أدى إلى تضييق نطاق التغطيات وارتفاع تكلفتها”. الفايز أوضح أن قطاعات مثل الطاقة، والشحن البحري، والمشاريع الكبرى والبنية التحتية، والطيران، إضافة إلى الأخطار السيبرانية، تُعد من الأكثر تأثرًا، نظرًا لتداخل المخاطر التشغيلية مع العوامل الجيوسياسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على شروط التغطية ومرونتها. بيد أن المشاريع الكبرى، على وجه الخصوص، تواجه تحديات في تأمين كامل قيمها، بسبب الحاجة إلى سعات تأمينية ضخمة قد لا تتوافر بسهولة، ما يؤدي إلى تأخر إغلاق التغطيات أو ارتفاع تكلفتها، في حين يظل قطاع الطيران عرضة لتقلبات مرتبطة بالقيود التشغيلية والمخاطر الإقليمية. أشار إلى أن السوق الخليجي يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ”فجوة تأمينية نسبية” في بعض القطاعات، تتجلى في ارتفاع الأسعار، وتراجع نطاق التغطيات، وتشدد الشروط، ما يدفع الشركات إلى تحمل جزء أكبر من المخاطر ذاتيا أو اللجوء إلى أدوات بديلة، مثل التأمين المشترك وهياكل تمويل المخاطر. رغم هذه التحديات، استبعد الفايز انسحاب شركات التأمين من القطاعات عالية المخاطر، مرجحًا إعادة تعريف حدود التغطية وفق شروط أكثر تحفظًا، مع الاعتماد بشكل أكبر على تحليل المخاطر المستقبلية في المنطقة. قدر عدد شركات التأمين في دول الخليج بين 70 و100 شركة تأمين مباشر، إضافة إلى نحو 15 إلى 25 شركة إعادة تأمين، مع تفاوت في رؤوس الأموال بين شركات صغيرة ومتوسطة وأخرى كبرى، فيما تتمتع شركات إعادة التأمين العالمية بقدرات مالية كبيرة تمكنها من استيعاب الأخطار الضخمة. من جانبه، أكد المختص في قطاع التأمين وإعادة التأمين عبدالعزيز أبو السعود، أن الضغوط على شركات القطاع في الخليج تتزايد نتيجة ارتفاع تكلفة إعادة التأمين عالميا، وتشدد المعيدين في شروط التغطية، إلى جانب تقلبات الأسواق المالية. أوضح أن التطورات الجيوسياسية تدفع الشركات إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها، والتوجه نحو الاحتفاظ بجزء أكبر من المخاطر محليًّا لتقليل الاعتماد على الأسواق العالمية، بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي والأتمتة لرفع كفاءة العمليات وخفض التكاليف. أبو السعود أشار إلى أن السوق يشهد موجة إعادة تسعير واسعة، خاصة في قطاعات الشحن والخدمات اللوجستية، نتيجة فرض شروط أكثر صرامة، ورفع حدود الاستقطاع، وتقليص نطاق التغطيات، ولا سيما في المناطق مرتفعة المخاطر، حيث باتت الشركات تلجأ في كثير من الحالات إلى التكتل لتوفير التغطيات، خصوصًا في المشاريع الكبرى ذات القيم الرأسمالية المرتفعة. لفت إلى أن نموذج أعمال شركات التأمين في الخليج اعتمد تاريخيًّا على الاكتتاب المحلي مع تحويل الجزء الأكبر من المخاطر إلى معيدي التأمين العالميين، وهو ما أسهم في تحقيق عوائد مستقرة مدعومة بالنمو الاقتصادي ووجود منتجات تأمينية إلزامية. أشار إلى أن السعودية والإمارات تتصدران أسواق التأمين الخليجية من حيث النشاط ورأس المال، إذ يقدر إجمالي الأقساط المكتتبة بنحو 40 مليار دولار، فيما تتجاوز رؤوس الأموال 30 مليار دولار، وتصل الأصول المدارة إلى نحو 60 مليار دولار. في المقابل، يرى المختص في قطاع التأمين محمد حسبو، أن تأثير التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية في شركات التأمين وإعادة التأمين في دول الخليج يظل محدودًا نسبيًّا، مدعومًا بعوامل هيكلية، من أبرزها قوة الحوكمة، وجودة برامج إعادة التأمين، والانضباط التسعيري، إلى جانب تنوع المحافظ الاستثمارية. أوضح أن القطاعات الأكثر ارتباطًا بالتوترات الإقليمية، مثل الطاقة والشحن البحري والأخطار السيبرانية، قد تشهد ارتفاعًا في تكلفة التغطيات، خاصة أن معظم وثائق التأمين التقليدية لا تشمل مخاطر الحروب والاضطرابات، مؤكدًا أن هذا الأثر يظل محدود النطاق ولا يمثل فجوة تأمينية شاملة موضحًا أن الاعتماد على أسواق إعادة التأمين العالمية لم يكن عائقًا، بل أسهم في حماية رؤوس الأموال وامتصاص الخسائر الكبرى، بالتوازي مع توجه الجهات التنظيمية في المنطقة إلى تعزيز قدرات إعادة التأمين المحلية تدريجيًّا.
Go to News Site