Collector
كيف نجت الصين من إغلاق مضيق هرمز | Collector
كيف نجت الصين من إغلاق مضيق هرمز
صحيفة البلاد البحرينية

كيف نجت الصين من إغلاق مضيق هرمز

عندما أغلق مضيق هرمز في مارس 2026 دخلت أسواق الطاقة العالمية في حالة ذعر غير مسبوقة قفزت أسعار النفط سريعا فوق 120 دولارا للبرميل وأعلنت دول عديدة خطط طوارئ لمواجهة اضطرابات الإمدادات في آسيا سارعت الحكومات إلى البحث عن أي مصادر بديلة للطاقة بينما واجهت الأسواق العالمية موجة جديدة من القلق والتضخم. لكن المشهد في الصين بدا مختلفا بصورة لافتة فالمصانع استمرت في العمل وسلاسل الإمداد لم تنهر ولم تظهر حالة الذعر التي اجتاحت كثيرا من الاقتصاديات المعتمدة على نفط الخليج العربي هذا الهدوء لم يكن صدفة بل نتيجة استراتيجية صينية طويلة بدأت منذ أوائل التسعينيات لتقليل قدرة الممرات البحرية على تهديد الاقتصاد الصيني. استراتيجية الصين تعود جذور الاستراتيجية الصينية لتجاوز مخاطر مضيق هرمز إلى حرب الخليج عام 1991 حين تابعت بكين عملية عاصفة الصحراء وأدركت أن الولايات المتحدة لا تملك فقط تفوقا عسكريا بل تسيطر أيضًا على الممرات البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي ومنذ تلك اللحظة بدأت الصين تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره جزءا من أمنها القومي. ومع تحول الصين إلى قوة صناعية كبرى ازداد اعتمادها على النفط القادم من الخليج العربي حتى أصبحت تستورد ما يقارب نصف احتياجاتها النفطية عبر مضيق هرمز كما تستحوذ على نحو 37.7 % من إجمالي النفط المار عبر المضيق وهي النسبة الأعلى عالميا لكن المخاوف الصينية لم تتوقف عند هرمز فقط بل امتدت إلى ما عرف بمعضلة ملقا حيث تمر غالبية واردات الطاقة الصينية عبر مضيق ملقا قبل وصولها إلى بحر الصين الجنوبي. هذا الواقع رسخ قناعة لدى بكين بأن الاقتصاد الصيني يمكن أن يتعرض للاختناق عبر الممرات البحرية الخاضعة بدرجات متفاوتة للنفوذ الأميركي ومن هنا وُلدت قناعة استراتيجية مفادها أن من يتحكم في البوابات البحرية يتحكم في مستقبل الاقتصاديات الكبرى ولذلك بدأت الصين منذ أواخر التسعينيات في بناء مشروع طويل الأمد يهدف إلى منع أي ممر مائي من احتجاز مستقبلها الاقتصادي رهينة للأزمات أو الصراعات الدولية. الأمن الطاقي الصيني تنظر الصين إلى أي تهديد يستهدف أمن الخليج العربي أو الملاحة في مضيق هرمز باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها القومي نظرا لاعتمادها الكبير على نفط دول الخليج العربي وقد وضع العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي وما صاحبه من تهديدات متكررة بإغلاق مضيق هرمز واستهداف الملاحة البحرية بكين أمام معضلة معقدة. فمن جهة تحافظ الصين على علاقات سياسية واقتصادية مع إيران ومن جهة أخرى تعتمد بصورة كبيرة على استقرار الخليج العربي لضمان استمرار تدفق الطاقة إلى اقتصادها الضخم ولهذا تبنت بكين سياسة تقوم على التوازن والتهدئة بالتوازي مع بناء أدوات تقلل قدرتها على التأثر الفوري بأي اضطراب في الخليج. وفي هذا السياق جاء الدور الصيني في رعاية الاتفاق السعودي الإيراني عام 2023 ضمن محاولة أوسع لحماية المصالح الاقتصادية الصينية واحتواء التوترات التي تهدد أمن الطاقة العالمي كما عززت بكين احتياطاتها النفطية الاستراتيجية ووسعت تنويع موردي الطاقة ما منحها هامشا أكبر لامتصاص الصدمات. وتشير تقديرات حديثة من وكالة الطاقة الذرية وتحليلات بيرنشتاين للأبحاث إلى أن الصين قد رفعت احتياطاتها النفطية الاستراتيجية والتجارية إلى حوالي 1.4 مليار برميل بحلول نهاية عام 2025 وبداية 2026 وهو ما وفر لها قدرة كبيرة على الحفاظ على استقرار الإمدادات الصناعية حتى خلال فترات التصعيد المرتبطة بالتهديدات الإيرانية للملاحة في مضيق هرمز. تجاوز مضيق هرمز لم يكن احتواء الصين لتداعيات إغلاق مضيق هرمز نتيجة عامل واحد بل ثمرة بناء منظومة متكاملة هدفت إلى تقليل قدرة أي أزمة بحرية على شل الاقتصاد الصيني. وكانت الخطوة الأبرز في هذه المنظومة بناء احتياطي نفطي إستراتيجي ضخم منح بكين قدرة على امتصاص الصدمات النفطية لعدة أشهر حتى في حال تعطل جزء من الإمدادات القادمة عبر الخليج العربي وقد اختارت الصين توزيع جزء كبير من هذه الاحتياطيات داخل منشآت صخرية محصنة ما وفر لها قدرة أكبر على حماية المخزون الإستراتيجي. وفي الوقت نفسه اتجهت بكين إلى تنويع مصادر استيراد الطاقة فوسعت وارداتها من روسيا وآسيا الوسطى وأفريقيا الأمر الذي منحها هامشًا أكبر للمناورة خلال فترات التوتر في الخليج العربي. ومن أبرز هذه البدائل خط أنابيب شرق سيبيريا المحيط الهادئ (ESPO) الذي وفر للصين إمدادات نفطية برية مباشرة من روسيا بعيدا عن الممرات البحرية المعرضة للاضطرابات وقد ازدادت أهمية هذا المسار بعد العقوبات الغربية على موسكو حيث استطاعت بكين تأمين كميات كبيرة من النفط الروسي عبر مسارات لا يمكن استهدافها بحريا إضافة إلى توسيع استخدام اليوان الصيني في عمليات الدفع. كما يمثل ميناء جوادر الباكستاني جزءا مهما من الاستراتيجية الصينية لتجاوز الاختناق البحري نظرا لوقوعه خارج مضيق هرمز مباشرة وربطه بالممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يمنح بكين منفذا بديلا نحو بحر العرب. وبالتوازي مع ذلك استخدمت الصين مشروع الحزام والطريق كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا التجارية العالمية عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية وشبكات النقل بما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الأزمات البحرية. وقد انعكست نتائج هذه السياسات بوضوح خلال فترات التصعيد في الخليج العربي حيث أظهرت الصين قدرة أعلى من المتوقع على الحفاظ على استقرار الإمدادات الصناعية والطاقة رغم الاضطرابات التي شهدتها أسواق النفط العالمية. الطاقة المتجددة إلى جانب بناء الاحتياطيات النفطية والممرات البديلة أدركت الصين أن الحل الأكثر استدامة لتقليل مخاطر مضيق هرمز يتمثل في خفض الاعتماد على النفط نفسه ولذلك تبنت بكين خلال العقدين الماضيين سياسة واسعة للتحول نحو الطاقة المتجددة والتوسع في الاقتصاد الكهربائي باعتبار ذلك جزءًا من استراتيجية الأمن القومي وليس مجرد خيار بيئي. وخلال السنوات الأخيرة أصبحت الصين أكبر مستثمر عالمي في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كما تحولت إلى أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم وتشير تقديرات حديثة إلى أن النفط القادم عبر مضيق هرمز لم يعد يمثل سوى 6.6 % من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين بعد أن كان يشكل نسبة أكبر بكثير قبل عقدين. كما ساهم التوسع في استخدام السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة في تقليل معدلات نمو الطلب المحلي على الوقود التقليدي ما منح بكين هامشا أكبر للتعامل مع تقلبات أسعار النفط والأزمات الجيوسياسية. ورغم أن الصين ما تزال بحاجة إلى كميات ضخمة من النفط لضمان استمرار نموها الصناعي فإن التحول التدريجي نحو الطاقة المتجددة منحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وتقليل التأثر الفوري بأي اضطراب في مضيق هرمز. معيار النجاح رغم أن الصين أظهرت قدرة كبيرة على احتواء تداعيات اضطرابات مضيق هرمز فإن ذلك لا يعني أنها تحررت بالكامل من تأثيرات الجغرافيا السياسية أو من حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أمن الخليج العربي فنجاح بكين كان نجاحا في تقليل المخاطر أكثر من كونه إنهاء كاملا لحالة الاعتماد على الممرات البحرية. فعلى الرغم من تنويع مصادر الطاقة وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية وتطوير البدائل البرية ما تزال الصين تعتمد بصورة كبيرة على نفط الخليج العربي كما أن جزءًا مهمًّا من تجارتها العالمية لا يزال مرتبطا بالممرات البحرية الدولية. ومع ذلك، فإن ما حققته الصين خلال العقود الثلاثة الماضية يمثل تحولا مهما في مفهوم الأمن الطاقي العالمي فبدلا من أن تكون رهينة مباشرة لأي اضطراب في مضيق هرمز أصبحت تمتلك هامشا واسعا من المناورة يسمح لها باحتواء الأزمات لفترات أطول وتقليل آثارها الاقتصادية المباشرة. كما أظهرت التوترات المرتبطة بالعدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي أن بكين باتت أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كان متوقعاً بفضل الاحتياطيات النفطية الضخمة وتنويع مصادر الطاقة  والتوسع في البدائل البرية والطاقة المتجددة. وفي النهاية، تؤكد التجربة الصينية أن الصراع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتعلق فقط بمن يملك النفط بل بمن يمتلك القدرة على حماية سلاسل الإمداد وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية الكبرى وربما تكشف التجربة الصينية أيضا أن المشاريع التي تبدو اليوم مملة أو بطيئة التأثير قد تتحول مستقبلًا إلى أهم أدوات القوة والنفوذ في العالم.

Go to News Site