صحيفة البلاد البحرينية
بالعودة عبر شريط الزمن إلى العام 1999، وهي سنة تدشين برنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، سنكون – منذ ذلك الحين إلى اليوم – أمام مبادرة تعليمية لا تقتصر على ابتعاث الطلبة المتفوقين إلى الجامعات العالمية، بل مشروع استراتيجي متكامل لصناعة الإنسان البحريني القادر على قيادة المستقبل، وتحويل المعرفة إلى قوة وطنية ناعمة، والتنمية إلى ثقافة مستدامة تتجاوز حدود الشهادة الأكاديمية نحو بناء القيادات والكفاءات وصناع القرار. وعلى مدى أكثر من ربع قرن، استطاع البرنامج أن يرسخ مكانته بوصفه أحد أكثر برامج الابتعاث تميزا على مستوى المنطقة، ليس فقط بما يقدمه من فرص تعليمية في أرقى الجامعات العالمية، وإنما بمنهجيته المتكاملة التي تجمع بين التفوق الأكاديمي، والتدريب القيادي، والتأهيل المهني، والانفتاح الحضاري، والارتباط العميق بالهوية الوطنية البحرينية. وجاء لقاء ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، بطلبة الدفعة السابعة والعشرين من البرنامج يوم الأربعاء 6 مايو 2026، ليؤكد استمرار الرؤية البحرينية الثابتة التي تَعدّ الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة وتأثيرا، وأن بناء العقول الشابة يمثل الركيزة الأساسية لمستقبل التنمية في مملكة البحرين. صناعة القيادات يمكن القول، إن اللافت في البرنامج أنه تجاوز المفهوم التقليدي للبعثات الدراسية، كيف؟ الجواب: إن الكثير من البرامج العالمية تعتمد على التمويل الأكاديمي فقط، أما هذا البرنامج فحقق مرتبة التقدم على خريطة العالم في التعليم الجامعي؛ لأنه يقوم على بناء منظومة متكاملة تبدأ من اكتشاف الطالب المتميز، ثم تأهيله أكاديميا وشخصيا وقياديا، وصولا إلى ربطه بمسارات التنمية الوطنية. وتشبه فلسفة البرنامج في بعض جوانبها برامج دولية مرموقة مثل برنامج “رودس” البريطاني المرتبط بجامعة أكسفورد، وبرنامج “فولبرايت” الأميركي، غير أن التجربة البحرينية تتميز بخصوصية لافتة؛ لأنها لا تكتفي بصناعة نخبة أكاديمية، بل تسعى إلى إعداد كوادر وطنية تحمل مشروع دولة حديثة، وتعود بخبراتها لخدمة البحرين في القطاعات الاقتصادية والتقنية والطبية والهندسية والإدارية. في المسار ذاته، يتميز البرنامج بقدرته على الدمج بين البعد الوطني والانفتاح العالمي، وهي معادلة صعبة لم يستطع تحقيقها كثير من برامج الابتعاث التقليدية في العالم، إذ حافظ الطلبة البحرينيون المبتعثون عبر البرنامج على ارتباطهم بهويتهم الوطنية، في الوقت الذي اندمجوا فيه داخل بيئات أكاديمية عالمية شديدة التنافسية. عقول بحرينية وفي السنوات الماضية، تمكن طلبة البرنامج من الالتحاق بجامعات تعد من الأعلى تصنيفا عالميا، مثل جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد وجامعة كامبريدج ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وغيرها من المؤسسات الأكاديمية المرموقة، ولم يكن الوصول إلى هذه الجامعات إنجازا فرديا فقط، بل مؤشرا لنجاح النموذج التعليمي البحريني في إنتاج طلبة قادرين على المنافسة الدولية في أصعب البيئات الأكاديمية وأكثرها انتقائية، ذلك لأن الاستثمار المبكر في الكفاءات الوطنية، وربط التعليم بالتنمية الاقتصادية، يعد من أبرز معايير الدول الناجحة في بناء اقتصادات المعرفة والابتكار، وهو ما تنسجم معه تجربة البحرين بشكل واضح عبر هذا البرنامج النوعي. تأهيل قيادي وحظي البرنامج بإشادات من مؤسسات أكاديمية وتعليمية دولية؛ نظير ما يوفره من نموذج متوازن يجمع بين التميز الأكاديمي والتأهيل القيادي. كما ينظر عدد من الخبراء في مجال التعليم العالي إلى البرنامج بوصفه أحد أنجح النماذج الخليجية في استثمار رأس المال البشري، خصوصا أنه لم يقتصر على إرسال الطلبة إلى الخارج، بل حرص على متابعتهم وتطوير مهاراتهم وربطهم بفرص التدريب والتأهيل والتوظيف. وتؤكد مؤشرات التنافسية العالمية الصادرة عن مؤسسات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن الدول التي تستثمر في التعليم النوعي والقيادات الشابة تحقق مستويات أعلى من الابتكار والإنتاجية والاستدامة الاقتصادية، وهو ما يعزز أهمية البرنامج ضمن الرؤية البحرينية للتنمية، علاوة على استمراريته واستقراره منذ أكثر من 27 عاما، وهي نقطة جوهرية لا تتوافر في كثير من المبادرات التعليمية قصيرة الأمد في العالم. رؤية تنموية ولم يعد البرنامج مشروعا تعليميا منفصلا عن رؤية الدولة، بل جزء من مشروع وطني أوسع يؤمن بأن الإنسان هو المحرك الحقيقي للتنمية، ومن هنا ساهم في رفد البحرين بكفاءات شابة تعمل اليوم في مواقع قيادية ومؤثرة داخل قطاعات حيوية متعددة، من التكنولوجيا والطب والاقتصاد والطاقة إلى الإدارة والسياسات العامة وريادة الأعمال، ويبدو واضحا أن فلسفة البرنامج تتقاطع مع التحولات الاقتصادية العالمية الجديدة، التي أصبحت تعتمد على المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية وحدها، ولهذا فإن البرنامج لا يهيئ الطلبة لوظائف تقليدية، بل يعدهم لعالم متغير يتطلب مهارات قيادية ومرونة فكرية وقدرة على المنافسة الدولية. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ العلمي والمعرفي، وهنا تُعد تجربة البحرين في برنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، نموذجا متقدما لما يمكن أن تصنعه الرؤية الواضحة والاستثمار طويل المدى في الإنسان؛ فالبرنامج لم يصنع فقط خريجين متفوقين، بل صنع صورة ذهنية عالمية عن البحرين بوصفها دولة تؤمن بالعلم، وتستثمر في الشباب، وتمنح أبناءها الفرصة للوصول إلى أكبر الجامعات والمنصات العالمية.
Go to News Site