Shafaq News
لم تلتزم حكومة تصريف الأعمال في العراق التي تأخرت كثيرا بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة الناتجة عن انتخابات تشرين الثاني 2025 بالعرف المتبع عادة فيما يتعلق بمهام تصريف الأعمال، فهي قد عطلت كثيرا من مصالح الناس بما في ذلك تأخير صرف منح الطلبة واشكالات في توزيع مفردات البطاقة التموينية وتلكؤ صرف إعانات الرعاية الاجتماعية، وغير ذلك. كما استغل بعض الوزراء من الحكومة منتهية الولاية، الذين تسلموا مهام وزارات أخرى بالوكالة التأخير، في تمرير صفقات غير مدروسة للضمان الصحي، وسعى آخرون لإدخال قرارات سياسية أو ايديولوجية في مفاصل مهنية صرف مثل التربية والتعليم؛ في حين أن قوانين العالم المتحضر المطبقة في الدول المتقدمة تضع حدودا لحكومات تصريف الأعمال، التي لا تجيز التغييرات المفصلية في هياكل مهنية بناء على الآراء السياسية أو تعطيل تقديم الخدمات للناس بحجة تصريف الاعمال وغيرها من التداعيات التي تؤثر سلبا على المجتمع. تثير هذه التصرفات قضايا دستورية وقانونية جوهرية تتعلق بمفهوم استمرارية المرفق العام في مقابل مبدأ الشرعية والمسؤولية، اذ ان وضع "حكومة تصريف الأعمال" ليس مجرد توصيف سياسي، بل هو مركز قانوني مقيد بضوابط صارمة لضمان عدم استغلال الفراغ السلطوي. وحتى فيما يتعلق بالدستور العراقي فهناك تفصيل للحدود القانونية والمهنية لهذه الحكومة وفقا للقواعد العامة والدستور العراقي. وتعرف "الأعمال اليومية" بأنها القرارات والإجراءات التي تهدف إلى ضمان استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد، ولا تترتب عليها التزامات مستقبلية ثقيلة على الحكومة المقبلة، وتتمثل حدودها في القرارات الإدارية الروتينية مثل تسيير البريد اليومي، وصرف الرواتب المقرة مسبقا، وتنفيذ الموازنات الجارية؛ أما الإجراءات العاجلة فتنحصر في اتخاذ قرارات لمواجهة كوارث طبيعية أو تهديدات أمنية طارئة لا تقبل التأجيل. ويمنع على حكومة تصيف الاعمال ـ ويشمل ذلك الوزراء طبعا ـ تقديم مشاريع قوانين، وإبرام اتفاقيات دولية كبرى، أو توقيع عقود استراتيجية طويلة الأمد قد تكبل الدولة والمجتمع لسنوات. وعلى النقيض تماما مما يشاع، فإن مهمة حكومة تصريف الأعمال هي منع تعطيل مصالح الناس وليس التسبب فيها، أن مِنح الطلبة والرعاية الاجتماعية مثلا و صرف هذه المبالغ لا يعد قرارا سياسيا جديدا، بل هو تنفيذ لالتزامات قانونية وموازنات أقرتها الدولة مسبقا، و تعطيلها بذريعة تصريف الأعمال يعد إخلالا بالواجب الوظيفي، لأن المبدأ الأساس هو أن المرفق العام لا يتوقف، أما ما يتعلق بالبطاقة التموينية فان تأمين الغذاء يعد من صلب الأعمال اليومية الضرورية لحفظ الأمن والسلم المجتمعي، وأي تلكؤ فيه يخرج عن إطار الإدارة الرشيدة للفترة الانتقالية. ووفقا لقرارات المحكمة الاتحادية العليا والسياقات الإدارية، فإن إجراء تغييرات "مفصلية" في هيكلية الوزارات (مثل التربية أو الصحة) في هذه المرحلة يشوبه غالبا عيب استغلال السلطة، ففيما يتعلق بالمناصب المهنية، لا يجوز إخضاع المؤسسات التعليمية أو الفنية للمعايير الأيديولوجية أو السياسية، لاسيما في مدة تصريف الأعمال، لأن ذلك يفتقر إلى الغطاء الرقابي الكامل من البرلمان الجديد، كما ان استغلال الوزراء حقائب أخرى بالوكالة لتمرير صفقات مثل الضمان الصحي يعد تجاوزا لروح القانون، اذ أن صلاحية التوكيل في حكومة مستقيلة يجب أن تقتصر على تسيير العاجل لا التأسيس لجديد، كما ان أي عقد يجري إبرامه في هذه المدة ويحمل الدولة تبعات مالية كبيرة يمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري أو المحكمة الاتحادية لاحقا بصفته خارجا عن صلاحية تصريف الأعمال اليومية، ويتساءل الناس هنا ما الذي اخر وزارة الصحة طيلة سنوات الوزير الأربع، لسن قانون للضمان الصحي فيلجأ الى التسريع به في مدة تصريف الاعمال، او ما الذي يدفع وزير التربية بالوكالة لإصدار قرار سياسي او عسكري يتعلق باختصاصات مهنية صرف. وفي ظل غياب البرلمان الفاعل أو انشغاله بالتحالفات، تبرز أهمية الرقابة القضائية بإمكانية رفع دعاوى أمام محكمة القضاء الإداري لإبطال أي قرار وزاري يتجاوز حدود الأعمال اليومية، في حالة وزارة التربية مثلا. ويستدعي ذلك دورا للرأي العام يتمثل في الضغط الشعبي والإعلامي لمنع تسييس المؤسسات المهنية (كالتعليم) وضمان عدم المساس بحقوق الطبقات الهشة (الرعاية والطلبة). يمكن القول ان حكومة تصريف الأعمال هي حكومة حراسة للموجودات والخدمات، وليست حكومة إنشاء لسياسات جديدة أو تغيير لهوية المؤسسات المهنية، أي انحراف عن هذا المسار يعد تجاوزا دستوريا يستوجب المحاسبة. في عالمنا المعاصر يعد النموذج "البلجيكي" هو المثال الأبرز والأكثر إثارة للدهشة في التاريخ السياسي المعاصر؛ اذ يحمل هذا البلد المتقدم الرقم القياسي العالمي في طول مدة بقاء الدولة من دون "حكومة كاملة الصلاحيات" لمرتين (الأولى لمدة 541 يوما بين 2010-2011، والثانية لمدة 652 يوما بين 2018-2020). برغم هذا الفراغ السياسي في القمة، استمرت حياة المواطن البلجيكي وكأن شيئا لم يكن، بل إن بعض المؤشرات الاقتصادية سجلت تحسنا في تلك المراحل، ان سر الصمود يكمن في الفصل بين "السياسة" و"الإدارة"، وان الدولة البلجيكية مصممة لتعمل بآلية الركائز المؤسساتية المتينة التي تمنع تسييس الخدمات، وعندها جهاز اداري مستقل، يمتلك هو والموظفون العموميون في بلجيكا حصانة مهنية تامة. المدراء العامون في الوزارات يواصلون تسيير العمل بحسب خطط استراتيجية مقرة مسبقا، ولا يتأثرون برحيل الوزير أو بقائه، اذ إن تسيير المرفق العام واجب قانوني لا يخضع للمزاج السياسي، في بلجيكا، يجري تعريف "تصريف الأعمال" قانونيا بدقة متناهية، وهي تشمل ثلاث فئات، الأعمال الروتينية: صرف الرواتب، صيانة الطرق، وتدبير الأمور اليومية، وإكمال ما بدأته الحكومة السابقة ولم ينته، طالما أنه لا يغير في طبيعة الدولة، التعامل مع الأزمات الطارئة (مثل جائحة كورونا التي تزامنت مع أزمة تشكيل الحكومة الثانية). ان أي محاولة من وزير في حكومة تصريف أعمال لاتخاذ قرار "مفصلي" أو "أيديولوجي" (مثل تغيير المناهج أو إبرام عقود ضخمة) تجابه فورا بالطعن أمام مجلس الدولة، أي أعلى سلطة قضائية إدارية، الذي يقوم بإلغاء القرار لعدم الاختصاص في هذه المدة.
Go to News Site