صحيفة البلاد البحرينية
يُعد داء السكري أحد أبرز أمراض العصر، إذ يعاني منه نحو 590 مليون شخص حول العالم، أكثر من 90 % منهم مصابون بالنوع الثاني. وعلى الرغم من عدم وجود علاج شافٍ لهذا النوع حتى الآن، فإنه يمكن الوصول إلى مرحلة من التعافي أو السيطرة على المرض من خلال خفض الوزن، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نمط حياة صحي، إلى جانب اتباع نظام غذائي متوازن منخفض السعرات الحرارية والكربوهيدرات. وتُعد حمية الكيتو من أبرز الأنظمة الغذائية التي يُشار إليها لمرضى السكري، حيث تظل خيارا مطروحا لكونها تستهدف أحد أهم العوامل المؤثرة في المرض، وهو استهلاك السكريات والكربوهيدرات. وفي هذا الصدد، أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة تابعة لجمعية الغدد الصماء الأميركية أن حمية الكيتو قد تكون أكثر فاعلية في عكس مسار داء السكري من النوع الثاني، مقارنة باتباع نظام غذائي منخفض الدهون فقط. وشملت الدراسة 51 بالغا، تتراوح أعمارهم بين 55 و62 عاما، وجميعهم مصابون بداء السكري من النوع الثاني. واتبع المشاركون إما حمية الكيتو أو حمية قليلة الدسم لمدة 12 أسبوعا. وركّزت الدراسة على تأثير كلا النظامين في نسبة البروإنسولين إلى الببتيد C لدى المشاركين، وهي نسبة تعكس كفاءة عمل خلايا بيتا في البنكرياس. ووجد الباحثون في ختام الدراسة أنه، على الرغم من فقدان المشاركين للوزن في كلا النظامين، فإن الذين اتبعوا حمية الكيتو سجلوا انخفاضا أكبر في نسبة البروإنسولين المُفرز، وهو ما ارتبط بتحسّن وظائف خلايا بيتا. وأكدت ماريان يورتشيشين، زميلة ما قبل الدكتوراه في قسم علوم التغذية بجامعة ألاباما في برمنغهام، والمؤلفة الرئيسة لهذه الدراسة، في تصريح لموقع Medical News Today، أن الدراسات أظهرت أن الحميات الغذائية منخفضة الكربوهيدرات تحقق العديد من الفوائد لمرضى السكري من النوع الثاني، بما في ذلك خفض مستوى الهيموغلوبين السكري (HbA1c)، وضغط الدم الانقباضي، ومستويات الدهون الثلاثية. وأوضحت أنهم يسعون إلى إثبات أن النظام الغذائي الكيتوني يمكن أن يشكل جانبا مكملا للعلاج القائم على تغيير نمط الحياة، من خلال تحديد آثاره العلاجية، بما يسهم في تحسين ضبط مستوى السكر في الدم نتيجة لتحسّن وظائف خلايا بيتا. وأضافت أن البنكرياس يمر بمراحل عدة لإنتاج الإنسولين، مشيرة إلى أنه عندما تتعرض خلايا بيتا لضغط كبير، كما في داء السكري من النوع الثاني، فإنها تُفرز كميات كبيرة من البروإنسولين. ولفتت إلى أن البروإنسولين يُعدّ مقدمة للإنسولين، وأن ارتفاع مستوياته يشير إلى إرهاق خلايا بيتا، التي تُفرز جزيئات غير مكتملة في محاولة لمواكبة تزايد احتياجات الجسم من الإنسولين. وأكدت أن الانخفاض الأكبر في مستويات البروإنسولين يدل على أن حمية الكيتو قد خفّفت هذا الضغط، ما يسمح لخلايا بيتا بالعمل بكفاءة أعلى، وهو ما ينعكس في تحسّن وظائفها. كما أوضحت أن التعرض المزمن للجلوكوز (المعروف بسمّية الجلوكوز) يسهم في فشل خلايا بيتا، نتيجة فقدانها القدرة على استشعار الجلوكوز والاستجابة له. وبينت أن اتباع نظام غذائي منخفض الكربوهيدرات يقلل هذا التعرض، ما قد يهيئ بيئة مناسبة لخلايا بيتا لإصلاح آليات إفرازها، وهي المسؤولة عن إفراز الإنسولين استجابة لارتفاع مستوى الجلوكوز في الدم. وأضافت أن استعادة هذه الوظائف تمكّن الخلايا من إنتاج كميات كافية من الإنسولين للحفاظ على مستويات سكر الدم ضمن المعدلات الطبيعية. وشدّدت في ختام حديثها على الحاجة إلى مزيد من البحوث لتحديد الآليات الدقيقة الكامنة وراء هذا التأثير. وقال د. بويا شافيبور، الطبيب المتخصص في طب الأسرة والسمنة في مركز بروفيدنس سانت جون الصحي في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، إنه لم يتفاجأ بهذه النتائج. وأضاف: “في حالات السكري المبكرة، يمكن لحمية الكيتو أن تُحدث فرقا كبيرا إذا التزم بها الأشخاص جيدا، خصوصا عند اتباع نمط الكيتو المتوسطي الغني بالألياف”. وأشار إلى أنه يود أن يرى دراسات تمتد لفترات أطول، مع توضيح نوع حمية الكيتو التي يتبعها المشاركون. وبين أننا نعيش في عالم مُثقل بالكربوهيدرات، وأن الخروج من هذا النمط الغذائي يجعل من الصعب العودة إلى حالة الكيتو، موضحا أن ذلك يتطلب قدرا كبيرا من الانضباط ومقاومة العديد من المغريات. وقال في ختام حديثه إن حمية الكيتو قد تكون فعّالة للغاية، لكنها تظل تحديا من حيث الالتزام بها على المدى الطويل. وأكدت اختصاصية التغذية مونيك ريتشارد، صاحبة مركز “Nutrition-In-Sight”، أن على كل من يفكر في اتباع نظام الكيتو الغذائي أن يقوم بذلك تحت إشراف اختصاصي تغذية معتمد وفريق رعاية صحية، خصوصا أن الأدوية غالبا ما تحتاج إلى تعديل. فليس الهدف فقط خفض نسبة السكر في الدم، بل أيضا دعم الصحة على المدى الطويل، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ عادات صحية مستدامة. وأوصت بالتركيز على جودة الطعام، وليس فقط على العناصر الغذائية الكبرى؛ إذ إن استبدال الكربوهيدرات باللحوم المصنعة والأطعمة فائقة المعالجة التي تُسوق على أنها “مناسبة للكيتو”، إضافة إلى الدهون المشبعة، قد يؤثر سلبا على صحة القلب. في المقابل، يُسهم التركيز على الدهون غير المشبعة (مثل زيت الزيتون، والمكسرات، والبذور، والأفوكادو) والخضراوات غير النشوية في تحقيق نتائج أفضل. كما دعت إلى التفكير في تقليل الكربوهيدرات بشكل معتدل بدلا من التقييد الشديد؛ إذ إن تقليل مرات تناول الكربوهيدرات المكررة أو حجم الحصص، إلى جانب خفض السكريات المضافة، يمكن أن يُحسّن بشكل ملحوظ التحكم في مستويات السكر في الدم، بحسب ريتشارد. وتابعت، مشددة على ضرورة الحفاظ على التنوع وتجنب الإفراط في تناول الدهون والبروتين؛ موضحة أن شطيرة برغر بالجبن واللحم المقدد المزدوج، مع إضافة لحم مقدد إضافي ومن دون خبز، تُشكّل عبئا على الجهاز الهضمي، فضلا عن احتوائها على كميات مرتفعة من الصوديوم والمواد الحافظة، ونقص العناصر الغذائية المفيدة. وأضافت أن الأنظمة الغذائية المقيدة وغير المتوازنة قد تحدّ من الألياف والمغذيات النباتية، وتؤثر في تنوع ميكروبيوم الأمعاء، وهي عناصر مهمة لصحة التمثيل الغذائي. وأكدت في ختام حديثها أن أفضل نظام غذائي هو الذي يتناسب مع طبيعة الجسم ونمط الحياة، مشيرة إلى أنه، كما هو الحال في معظم جوانب التغذية، لا يوجد نظام واحد يناسب الجميع؛ فالهدف لا يقتصر على خفض نسبة السكر في الدم، بل يشمل أيضا دعم الصحة على المدى الطويل، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ عادات صحية مستدامة.
Go to News Site