jo24.net
كتب خارج النص- حلمي الأسمر ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يُهزم في معركة، بل أن يعيش عمره كله وهو يدافع عن أفكار زُرعت في رأسه منذ الطفولة، ثم اكتشف متأخرًا أنها لم تكن حقائق خالصة، بل روايات صاغها الأقوياء والطواغيت وكررتها المؤسسات والمنابر حتى بدت وكأنها مسلمات لا تقبل النقاش. لقد بدأ كثير من الناس في هذا العصر يدركون حقيقة موجعة، لكنها محررة في الوقت نفسه: نحن المضحوك عليهم. ضحكوا علينا في التاريخ، فصوّروا لنا الدولة العثمانية على أنها مجرد احتلال متخلف أو حتى استعمارا، ونسوا أنها كانت، بكل ما لها وما عليها، آخر مظلة سياسية كبرى جمعت معظم العالم العربي والإسلامي، وأخّرت التغلغل الاستعماري الأوروبي المباشر لقرون. وضحكوا علينا في مفهوم الحضارة، فأقنعونا أن الغرب جاء لينقذ البشرية وينشر الحرية وحقوق الإنسان، بينما قامت إمبراطوريات مثل المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة على الاستعمار ونهب الثروات واستعباد الشعوب وسحق إنسانية الإنسان. وضحكوا علينا في السياسة، فقالوا إن الولايات المتحدة قوة لا يمكن لأحد الوقوف في وجهها، ثم أثبت التاريخ من فيتنام إلى أفغانستان إلى إيران أن الإرادة والصبر والقدرة على الاحتمال تستطيع أن تربك أعظم الكيانات العسكرية. وضحكوا علينا في الصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، فأقنعوا بعضنا أن "دولة" مسخا سموها "اسرائيل' على اسم نبي كريم هو بريء منها قلعة لا تُقهر، ثم جاءت المقاومة في غزة ولبنان لتثبت أن التكنولوجيا لا تستطيع هزيمة فكرة متجذرة في وجدان شعب مستعد للتضحية حتى النهاية؛ لا إن هذه المقاومة ألحقت إذلالا بها أن تتعافى منه مهما ارتكبت من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية ربما لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لها. وضحكوا علينا في الطب، حتى جعلونا نعتقد أن الصحة تُشترى من الصيدليات، وأن الإنسان يحتاج إلى الدواء أكثر مما يحتاج إلى فهم جسده وغذائه ونمط حياته. وفي هذا السياق كثيرًا ما يُشار إلى تأثير رجل المال والنفط الأمريكي جون دي روكفلر في إعادة تشكيل التعليم الطبي في الولايات المتحدة عبر مؤسساته "الخيرية!"، وهو تأثير تاريخي حقيقي ومعقد في آن واحد. حيث حول الطب إلى صناعة عالمية هائلة تتداخل فيها المعرفة مع المصالح الاقتصادية. وهنا تشير دراسات طبية أوروبية وأمريكية إلى أن نسبة معتبرة من حالات الدخول إلى المستشفيات ترتبط بالتفاعلات الدوائية الضارة والآثار الجانبية للأدوية. والمفارقة أن بعض ما يُقدَّم للعلاج قد يتحول، في ظروف معينة، إلى سبب جديد للمرض؛ بل أنهم ضحكوا علينا فسموا الأمراض الخطيرة التي تسببها الأدوية مجرد "أعراض جانبية" وكأنها مجرد تفصيل عابر، بينما قد تعني نزيفًا داخليًا، أو فشلًا كبديًا، أو اضطرابات قلبية، أو مضاعفات قد تهدد الحياة. وضحكوا علينا في الاقتصاد، فقالوا إن الديون تصنع الازدهار، وإن البنوك تخلق الثروة، فإذا بالإنسان يعمل عمره الطويل ليسدد فوائد تتضخم أسرع من أحلامه. وضحكوا علينا في الإعلام، حتى أصبح الخبر يُصنع قبل الحدث، والرواية تُكتب قبل الحقيقة، والمشاهد يرى العالم من خلال عدسات يملكها أصحاب المال والنفوذ. وضحكوا علينا في التعليم، فحفظنا الإجابات النموذجية، لكننا لم نتعلم كيف نطرح السؤال الصحيح. ناهيك عما تحفل به المناهج التي وضعوها لأبنائنا من مغالطات وأوهام تروي التاريخ وفق ما تراه السلطة الحاكمة لا وفق ما هو صحيح فعلا! وضحكوا علينا في الثقافة، فأقنعونا أن التقدم يعني تقليد الآخرين، وأن الشك في الذات فضيلة، بينما الثقة بالهوية تهمة. وضحكوا علينا في الغذاء، فجعلوا ما تنتجه المصانع أكثر "حداثة وفائدة!" مما تنبته الأرض، وحوّلوا الطعام الطبيعي إلى عادة قديمة، والمنتجات فائقة التصنيع إلى أسلوب حياة؛ وعبثوا بكل ما وهبنا الله عز وجل من بذور وخيرات طبيعية فحولوها إلى مجرد سلع لإفراغ جيوب المستهلكين أكثر مما هي غذاء صحي؛ لا حولوا مفهوم الصحة ذاتها حتى تحولت إلى مجرد وهم مفصل على مقاس جيوبهم! وضحكوا علينا في تعريف النجاح، حتى صار الإنسان يقيس قيمته بما يملك لا بما يعرف، وبما يستهلك لا بما يبدع، وبما يظهر لا بما يكون. وجعلوا الأجيال ترنو إلى أن يصبح الجميع من المشاهير ومن يسمونهم "المؤثرين" حتى حولوا هؤلاء المسوخ إلى "أبطال" وملهمين! لكن الحقيقة التي بدأت تتكشف اليوم هي أن العالم أكثر تعقيدًا مما قيل لنا، وأن كثيرًا من المسلمات لم تكن سوى روايات المنتصرين، وأفكارٍ أعادت المؤسسات إنتاجها حتى بدت وكأنها حقائق نهائية. وهذا لا يعني أن كل ما تعلمناه باطل، ولا أن كل المؤسسات كاذبة، بل يعني أن التفكير الحر ضرورة، وأن الشك المنهجي فضيلة، وأن الحقيقة لا تُسلَّم جاهزة، بل تُنتزع بالقراءة والمقارنة والنقد والتأمل والحرية. لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح: نعم، ضُحك علينا طويلًا. لكن الوعي يبدأ في اللحظة التي ندرك فيها ذلك. فحين يستيقظ العقل، يسقط السحر. وحين يسقط السحر، تنهار الأصنام. وحين تنهار الأصنام، والأوثان والطواغيت يبدأ الإنسان في رؤية العالم كما هو، لا كما أراد الآخرون له أن يراه. وعندها فقط، نتوقف عن كوننا ضحايا للرواية… ونصبح شركاء في صناعة الحقيقة. .
Go to News Site