jo24.net
كان ذلك البيتُ العتيق في أزقة بلدتي القديمة ليس مجرد جدرانٍ وسقف، بل كان رئةً أتنفسُ بها عبق الماضي. كنتُ آوي إليه كلما ضاقت بي صروف الحياة، فأجد في فنائه الواسع، وشجرة "الياسمين" التي تتوسطه، ملاذاً يغسل عني وعثاء السفر. كنتُ أصحو على مداعبة خيوط الشمس لستائره القطنية، وأرقبُ تساقط أوراق الخريف في باحته، وكأنها رسائلُ حبٍّ تخبئها الأرض في ثناياها. ولأنني أحببتُه حباً جماً، فقد أخذتُ على نفسي عهداً أن أعيد له شبابه؛ فدهنتُ أبوابه الخشبية بلونٍ يسرُّ الناظرين، وزرعتُ في جنباته رياحين ونعناعاً، وعلّقتُ على جدرانه صوراً لأحبةٍ غابوا، حتى غدا البيتُ ينبضُ بالحياة، ويضوعُ منه أريجُ الذكريات في كل زاويةٍ وركن. كنتُ أتفقدُ شقوق جدرانه كما يتفقد الأبُ جراح أطفاله، وأسمعُ لصرير أبوابه نغماً لا تتقنه أعظم المعازف. وبعد سنين من الألفة، بدأتُ ألحظُ صمتاً غريباً يلفُّ أرجاءه، ورأيتُ غبار الأيام يتراكم على نوافذه مهما بالغتُ في تنظيفها. خيّم على قلبي شعورٌ بأن البيت قد بدأ يضيقُ بي، أو ربما بدأتُ أنا أضيقُ بانتظار الغائبين فيه. فقررتُ، بقلبٍ يملؤه الوجل، أن أفتحه للريح، وأتركه لأقدار الزمان. وقفتُ في وسط الفناء قبيل الرحيل، والبيتُ يلفني بهدوئه المعهود، وكأنه يعلم أن هذه هي الليلة الأخيرة. ومع تباشير الفجر، حملتُ مفتاحي الثقيل، ونظرتُ إلى "الياسمينة" التي كانت تتمايلُ جذلاً في الربيع، فإذا بها اليوم تبدو واجمةً كئيبة. فتحتُ الباب الخارجي على مصراعيه، وخرجتُ أجرُّ خطاي الثقيلة، والتفتُّ خلفي لعلّ البيت يناديني أو يستوقفني، لكنه ظلَّ صامداً في صمته المَهيب، وكأنه يقول لي بفصيح الحال: "اذهب، فقد أديتُ الأمانة، وحان وقتُ الوداع". أشرتُ بيدي إلى النوافذ المغلقة، وكأنني أستودعها أسراري، وهمستُ في سري: "هيهات أن يملأ غيرك هذا الفراغ!". ومذ ذلك اليوم، لم تطأ قدماي تلك العتبات، مع أن رائحة "الياسمين" لا تزال تسكنُ رئتي، وصوت انغلاق الباب يدوّي في مسامعي كلما جنَّ الليل. لكنها سنة الحياة؛ اجتماعٌ يعقبه شتات، ودارٌ تُبنى لتُهجر. كسرتُ المفتاح الذي لم يعد يفتحُ إلا أبواب الحنين، وطويتُ سجادة ذكرياتي، وأوصدتُ قلب القفل، مفارقاً بمرارةٍ لا يمحوها مرور الأيام! .
Go to News Site