Collector
كيف نجحت البحرين في قيادة مشاريع قرارات أممية؟ | Collector
كيف نجحت البحرين في قيادة مشاريع قرارات أممية؟
صحيفة البلاد البحرينية

كيف نجحت البحرين في قيادة مشاريع قرارات أممية؟

الحضور الدولي منح البحرين خبرة متراكمة في التعامل مع الملفات الإقليمية الحساسة. الدبلوماسية البحرينية انتقلت من “التمثيل” إلى “التأثير وصناعة القرار”. استضافة البحرين للفعاليات الدولية منحت المملكة حضورًا ناعمًا ومؤثرًا داخل المؤسسات الدولية. مشروع القرار البحريني رسخ القناعة الدولية بأن استقرار المنطقة جزء من استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية.   لم يكن بلوغ مملكة البحرين سدة رئاسة مجلس الأمن الدولي خلال شهر أبريل الماضي، وقيادتها لمشاريع قرارات أممية مرتبطة بأمن الخليج والملاحة الدولية، حدثًا بروتوكوليًا عابرًا أو نتيجة ظرف سياسي مؤقت، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من العمل الدبلوماسي الهادئ، الذي راكم النفوذ والثقة الدولية عبر عقود، حتى تحولت المملكة من دولة خليجية محدودة الجغرافيا، إلى طرف حاضر في أكثر ملفات العالم حساسية وتعقيدًا. واليوم، بعد نجاحها في قيادة مشروع قرار أممي بشأن حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز ومواجهة انتهاكات إيران للقانون الدولي وتهديداتها للملاحة البحرية، تقود البحرين بمعية الولايات المتحدة الأميركية مشروع قرار يحظى بدعم كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت، يدعو إيران إلى “وقف جميع الهجمات والتهديدات” ضد الملاحة التجارية في المضيق. خلال السنوات الأخيرة، برز اسم البحرين داخل أروقة الأمم المتحدة بصورة مختلفة؛ ليس فقط بوصفها عضوًا في المنظومة الدولية، بل باعتبارها دولة قادرة على بناء التحالفات، وصياغة المبادرات، وقيادة مشاريع القرارات، والتحدث باسم تكتلات إقليمية واسعة في قضايا تمس الأمن والسلم الدوليين. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى تراكم سياسي ودبلوماسي بدأ منذ عام 1971، حين وضعت المملكة أسس سياستها الخارجية القائمة على الاعتدال، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي، وهي المبادئ التي تحولت لاحقًا إلى هوية سياسية ثابتة للدبلوماسية البحرينية. ومنذ انضمام البحرين إلى الأمم المتحدة في العام نفسه، سعت المملكة إلى ترسيخ حضورها داخل المؤسسات الدولية، ليس عبر الخطاب التصعيدي أو الاستقطاب السياسي، بل من خلال بناء صورة دولة مستقرة وموثوقة وقادرة على الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الدولية. ومع مرور السنوات، توسعت شبكة العلاقات البحرينية مع القوى الكبرى، فنسجت المملكة شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات تعاون وتواصل مع روسيا والصين، في سياسة اتسمت بالمرونة والقدرة على التحرك وسط بيئة دولية معقدة دون الانجرار إلى سياسة المحاور الحادة. تصاعد التحديات ومع تصاعد التحديات الإقليمية خلال العقود الأخيرة، بدأت الدبلوماسية البحرينية تتجاوز نمط الدبلوماسية التقليدية، مستفيدة من الموقع الجيوسياسي للمملكة في قلب الخليج العربي، ومن استضافتها لقيادة الأسطول الأمريكي الخامس، الأمر الذي جعل البحرين جزءًا أساسيًا من معادلات أمن الملاحة الدولية واستقرار الطاقة والتجارة العالمية. هذا الحضور السياسي والاستراتيجي منح البحرين خبرة متراكمة في التعامل مع الملفات الإقليمية الحساسة، خصوصًا تلك المتعلقة بحماية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وضمان استقرار التجارة الدولية، وهي ملفات أصبحت لاحقًا في صلب النقاشات الدولية داخل مجلس الأمن. وجاء انتخاب البحرين عضوًا غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2026 – 2027 ليشكل نقطة تحول تاريخية في مسار السياسة الخارجية البحرينية، باعتباره أول تمثيل للمملكة داخل المجلس منذ تأسيس الأمم المتحدة.  وقد اعتُبر هذا الفوز انعكاسًا لحجم الثقة الدولية المتراكمة بالدبلوماسية البحرينية، وللقدرة التي بنتها المملكة على تقديم نفسها كدولة معتدلة وقادرة على لعب أدوار توافقية داخل المنظومة الدولية. القدرة البحرينية فمع تصاعد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة التي استهدفت دول المنطقة والممرات البحرية، تحركت البحرين بصورة غير مسبوقة داخل الأمم المتحدة، وقادت مشروع قرار أممي لإدانة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، في خطوة عكست انتقال المملكة إلى موقع “القائد” في إدارة الملفات الدولية. وحظي مشروع القرار البحريني – الذي قُدم نيابة عن دول الخليج والأردن – بدعم واسع داخل مجلس الأمن، حيث أيده 13 عضوًا، كما حظي برعاية أكثر من 135 دولة داخل الأمم المتحدة. ولم يكن هذا الرقم تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل مؤشرًا على حجم القدرة البحرينية في حشد التأييد الدولي، وبناء تحالفات عابرة للجغرافيا والانقسامات السياسية داخل الأمم المتحدة. وزير الخارجية الدكتور عبداللطيف الزياني أكد أن القرار يعكس نجاح البحرين في نقل قضية أمن الخليج إلى مستوى الأمن الدولي، وترسيخ القناعة الدولية بأن استقرار المنطقة جزء لا يتجزأ من استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية. الأهم من ذلك أن البحرين لم تعتمد في تحركها على الخطاب السياسي الحاد، بل ركزت على القانون الدولي، وحرية الملاحة، وحماية المدنيين، وأمن التجارة العالمية، وهي مفردات منحت المشروع قبولًا دوليًا واسعًا، وسمحت للبحرين بتوسيع دائرة الدعم داخل المجلس وخارجه. وبعد نجاح القرار الأول، انتقلت البحرين سريعًا إلى مرحلة أكثر تقدمًا، حين تشارك مع الولايات المتحدة في إعداد مشروع قرار جديد داخل مجلس الأمن يتعلق بحماية مضيق هرمز وتأمين الملاحة البحرية.  المشروع دعا إلى وقف الاعتداءات الإيرانية الغاشمة ضد السفن التجارية، وإزالة الألغام البحرية، وإنشاء ممرات آمنة للملاحة، ووقف فرض الرسوم غير القانونية على الملاحة، وضمان حرية التجارة الدولية وفق القوانين الدولية. العمل الجماعي هذا التحرك أكد أن البحرين لم تعد تتحرك بمنطق “إدارة الأزمة” فقط، بل أصبحت شريكًا في “صياغة الحلول الدولية”، وهي مرحلة مختلفة تمامًا في العمل الدبلوماسي. وفي هذا السياق، برزت قدرة البحرين على الجمع بين العمل الخليجي الجماعي والتحرك الدولي الواسع، إذ نجحت المملكة في توحيد الموقف الخليجي والعربي خلف مشاريعها، وفي الوقت نفسه حافظت على التنسيق مع القوى الغربية الكبرى، ما منح تحركاتها زخمًا سياسيًا واسعًا. ويرى مراقبون أن أحد أهم أسرار نجاح الدبلوماسية البحرينية يتمثل في قدرتها على بناء “دبلوماسية الثقة”، وهي سياسة تقوم على الهدوء، والوضوح، والالتزام بالتعهدات الدولية، والابتعاد عن التقلبات الحادة في المواقف السياسية. كما أن البحرين استفادت من سجل طويل في دعم الحوار والتعايش والانفتاح، وهو ما عزز صورتها داخل المجتمع الدولي كدولة تميل إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، لا إلى التصعيد والمواجهة. الاستضافات الدولية وخلال السنوات الماضية، استضافت البحرين عشرات المؤتمرات والفعاليات الدولية المرتبطة بالحوار بين الأديان، والتسامح، والتعايش السلمي، ومكافحة التطرف، ما منحها حضورًا ناعمًا ومؤثرًا داخل المؤسسات الدولية، بالتوازي مع حضورها السياسي والاستراتيجي. كذلك، لعب الاستقرار الداخلي دورًا مهمًا في تعزيز مكانة البحرين الخارجية، إذ إن الدول الكبرى والمؤسسات الدولية تنظر دائمًا إلى استقرار الدولة وكفاءة مؤسساتها باعتبارهما عنصرين أساسيين في تقييم قدرتها على لعب أدوار دولية مؤثرة. وفي حالة البحرين، ساهم وضوح القرار السياسي واستمرارية السياسات الخارجية في بناء صورة دولة يمكن الوثوق بها، وقادرة على إدارة الملفات الحساسة بصورة متوازنة. ومع تولي البحرين رئاسة مجلس الأمن الدولي، بدا واضحًا أن المملكة دخلت مرحلة جديدة في تاريخها الدبلوماسي؛ مرحلة لا تكتفي فيها بالحضور داخل المنظمات الدولية، بل تشارك فعليًا في صياغة أجندة الأمن الدولي، وإدارة النقاشات الكبرى، وطرح المبادرات المتعلقة بالاستقرار الإقليمي وحماية الممرات البحرية وخفض التصعيد. هذه المرحلة مثلت تتويجًا لمسار طويل من بناء النفوذ السياسي الهادئ، ورسخت صورة البحرين كدولة قادرة على التحرك بمرونة بين القوى الكبرى، دون أن تفقد هويتها الخليجية أو ثوابتها السياسية. واليوم، ومع قيادتها لمشاريع قرارات أممية تتعلق بأمن الخليج وحرية الملاحة الدولية، تبدو البحرين وقد انتقلت فعليًا من “دبلوماسية التمثيل” إلى “دبلوماسية التأثير وصناعة القرار”، في تحول يعكس حجم التطور الذي شهدته السياسة الخارجية البحرينية خلال العقود الماضية.

Go to News Site