Shafaq News
ما زال المواطن العراقي يصحو كل يوم ليجد أن "حائط بيته" ليس "حايط نصيص" فقط، بل هو واقع جغرافي متاح لكل من هبّ ودبّ. آخر فصول هذه الكوميديا التراجيدية لم تأتِ عبر بيانات استنكارية من وزارة الخارجية، ولا من خلال أجهزة رصد "سيادية" متطورة تنفق عليها المليارات، بل جاءت من حيث لا يحتسب أحد: من عصا راعي أغنام! تخيل المشهد بعين سينمائية غارقة في السخرية السوداء؛ دول العالم العظمى تتسابق لامتلاك منظومات "باتريوت" ورادارات تخترق السحب، بينما في العراق، يكتشف "الراعي" البسيط ما عجزت عنه الرادارات العمياء. التسريبات الأخيرة عن وجود نشاط أو قاعدة إسرائيلية مفترضة تم كشفها "بالصدفة" من قبل رجل يبحث عن مرعى لمواشيه، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع اختراق يضرب عمق السيادة الوطنية، في مفارقة مضحكة مبكية تختصر حالنا اليوم! هذا الراعي، الذي لا يملك سوى فطرة الأرض، صار هو "رادارنا" الوحيد وأجهزتنا الاستخباراتية المتطورة. فبينما ينهمك "قادتنا" في صراعاتهم من اجل تقاسم كعكة المناصب والامتيازات، كان هو يوثق بذهوله الفطري كيف تحولت أراضي العراق إلى ساحة مستباحة، يرتع فيها الغريب دون استئذان. وكأن العراق تحول إلى "خان جغان" يدخل إليه من يشاء، وينصب فيه من القواعد ما يشاء، ويخرج متى يشاء، دون أن يرف جفن لمن يجلسون خلف المكاتب الفخمة. الألم الحقيقي لا يكمن في الاختراق بحد ذاته فقد اعتدنا، للأسف، أن تكون سماؤنا "جادة" مفتوحة للطائرات المجهولة والمسيرة بل في تلك الحقيقة المرة: أننا بتنا دولة تُعرف أسرارها القومية من "تسريب" عابر أو "صدفة" في الصحراء. السيادة التي يتغنى بها الساسة في المحافل الدولية تبدو في الواقع مثل "ثوب مهترئ" مليء بالثقوب، كلما حاولوا رقع جهة فيه، انفتق من جهة أخرى؛ إسرائيل، والقوى الكبرى، واللاعبون الإقليميون؛ الجميع يمارس هواياته العسكرية والاستخباراتية على ارضنا، ونحن نكتفي بدور "المتفرج المصعوق" الذي يصله الخبر متأخراً دائماً او قد لايصله إلى أين وصلنا؟ بغصة نكتب أن العراق الذي كان يُلقب بـ "جمجمة العرب" ومركز القرار، بات اليوم يكتشف خروقاته الكبرى عبر "فيديو مسرب" أو شهادة مواطن بسيط يسرح بغنمه. هذه السخرية القدرية تعكس عمق الفجوة بين "الدولة المتخيلة" في الخطابات الرسمية الرنانة، و"الدولة الواقعية" التي يعبث بأمنها القريب والبعيد دون حسيب. إننا اليوم لا نحتاج إلى صواريخ عابرة للقارات بقدر ما نحتاج إلى "بوصلة" وطنية حقيقية، وإلى كرامة سياسية تمنع تحويل مزارعنا وصحارينا إلى مسارح لعمليات لا نعلم عنها شيئاً إلا بعد فوات الأوان. عذراً للعراق الذي صار أمنه معلقاً بصوت "ناي" في برية مستباحة، بينما من يُفترض أنهم "قادة الوطن" يغطون في سبات عميق.. أو ربما ينتظرون التسريب القادم ليصدروا بيان "استنكار" جديد.
Go to News Site