Collector
من النفط إلى الخوارزميات.. صراع القوى الكبرى على قيادة المستقبل | Collector
من النفط إلى الخوارزميات..  صراع القوى الكبرى على قيادة المستقبل
صحيفة البلاد البحرينية

من النفط إلى الخوارزميات.. صراع القوى الكبرى على قيادة المستقبل

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية ناشئة أو موجة رقمية عابرة بل تحول إلى أحد أكبر محركات الاقتصاد العالمي ومحوررئيسي في إعادة تشكيل موازين القوة الدولية خلال العقود المقبلة وتشير تقديرات حديثة إلى أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمية قد ترتفع من نحو 178 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 3.8 تريليون دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي يتجاوز 40 % في مؤشر يعكس حجم التحول الاقتصادي المرتبط بالخوارزميات والبيانات والتكنولوجيا المتقدمة. وفي ظل هذا النمو المتسارع لم تعد المنافسة الدولية تدور فقط حول تطوير التطبيقات الذكية أو الابتكارات التقنية بل حول من يملك القدرة على السيطرة على البنية الرقمية التي ستقود الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين فمنذ الحرب الباردة أدركت القوى الكبرى أن الهيمنة على التكنولوجيا تعني الهيمنة على النفوذ العالمي وبعد سباقات التسلح النووي وغزو الفضاء انتقلت المنافسة الدولية تدريجيا إلى ميدان أكثر تعقيدا وتأثيرا يتمثل في الذكاء الاصطناعي الذي تحول اليوم من مشروع علمي داخل المختبرات إلى سلاح اقتصادي واستراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ العالمي. فما بدأ في خمسينيات القرن الماضي كمشروع علمي داخل الجامعات ومراكز الأبحاث الأميركية تحول مع تطور الحوسبة والإنترنت والبيانات الضخمة إلى أداة استراتيجية تعيد رسم موازين القوة الاقتصادية والسياسية في العالم ولم يعد التنافس اليوم مقتصرا على تطوير تطبيقات ذكية أو برامج متقدمة بل أصبح صراعا على امتلاك الخوارزميات والرقائق الإلكترونية والبيانات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. وفي ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وصعود شركات التكنولوجيا العملاقة كلاعبين مؤثرين في القرار الاقتصادي والسياسي يبدو العالم أمام مرحلة جديدة من الهيمنة الرقمية حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية للمستقبل بل سلاحا استراتيجيا في معركة السيطرة على المستقبل نفسه. أميركا والصين  تحول الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان رئيس للصراع بين الولايات المتحدة والصين في مواجهة تتجاوز حدود التكنولوجيا نحو إعادة رسم موازين القوة العالمية فالقوتان تدركان أن السيطرة على هذا القطاع لن تمنح تفوقا اقتصاديا فقط بل قدرة على التأثير في التجارة والأمن والإعلام وحتى القرار السياسي الدولي. وتقود الولايات المتحدة هذا السباق عبر شركات عملاقة مثل OpenAI وMicrosoft وGoogle وNvidia التي تمتلك تفوقا واضحا في مجالات الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية والنماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي ولم تخف واشنطن قلقها من صعود الصين في هذا القطاع إذ وصف مستشارون أميركيون الذكاء الاصطناعي بأنه المعركة التكنولوجية الأهم في القرن الحادي والعشرين فيما حذر مسؤولون أميركيون من أن فقدان التفوق في الرقائق المتقدمة قد يهدد الأمن القومي الأميركي.  وفي المقابل تعمل الصين على تسريع خطط الاكتفاء التكنولوجي عبر شركات مثل Huawei وBaidu وAlibaba في محاولة لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الغربية وبناء منظومة رقمية مستقلة وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد دعا مرارا إلى تحقيق الاعتماد الذاتي التكنولوجي معتبرا أن التكنولوجيا أصبحت ساحة رئيسية للمنافسة الدولية. ولم يعد هذا التنافس في الإطار الاقتصادي فقط بل تحول إلى مواجهة جيوسياسية مفتوحة خصوصا بعد القيود الأميركية المشددة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين وتعكس هذه الإجراءات مخاوف واشنطن من فقدان الريادة التكنولوجية في وقت ترى فيه بكين أن كسر الهيمنة الغربية على التكنولوجيا يمثل شرطا أساسيا لتعزيز مكانتها الدولية. وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia جنسن هوانغ إن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل كل صناعة في العالم وهي رؤية تفسر حجم السباق المحموم بين القوى الكبرى للسيطرة على هذه التكنولوجيا فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد على التطبيقات الذكية فقط بل على من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي المقبل ومن ستكون له الكلمة العليا في عصر البيانات والخوارزميات.  تكلفة الهيمنة الرقمية لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع ناشئ في الاقتصاد العالمي بل تحول إلى واحدة من أكثر المعارك كلفة في التاريخ الحديث في سباق يشبه إلى حد كبير سباق التسلح والحرب الفضائية خلال القرن الماضي فالدول والشركات الكبرى لا تتنافس اليوم على تطوير التطبيقات الذكية فقط بل على بناء البنية التحتية القادرة على احتكار مستقبل الاقتصاد الرقمي ويرى محللون أن السباق الحالي على الذكاء الاصطناعي بات يشبه سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة لكن بتأثير اقتصادي أوسع وأكثر عمقا نظرا لارتباطه المباشر بالصناعة والتجارة والطاقة والأسواق المالية. وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به قد يتجاوز تريليون دولار بحلول 2029 في وقت يتوقع أن تتخطى استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى وحدها 700 مليار دولار خلال 2026 وللمقارنة فإن هذا الرقم يقترب من الناتج المحلي الإجمالي لدول صناعية كبرى ما يعكس كيف تحولت التكنولوجيا إلى أحد أكبر ميادين الاستثمار في العالم الحديث. ويعكس هذا التصاعد السريع إدراك القوى الكبرى أن السيطرة على الذكاء الاصطناعي تتطلب إنفاقاً ضخما على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والحوسبة الفائقة.  وفي قلب هذه المعركة تقف الرقائق المتقدمة التي أصبحت المورد الأكثر حساسية في الاقتصاد الرقمي العالمي فشركة Nvidia التي تسيطر على ما يزيد على 80 % من سوق معالجات الذكاء الاصطناعي عالميا تحولت إلى لاعب محوري في هذا السباق بعدما قفزت قيمتها السوقية إلى مستويات تاريخية مدفوعة بالطلب الهائل على شرائحها المستخدمة في تدريب النماذج الذكية كما ارتفعت إيرادات مراكز البيانات لدى الشركة بنسبة تجاوزت 50 % خلال عام واحد في مؤشر على حجم الطلب العالمي المتسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وباتت الرقائق الإلكترونية تعامل اليوم بالأهمية الاستراتيجية نفسها التي كان يحظى بها النفط خلال القرن العشرين باعتبارها المورد الأساسي للصناعات التكنولوجية والعسكرية والاقتصاد الرقمي العالمي. ولا تتوقف التكلفة عند حدود الرقائق فقط إذ تحولت مراكز البيانات العملاقة والحواسيب الفائقة إلى ساحة إنفاق تاريخية في سباق الذكاء الاصطناعي فالتقديرات تشير إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى قد تضخ ما يقارب 700 مليار دولار خلال 2026 على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع توسع غير مسبوق لشركات مثل Microsoft وGoogle وAmazon وMeta في بناء مراكز بيانات ضخمة وحوسبة فائقة لتشغيل النماذج الذكية ويعكس هذا التصاعد الحاد الذي تجاوز 70 % مقارنة بالعام السابق حجم التحول الاقتصادي المرتبط بالخوارزميات والبيانات في الاقتصاد العالمي الجديد كما تشير دراسات حديثة إلى أن تكلفة بناء حاسوب فائق واحد مخصص لتطوير النماذج المتقدمة قد تصل إلى 7 مليارات دولار مع استهلاك كهربائي يعادل احتياجات مئات الآلاف من المنازل ويعكس هذا الاستهلاك الهائل للطاقة حجم التحول الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي إذ بدأت دول وشركات كبرى بإعادة النظر في استراتيجيات الطاقة والبنية التحتية لمواكبة الطلب المتزايد على مراكز الحوسبة العملاقة.   وفي موازاة ذلك لم تعد الحكومات تكتفي بدور المراقب بل تحولت إلى ممول مباشر لمعركة التكنولوجيا فقد أقرت واشنطن قانون الرقائق والعلوم الذي وفر أكثر من 52 مليار دولار لدعم صناعة أشباه الموصلات مع حوافز واستثمارات قد ترفع الكلفة الإجمالية إلى نحو 200 مليار دولار في خطوة تعكس حجم القلق الأميركي من فقدان التفوق التكنولوجي لصالح الصين وفي المقابل تواصل بكين ضخ استثمارات ضخمة لتحقيق الاكتفاء التكنولوجي وتسريع تطوير بنيتها الرقمية المحلية بالتوازي مع سباق عالمي لاستقطاب العقول والخبرات النادرة في مجالات البرمجة والرقائق والهندسة المتقدمة حيث بات المهندسون المتخصصون في الذكاء الاصطناعي من بين الأعلى أجرا في العالم التقني. دور دول مجلس التعاون الخليجي ورغم احتدام الصراع بين الولايات المتحدة والصين على قيادة الذكاء الاصطناعي تسعى دول الخليج إلى تثبيت موقعها كلاعب صاعد في هذا التحول العالمي مستفيدة من قدراتها المالية الضخمة ورغبتها في تنويع اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد التقليدي على النفط فمع تسارع التحول نحو الاقتصاد الرقمي تدرك دول الخليج أن الحفاظ على النفوذ الاقتصادي مستقبلا لن يعتمد فقط على الطاقة بل على امتلاك التكنولوجيا والمعرفة والبنية الرقمية المتقدمة.  وخلال السنوات الأخيرة ضخت دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات استثمارات ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية في إطار سباق إقليمي لبناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا والمعرفة فقد أعلنت السعودية خططا واستثمارات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات ضمن رؤية 2030 لتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي مع استهداف رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 19 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد الحالي كما تسعى المملكة إلى أن تصبح من بين أكبر 15 اقتصادا عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي. أما الإمارات فقد عززت حضورها كمركز إقليمي للتكنولوجيا عبر استثمارات واسعة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية بالتوازي مع مبادرات حكومية تهدف إلى تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والخدمية وتشير تقديرات إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الإماراتي قد تتجاوز 90 مليار دولار بحلول 2030، بما يعادل نحو 14 % من الناتج المحلي الإجمالي. وفي البحرين تتسارع الخطوات نحو تعزيز موقع المملكة في الاقتصاد الرقمي عبر التوسع في الخدمات المالية الرقمية والحوسبة السحابية وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الحكومية والمالية وقد أصبحت البحرين من أبرز مراكز التكنولوجيا المالية في المنطقة مع احتضانها أكثر من 120 شركة متخصصة في قطاع التكنولوجيا المالية إلى جانب إطلاق مصرف البحرين المركزي أول بيئة تنظيمية تجريبية Sandbox للتكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما عزز استقطاب الشركات الناشئة والابتكارات الرقمية كما دعمت استضافة البنية السحابية التابعة لـAmazon Web Services (AWS) موقع المملكة كمركز إقليمي للخدمات الرقمية والحوسبة السحابية. وعلى مستوى المؤشرات الدولية حققت البحرين تقدما لافتا في مجال التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية بعدما جاءت في المركز الثاني إقليميا والـ15 عالميا في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي من بين 197 دولة كما احتلت المركز الخامس عالميا في مؤشر التفاعل الرقمي مع المواطنين بنسبة بلغت 98.3 % كذلك جاءت البحرين في المرتبة 32 عالميا والرابعة عربيا في مؤشر التنافسية الرقمية العالمية لعام 2025 في انعكاس واضح لتطور البنية الرقمية والتشريعية في المملكة. وفي ظل التحولات المتسارعة يبدو أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة تتغير فيها موازين النفوذ الاقتصادي والسياسي بصورة غير مسبوقة فالصراع حول الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منافسة تقنية بل معركة لإعادة تشكيل القوة العالمية في عصر تتحول فيه البيانات والخوارزميات إلى مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن النفط في القرن الماضي. ومع احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين تسعى دول الخليج إلى الانتقال من مرحلة الاقتصاد النفطي إلى اقتصاد الخوارزميات عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية للحفاظ على موقعها داخل النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وفي عالم يتجه سريعا نحو الاقتصاد الرقمي لم تعد الهيمنة تقاس فقط بالموارد الطبيعية بل بالقدرة على إنتاج المعرفة والتحكم بالتكنولوجيا وإذا كان النفط قد صنع القوى الكبرى في القرن العشرين فإن الخوارزميات والرقائق الإلكترونية قد تصنع القوى المهيمنة في القرن الحادي والعشرين.

Go to News Site