صحيفة البلاد البحرينية
لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بالدبابات فقط بل قد تبدأ من مضيق بحري أو ميناء استراتيجي أو اضطراب في طريق تعبر منه تجارة العالم فمن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، كشفت الأزمات الأخيرة أن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة مما كان يعتقد وأن سلاسل التوريد لم تعد مجرد شبكة لنقل السلع بل تحولت إلى أداة نفوذ وصراع في النظام الدولي وبينما تتسابق الدول لحماية موانئها وتأمين طرق تجارتها يبدو أن العالم يدخل تدريجيا مرحلة جديدة تصبح فيها الجغرافيا الاقتصادية جزءا من معادلة القوة العالمية لا مجرد تفصيل تجاري عابر. اقتصاد سريع لكنه هش على مدى عقود بني الاقتصاد العالمي على فكرة أن الانفتاح التجاري وتقليل تكاليف الإنتاج كفيلان بصناعة عالم أكثر استقرارا وترابطا فالشركات الكبرى نقلت مصانعها إلى الدول الأقل تكلفة وأصبحت سلاسل التوريد تمتد عبر قارات متعددة في نموذج اقتصادي اعتمد على السرعة والكفاءة وتقليل النفقات إلى أقصى حد ممكن لكن الأزمات المتلاحقة كشفت أن هذا النموذج رغم نجاحه في تحقيق النمو كان يحمل في داخله قدرا كبيرا من الهشاشة. فمع جائحة كورونا اكتشف العالم أن إغلاق مصنع في آسيا قد يؤدي إلى تعطل خطوط إنتاج كاملة في أوروبا وأمريكا وأن الاقتصاد العالمي أصبح شديد الاعتماد على سلاسل توريد معقدة يصعب التحكم بها وقت الأزمات ثم جاءت الحرب في أوكرانيا واضطرابات البحر الأحمر لتؤكد أن التجارة العالمية لم تعد منفصلة عن التوترات السياسية والجيوسياسية وأن أي اضطراب في الممرات البحرية أو مصادر الطاقة قادر على إرباك الأسواق ورفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة عالميا. هذه التحولات دفعت الدول الكبرى إلى إعادة النظر في فلسفة العولمة التقليدية فلم يعد السؤال الأهم: أين يمكن الإنتاج بتكلفة أقل؟ بل أصبح: كيف يمكن ضمان استمرار الإمدادات وقت الأزمات؟ ومن هنا بدأ العالم يتحول تدريجيا من مفهوم الكفاءة الاقتصادية إلى مفهوم المرونة الاقتصادية حيث أصبحت القدرة على حماية سلاسل التوريد وتأمينها جزءا من الأمن القومي للدول لا مجرد قضية تجارية عابرة. الجغرافيا التي تحكم الاقتصاد العالمي رغم التطور الهائل في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا لا يزال الاقتصاد العالمي يتحرك فعليا عبر البحر فوفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) يتم نقل أكثر من 80 % من حجم التجارة العالمية بحرا فيما تمر مليارات الأطنان من السلع والطاقة سنويا عبر ممرات بحرية محدودة باتت تمثل شرايين حيوية للاقتصاد الدولي كما يعبر نحو ثلث تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز وحده بينما يشكل البحر الأحمر وقناة السويس أحد أهم المسارات التجارية بين آسيا وأوروبا إذ تمر عبرهما نحو 12 % من التجارة العالمية وما يقارب 30 % من حركة الحاويات الدولية ما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات قادرا على إرباك الأسواق ورفع تكاليف الشحن والطاقة عالميا خلال فترة قصيرة. ومن هنا يمكن فهم التحركات التي بدأت منذ سنوات في أكثر من منطقة حول العالم فالهند وقعت في 2024 اتفاقية تمتد لعشر سنوات لتطوير وتشغيل ميناء تشابهار الإيراني مع تعهد باستثمار مباشر يبلغ 120 مليون دولار إضافة إلى خط ائتماني بقيمة 250 مليون دولار بهدف إنشاء ممر تجاري يمنحها الوصول إلى آسيا الوسطى بعيدا عن النفوذ الباكستاني والصيني وفي المقابل ضخت الصين استثمارات ضخمة ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني الذي تقدّر قيمته بنحو 62 مليار دولار ويعد ميناء جوادر أحد أهم أركانه الاستراتيجية لتأمين طرق التجارة والطاقة وربط غرب الصين مباشرة ببحر العرب. وحتى دول الخليج أدركت مبكرا حساسية الاعتماد على مضيق هرمز إذ أنشأت السعودية منذ ثمانينيات القرن الماضي خط الأنابيب شرق ـ غرب الممتد لمسافة تقارب 1200 كيلومتر لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بهدف تقليل الاعتماد على المضيق في أوقات التوترات الإقليمية وتصل الطاقة التشغيلية للخط اليوم إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا وقد برزت أهمية هذا الخط بشكل واضح خلال العدوان الإيراني بعدما عمل بطاقته القصوى لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية وأشارت السعودية في بيان رسمي إلى أن الخط أسهم في تخفيف آثار صدمة الطاقة العالمية ودعم العملاء المتضررين من قيود الشحن عبر مضيق هرمز في خطوة تعكس كيف تحولت البنية التحتية للطاقة إلى جزء أساسي من استراتيجيات الأمن الاقتصادي وحماية الإمدادات العالمية. كما برزت الإمارات خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز اللاعبين العالميين في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية عبر توسع قادته شركة موانئ دبي العالمية (DP World) التي تدير اليوم أكثر من 80 ميناء ومحطة بحرية وبرية عبر أكثر من 75 دولة وتتعامل الشركة مع ما يقارب 10 % من حركة الحاويات عالميا فيما سجلت إيرادات تجاوزت 24 مليار دولار خلال 2025 كما أعلنت عن خطة استثمارية جديدة بقيمة 2.5 مليار دولار لتوسعة بنيتها اللوجستية والمائية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية في مؤشر واضح على أن الموانئ تحولت إلى أدوات نفوذ اقتصادي عالمي تتجاوز دورها التجاري التقليدي. وخلال فترات التوتر الأخيرة في البحر الأحمر اضطرت شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها بعيدا عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 15 يوما وارتفاع كبير في استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل والتأمين البحري كما أشار البنك الدولي إلى أن أزمة البحر الأحمر ساهمت في ارتفاع تكاليف الشحن العالمية بنسبة وصلت إلى 141 % بينما ارتفعت حركة السفن عبر رأس الرجاء الصالح بنحو 50 % مقارنة بالفترات السابقة في مؤشر واضح على مدى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أمن الممرات البحرية. وتزداد حساسية هذه الممرات مع التوترات الإقليمية المتصاعدة خصوصا في منطقة الخليج حيث برز مضيق هرمز مجددا كأحد أخطر نقاط الضغط في الاقتصاد العالمي فإيران استخدمت خلال فترات التصعيد الأخيرة خطاب التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة البحرية في محاولة لرفع كلفة المواجهة السياسية والعسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتثير هذه التحركات قلقا دوليا واسعا نظرا لأن المضيق يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا ما يجعل أي تهديد لأمنه مصدرا مباشرا لاضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميا. من التجارة الحرة إلى التجارة الآمنة اعتمدت العولمة الاقتصادية على مبدأ تكلفة إنتاج أقل وطرق توريد أسرع بغض النظر عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية لكن الأزمات المتلاحقة من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا والتوترات في البحر الأحمر والخليج دفعت الدول الكبرى إلى إعادة النظر في هذا النموذج بعدما اكتشفت أن الاعتماد المفرط على سلاسل توريد بعيدة ومعقدة قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في أوقات الأزمات. ومن هنا بدأ العالم يشهد تحولا تدريجيا من مفهوم التجارة الحرة إلى ما يمكن وصفه بـ التجارة الآمنة حيث لم تعد الشركات والدول تبحث فقط عن المورد الأرخص بل عن المورد الأكثر استقرارا والأقل عرضة للمخاطر السياسية والجيوسياسية فخلال السنوات الأخيرة بدأت الولايات المتحدة وأوروبا والعديد من الاقتصادات الكبرى في إعادة توطين بعض الصناعات الاستراتيجية أو نقلها إلى دول حليفة في محاولة لتقليل الاعتماد على المراكز الصناعية الحساسة خصوصا في آسيا ففي الولايات المتحدة أقر قانون الرقائق والعلوم (CHIPS Act) بقيمة تقارب 52 مليار دولار لدعم صناعة أشباه الموصلات محليًا وتقليل الاعتماد على الإنتاج الآسيوي بينما أطلق الاتحاد الأوروبي خطته الخاصة لتعزيز إنتاج الرقائق بهدف رفع حصته من السوق العالمية إلى 20 % بحلول 2030. كما أعلنت شركات عالمية كبرى مثل أبل وسامسونغ وإنتل عن توسيع استثماراتها الصناعية خارج الصين في وقت أصبحت فيه دول مثل الهند وفيتنام والمكسيك وجهات رئيسية لاستقطاب المصانع وسلاسل التوريد الجديدة ضمن التحول العالمي نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة وأقل تعرضا للصدمات الجيوسياسية. وفي الوقت نفسه تسارعت خطط العديد من الشركات العالمية لتنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على دولة واحدة خاصة بعد الاضطرابات التي أصابت المصانع الصينية خلال جائحة كورونا فالهند على سبيل المثال نجحت خلال السنوات الأخيرة في جذب استثمارات ضخمة في قطاع التصنيع والتكنولوجيا إذ تجاوزت قيمة الاستثمارات المرتبطة بسلاسل توريد الإلكترونيات والهواتف الذكية عشرات المليارات من الدولارات مع توسع شركات كبرى مثل أبل ومورديها في نقل جزء من الإنتاج إليها وتشير تقديرات إلى أن الهند قد تستحوذ خلال السنوات المقبلة على ما يصل إلى 25 % من إنتاج هواتف آيفون عالميا مقارنة بنسبة محدودة جدا قبل سنوات قليلة فقط. كما سجلت فيتنام تدفقات قياسية من الاستثمار الأجنبي المباشر تجاوزت 36 مليار دولار خلال 2024 مدفوعة بانتقال مصانع وشركات عالمية إليها خصوصا في قطاعات الإلكترونيات والتكنولوجيا وفي المكسيك ارتفعت الاستثمارات الصناعية بشكل ملحوظ مع توسع ظاهرة التصنيع القريب (Nearshoring) مستفيدة من قربها الجغرافي من السوق الأمريكية حيث تجاوز حجم الاستثمار الأجنبي المباشر 36 مليار دولار خلال العام الماضي في مؤشر واضح على التحول العالمي نحو بناء سلاسل توريد أكثر مرونة وأقل عرضة للصدمات الجيوسياسية. كما ظهرت مفاهيم اقتصادية جديدة مثل الصداقة الاقتصادية أو ما يعرف بـ (Friendshoring) والتي تقوم على توجيه الاستثمارات وسلاسل التوريد نحو الدول الحليفة سياسيا بدلا من الاعتماد الكامل على الكفاءة الاقتصادية فقط وبرز هذا التوجه بشكل واضح في قطاعات حساسة مثل الرقائق الإلكترونية والطاقة والمعادن النادرة التي أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي والتنافس الدولي. الأمن الاقتصادي في الدراسات الحديثة يبرز مفهوم الأمن الاقتصادي باعتباره مظلة تجمع أمن الطاقة، وسلاسل التوريد والتكنولوجيا، والمعادن الحيوية والأمن السيبراني ولم يعد السؤال المطروح أمام الحكومات كيف نحقق أعلى كفاءة بأقل تكلفة؟ بل كيف نضمن استمرار الإمدادات وقت الأزمات؟ الأخطر أن العولمة نفسها بدأت تتحول إلى أداة ضغط فالدول التي تملك السيطرة على مراكز حساسة في شبكات المال أو التكنولوجيا أو التجارة تستطيع استخدام هذا الموقع لفرض النفوذ أو تعطيل الخصوم ومن هنا لم تعد الموانئ والرقائق والطاقة والمعادن النادرة مجرد قطاعات اقتصادية بل أوراق قوة في الصراع الدولي. لذلك تتجه الدول اليوم إلى سياسة تقليل المخاطر بدل الانفتاح الكامل فهي لا تريد إنهاء العولمة، لكنها تريد عولمة أكثر أمانا تقوم على تنويع الموردين وبناء مخزونات استراتيجية وتوجيه الاستثمارات نحو الحلفاء وتقليل الاعتماد على الدول التي قد تتحول في لحظة أزمة إلى مصدر تهديد. غير أن هذا التحول ليس بلا تكلفة فكلما زادت القيود والتحالفات الاقتصادية الضيقة ارتفعت كلفة التجارة وتراجعت كفاءة الأسواق وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للعالم أن يحمي اقتصاده من الصدمات دون أن يهدم المكاسب التي صنعتها العولمة خلال العقود الماضية؟ في النهاية يبدو أن العالم لا يغادر العولمة بالكامل لكنه يدخل نسخة أكثر حذرا وقلقا منها نسخة يصبح فيها الاقتصاد جزءا من الأمن وتصبح سلاسل التوريد خط دفاع أول في معادلة القوة الدولية. ما يحدث اليوم ليس مجرد اضطرابات تجارية عابرة بل تحول تدريجي في شكل الاقتصاد العالمي نفسه فالعولمة التي قامت على الكفاءة والتكلفة الأقل أصبحت تدار اليوم بمنطق الأمن والمخاطر والنفوذ بعدما تحولت الموانئ والطاقة وسلاسل التوريد إلى أدوات قوة لا تقل أهمية عن الجيوش التقليدية. ومع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الحيوية يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها القدرة على حماية التجارة والطاقة جزءا أساسيا من معادلة القوة الدولية في وقت باتت فيه الجغرافيا الاقتصادية قادرة على تحريك الأسواق بقدر تأثير السياسة نفسها.
Go to News Site