Collector
(مقال).. ليلى قاسم: عروس خانقين وسوسنة الجبل التي هزمت المشنقة | Collector
(مقال).. ليلى قاسم: عروس خانقين وسوسنة الجبل التي هزمت المشنقة
Shafaq News

(مقال).. ليلى قاسم: عروس خانقين وسوسنة الجبل التي هزمت المشنقة

ماجد سوره ميري/ لم تكن ليلى قاسم مجرد رقم عابر في سجل الضحايا، بل كانت فاتحة عصر التحدي الأنثوي في الشرق الأوسط، والصرخة التي دوت من أزقة خانقين لتصل إلى قمم جبال كوردستان. وقفت أمام صلف النظام البعثي وجبروته، حاملة في عينيها حلم شعب وعزيمة أمة، وحين خُيرت بين نكران الذات والبقاء، أو الوفاء والارتقاء، اختارت أن تظل أمينة لنهج الثورة الكوردستانية بزعامة الخالد مصطفى بارزاني، متمسكة بمبادئ النضال القومي والانساني، لتسطر بدمائها أول ملحمة إعدام سياسي لامرأة في المنطقة. جذور من أرض الصمود: ابنة خانقين تنحدر ليلى من عائلة كوردية أصيلة في مدينة خانقين، تلك المدينة التي كانت وما زالت تمثل خاصرة الهوية الكوردية. لم تكن تضحيتها وليدة الصدفة، بل كانت نتاج بيئة شهدت محاربة علنية من الأنظمة المتعاقبة، حيث استُهدف الكورد بشتى الوسائل؛ من الترحيل والتهجير وسلب الجنسية إلى مصادرة الأموال وتغييب الشباب. لقد رأت ليلى في عيون أهليها في خانقين مرارة الاقتلاع من الجذور، فقررت أن يكون جسدها الجسر الذي تعبر عليه تطلعات شعبها نحو الحرية. خيانة التاريخ: من المشنقة إلى "اتفاقية الجزائر" كان إعدام ليلى في عام 1974 نذيرا لليلة الظلم الطويلة التي حيكت خيوطها في أروقة السياسة الدولية؛ فبعد عام واحد فقط من رحيلها، نضجت ثمار المؤامرة الكبرى في 6 آذار 1975، حين وُقعت "اتفاقية الجزائر" المشؤومة بين صدام حسين والشاه محمد رضا بهلوي، بوساطة هواري بومدين وهندسة هنري كيسنجر. تلك الاتفاقية التي طعنت الثورة الكوردية في ظهرها، كانت الضوء الأخضر للنظام ليبدأ حملة تطهير عرقي وهدم للقرى وترحيل لموظفي وعمال خانقين نحو وسط وجنوب العراق، في محاولة يائسة لتغيير ديموغرافية الأرض التي روتها ليلى بدمها. "أي رقيب": نشيد الخلود وزفة السماء في لحظات الارتقاء المهيبة، حيث يرتجف الجلاد وتثبت الضحية، سُئلت ليلى عن طلبها الأخير، فلم تطلب حياة فانية، بل أرادت أن تُبعث للخلود بهويتها الكاملة؛ طلبت أن ترتدي الزي الكوردي الأصيل، وكأنها في طريقها إلى زفة سماوية؛ أرادت أن تقول للعالم إنّ الجسد قد يفنى، لكنّ الرمز القومي باق لا تطاله المشانق. وعندما التفّ حبل الغدر حول عنقها، صدح صوتها بنشيد "أي رقيب"، لتهتزّ جدران السجن برنين الكلمات التي تؤكد أنّ "الشعب الكوردي حي باق لا يقهر". لقد واجهت الموت وهي تغني للوطن، محولة لحظة الإعدام إلى ملحمة قومية خالدة. "لقد قطعتم خصلات شعري، لكنني سأجعل من كل شعرة حبل مشنقة يلتف حول أعناق الطغاة" خانقين اليوم: جرح المادة 140 ونضال الهوية اليوم، وبعد مرور عقود، لا تزال خانقين، مدينة ليلى، تعيش مخاضا عسيرا؛ فبعد أن استبشرت خيرا بالدستور الجديد، وجدت نفسها أسيرة المماطلة في تنفيذ المادة 140؛ هذا التعطيل المتعمد أدى إلى تراجع فضيع في مختلف مجالات الحياة، وحرمان المدينة من استحقاقاتها الطبيعية، وكأن "حبل المشنقة" قد تحول اليوم إلى سياسات تهميش وإقصاء. إن استذكار ليلى قاسم اليوم ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو استنهاض للقيم التي ضحت من أجلها. إنها رسالة لخانقين ولكل مناطق "المادة 140" بأن الحق الذي وراءه تضحية كبرى لا يموت، وأن الإرادة التي لم تكسرها أعواد المشانق في بغداد، لن تكسرها سياسات الإهمال اليوم. سلام على ليلى في ذكراها، وسلام على خانقين التي لم تنحن، وسلام على كل امرأة ما زالت تقاوم القبح بالجمال، والظلم بالثبات، حتى تشرق شمس كوردستان بلا قضبان.

Go to News Site