صحيفة البلاد البحرينية
بلغريف لم يترك بصمته في الإدارة فقط بل ساهم أيضاً في رسم ملامح البحرين الحضرية عبر الحدائق والنوافير والمساحات الخضراء العامة الحدائق المرتبطة باسم السير تشارلز بلغريف كانت جزءًا من مشروع لتحديث البحرين وإبراز صورة عمرانية أكثر تنظيمًا وحداثة نجح بلغريف في المزج بين التخطيط الحضري الحديث والطابع الخليجي المحلي ضمن رؤية عمرانية متكاملة إحياء المسار الحدائقي لبلغريف قد يفتح آفاقًا جديدة للسياحة الثقافية والتراث الحضري في البحرين ساحة الجمارك وحديقة باب البحرين شكّلتا واجهة حضرية عكست بدايات التحول العمراني الحديث في المنامة تتميّز مملك البحرين بثراء تراثها الحضري والثقافي، وتعدّد المسارات التي يمكن من خلالها إعادة قراءة تاريخها الحديث وتحولاتها العمرانية. ومن بين الموضوعات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق، ما يمكن تسميته بـ “المسار الحدائقي لبلغريف”، وهو مسار تاريخي وحضري يرتبط بأعمال السير تشارلز بلغريف Sir Charles Belgrave في تشكيل ملامح الحدائق الحديثة والفضاءات الخضراء العامة في البحرين خلال النصف الأول من القرن العشرين. فعلى الرغم من أن بلغريف يُعرف أساسًا بوصفه مستشارًا لحكام البحرين بين عامي 1926 و1957، وصاحب دور محوري في الإصلاحات الإدارية والتنظيمية، فإن تأثيره في إعادة تشكيل المشهد البيئي والحضري للمنامة ظل من الجوانب الأقل تناولاً في الدراسات التاريخية. فقد ساهم في إدخال مفاهيم جديدة لتنسيق الحدائق، والجماليات الحضرية، واستخدام المساحات الخضراء بوصفها جزءاً من الهوية المدنية الحديثة لل دولة. ومن هنا تبرز أهمية إعادة اكتشاف Belgrave’s Garden Heritage Trail “المسار الحدائقي لبلغريف” بوصفه مشروعاً يمكن تطويره سياحياً وثقافياً ضمن مسارات التراث الحضري في البحرين، حيث يمكن تتبع بصماته عبر مجموعة من المواقع التي ارتبطت باسمه، مثل حديقة القفول المائية، وساحة الجمارك، والحديقة البيضاوية ذات النافورة المركزية، والحدائق المحيطة بـ Bab Al Bahrain، إضافة إلى حدائق المستشارية البريطانية القديمة. ومن خلال دراسة هذه المشاريع يتضح أن بلغريف لم يكن مجرد إداري أو مخطط عمراني، بل كان أيضًا صاحب رؤية جمالية حاول من خلالها ربط الحداثة العمرانية بالعناصر الطبيعية والمائية. وتشير الوثائق التاريخية إلى أنه كان وراء إنشاء أول نافورة حديثة في البحرين ضمن مشروع ساحة الجمارك عام 1937، في خطوة شكّلت تحولاً مهمًّا في مفهوم الفضاء العام، حيث أصبحت الحدائق والنوافير جزءًا من صورة البحرين الحديثة ومن هويتها الحضرية الناشئة. الرؤية الحضرية والاستعمارية لبلغريف عندما وصل Sir Charles Belgrave إلى البحرين عام 1926، كان يحمل معه خبرات اكتسبها من عمله في الإدارة الاستعمارية البريطانية في إفريقيا والشرق الأوسط. فقد عمل في تنجانيقا، كما أمضى فترة في واحة سيوة المصرية، وهي تجارب أثرت في فهمه للعلاقة بين البيئة والتنظيم الحضري. وكان بلغريف ينتمي إلى جيل تأثر بأفكار أوائل القرن العشرين المتعلقة بـ “تجميل المدن” والتخطيط الحضري الحديث، حيث استُخدمت الحدائق والشوارع الواسعة والمساحات الخضراء في أنحاء الإمبراطورية البريطانية كرموز للنظام والتقدم والنظافة والسلطة الإدارية. وفي البحرين، حاول بلغريف تكييف هذه الأفكار مع البيئة الخليجية والطابع المعماري المحلي، فلم يكن هدفه إلغاء الهوية البحرينية، بل دمج الجماليات الخليجية التقليدية مع مفاهيم التخطيط الحضري الحديث. حديقة القفول المائية من أوائل مشاريع بلغريف البيئية تحويل منطقة مستنقعية في القفول إلى حديقة عامة مائية. وقد أشار في مذكراته الشخصية إلى أن المنطقة كانت أرضاً رطبة جرى تنظيمها وتحويلها إلى فضاء عام أخضر. بواكير حديقة القفول ويُعتقد أن هذه المنطقة أصبحت لاحقًا ما يُعرف اليوم بحديقة القصاري في المنامة. وقد مثّل هذا المشروع تحولاً مهمًّا في مفهوم البيئة الحضرية في البحرين، إذ لم تعد المياه والنباتات تُفهم فقط كعناصر زراعية، بل أصبحت أيضًا عناصر جمالية ومدنية. وأظهرت حديقة القفول المائية عدة مبادئ أصبحت لاحقاً جزءاً من التخطيط الحضري الحديث في البحرين، منها: دمج العناصر المائية في الفضاء العام، استخدام المساحات الخضراء لتلطيف البيئة الحضرية، وتحويل الأراضي غير المنظمة إلى حدائق عامة منظمة. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار المشروع من أوائل نماذج الحدائق العامة الحديثة في البحرين. ساحة الجمارك وأول نافورة حديثة في البحرين بلغ مشروع Sir Charles Belgrave لتنسيق الحدائق ذروته الأولى عام 1937 مع إعادة تصميم ساحة الجمارك في قلب المنامة بالقرب من Bab Al Bahrain. ومع توسع الميناء وتطور الحركة التجارية، أصبحت ساحة الجمارك تمثل المدخل الرمزي للبحرين الحديثة، الأمر الذي دفع بلغريف إلى إعادة تشكيلها عمرانيًّا وجماليًّا. حديقة باب البحرين، أول حديقة في البحرين تضم نافورة. وفي هذا المشروع قام بلغريف بإنشاء حديقة بيضاوية الشكل تتوسطها نافورة تُعد، وفقاً للعديد من الروايات التاريخية، أول نافورة حديثة تُشيّد في البحرين ضمن فضاء حضري عام. ولم تكن النافورة مجرد عنصر جمالي، بل شكّلت رمزًا لبداية مرحلة جديدة في تخطيط المدينة، حيث جرى لأول مرة توظيف المياه والعناصر النباتية بصورة منظمة ضمن رؤية حضرية حديثة تجمع بين الجمال والتنظيم المدني. كما هدفت الحديقة إلى تنظيم حركة المرور المتزايدة حول ساحة الجمارك، إلا أن تأثيرها تجاوز الجانب الوظيفي لتصبح علامة بصرية للحداثة في المنامة. فقد أدخل المشروع مفاهيم جديدة على البيئة العمرانية البحرينية، مثل التصميم الهندسي للمساحات الخضراء، واستخدام الشجيرات المزهرة، والعناصر المائية التزيينية بوصفها جزءًا من الهوية المدنية للعاصمة. وكان القادمون إلى البحرين عبر الميناء يشاهدون هذه الحديقة والنافورة بوصفهما أول مشهد حضري حديث يستقبلهم، ما جعلها رمزًا لتحول البحرين من مدينة ساحلية تقليدية إلى عاصمة ذات ملامح عمرانية حديثة تعكس طموحات الدولة الناشئة نحو التنظيم والتحديث. باب البحرين والمنظر الحضري للحداثة بلغت أفكار بلغريف حول الربط بين العمارة والحدائق ذروتها مع إنشاء Bab Al Bahrain عام 1949. فقد صُمم المبنى ليكون مقرًّا حكوميًّا وبوابة رمزية للمدينة الحديثة، ولم يكن مجرد مبنى إداري، بل جزءًا من مشهد حضري متكامل تحيط به الحدائق المنظمة. وقد وصف بلغريف المشروع بأنه “بوابة إلى البحرين الحديثة”، وتشير المصادر التاريخية إلى تأثره النسبي بفكرة Gateway of India، مع الحفاظ على الطابع المعماري الخليجي المحلي. وكانت الحدائق المحيطة بالمبنى جزءًا أساسيًّا من هذه الرؤية، إذ أضفت الأشجار والنوافير والتنظيم الهندسي للمكان شعورًا بالهيبة والنظام والتقدم. حدائق المستشارية والحدائق السكنية انعكس اهتمام بلغريف الشخصي بالحدائق أيضًا في مقر المستشارية، وهو مقر إقامته ومكتبه في المنامة. وتُظهر الصور الملتقطة في خمسينيات القرن العشرين حدائق منظمة تحيط بالمبنى، مع ممرات خضراء ومساحات مفتوحة تطل باتجاه الوكالة البريطانية. وقد عكست هذه الحدائق تقاليد العمارة الاستعمارية البريطانية التي ربطت المباني الإدارية بالنظام البيئي والجمالي. حديقة المستشارية وأصبحت حدائق المستشارية نموذجًا مصغرًا لفلسفة بلغريف البيئية، التي رأت في الحدائق رمزًا للحضارة والنظام والرقي في المدن الحديثة. الحدائق كرمز لبناء البحرين الحديثة لم تكن مشاريع بلغريف الخاصة بالحدائق مجرد أعمال تجميلية، بل كانت جزءًا من مشروع تحديث شامل للبحرين خلال عصر النفط. فمن خلال الحدائق والساحات الخضراء أدخل مفاهيم جديدة تتعلق بـ: النظام المدني، الجمال الحضري، التخطيط البيئي، والهوية البصرية للدولة الحديثة. وأصبحت الحدائق رمزًا للتقدم والاستقرار، كما ساعدت المساحات الخضراء العامة على خلق فضاءات اجتماعية جديدة داخل المدينة الحديثة. والأهم من ذلك أن بلغريف ساهم في تحويل مفهوم المساحات الخضراء في البحرين من فضاءات زراعية خاصة إلى عناصر مدنية عامة مرتبطة بالحداثة والتمثيل الوطني.
Go to News Site