Collector
“إحنا هُمّ وهُمّ إحنا”.. البحرين التي تكتب وحدتها بالمحبة والتعايش | Collector
“إحنا هُمّ وهُمّ إحنا”.. البحرين التي تكتب وحدتها بالمحبة والتعايش
صحيفة البلاد البحرينية

“إحنا هُمّ وهُمّ إحنا”.. البحرين التي تكتب وحدتها بالمحبة والتعايش

يمتلك أهل البحرين عمقا إنسانيا متجذرا في تفاصيل العلاقات اليومية بين أبناء مجتمعهم، إذ تؤسس معنى أوسع عنوانه المحبة والتلاحم الحقيقي، فهذه الأرض التي جمعت أهلها على تاريخ مشترك من الجيرة والاحترام والتواصل، ما تزال تقدم نماذج حيّة تؤكد أن التعايش ليس شعارا موسميا، بل أسلوب حياة متجذرا في الوعي الوطني.  مرآة ناصعة وليس هذا فحسب، بل يظهر ذلك جليا في التواصل اليومي بالمراسلات والخواطر والصور والمقاطع عبر “واتساب”، خصوصا بين النخب المثقفة من كتاب ومؤلفين وإعلاميين ورجال أعمال، بوصفها مرآة ناصعة تعكس جوهر العلاقة البحرينية الأصيلة، حين تتحول الكلمة إلى جسر يوثق المحبة ويصون الذاكرة المشتركة، ويؤكد أن أهل البحرين تجمعهم أسرة واحدة. ومن بين ما اطلعت عليه، تلك الرسائل القصيرة المتبادلة بين الكاتب عبدالنبي الشعلة رئيس مجلس إدارة مؤسسة “البلاد” الإعلامية، وبين عماد المؤيد، التي تعكس تفاعلا مستمرا مع مقالات الشعلة لاسيما التي قرأناها منذ بدء العدوان الإيراني الغاشم،  ومنها مقالات “بين العقيدة والوطن.. أين يقف الشيعي العربي الخليجي اليوم؟”، و “إلى الذين برروا.. أو صمتوا.. أو شمتوا”، وغيرها من مقالات تتناول الشأن الوطني والولاء والانتماء إلى قيادتنا ومملكتنا الغالية وشعبنا. المرحوم سميح بن رجب واختار المؤيد في إحدى رسائله للشعلة خاطرة من أرشيفه كتبها في 15 يونيو من العام 2021، وهي بمثابة نص إنساني مؤثر يجسد قيمة الصداقة الحقيقية والوحدة الاجتماعية التي تتجاوز الفوارق والانتماءات الضيقة، من خلال العلاقة العميقة بين المؤيد وصديقه الراحل سميح بن رجب، رحمه الله. والخاطرة تستحضر الذكريات المشتركة في المآتم والمساجد والمجالس وميادين الرياضة والسفر بعنوان جميل “إحنا هم وهم إحنا” (تقرؤونها نصا في البرواز أسفل التقرير)، فتلك الخاطر تجسد جوهر التعايش والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد فهي ليست مجرد رثاء لصديق، بل شهادة وفاء لعقود من المودة والاحترام والرفقة الصادقة، إذ يبرز الراحل سميح مثالا للثقافة والكرامة وحسن المعشر.  روح حية وفي الواقع، هذا النوع من المراسلات والكتابات والخواطر ما هو إلا “روح حية” كم نحتاجها في هذه الظروف، خصوصا أن المؤيد من الشخصيات البحرينية التي تجمع بين الحضور الاقتصادي والثقافي؛ فهو لا يُعرف فقط كرجل أعمال، بل كشخصية تمتلك اهتماما واسعا بالشأن الفكري والإنساني، وحرصا دائما على متابعة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة والعالم، ويتميّز بثقافة عالية واطلاع مستمر على مجريات الأحداث؛ الأمر الذي يمنحه قدرة لافتة على قراءة المتغيرات برؤية متوازنة تجمع بين الحس الوطني العميق والانتماء القومي العربي، ويمثل كذلك نموذجا لرجل الأعمال الذي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه وأمته، بل يتابعها باهتمام ومسؤولية، مستندا إلى قناعة راسخة بأن قوة الأوطان تبدأ من وعي أبنائها. وهذا هو الإرث الأصيل الذي حملته عائلة المؤيد، كما هو حال كثير من العوائل البحرينية الكريمة، حين تمسكت عبر الأجيال بقيم المحبة والتسامح والتآخي واحترام الجميع، باعتبارها أساس قوة المجتمع البحريني الحقيقي، وروح هويته الجامعة التي حفظت تماسكه ورسخت معاني الأسرة البحرينية الواحدة المتحابة.   “إحنا هُمَّ وهُمَّ إحنا” - الخاطرة بقلم عماد عبدالرحمن المؤيد -   ذهبتُ مرة مع بعض أصدقائي، كعادة كثيرين من أهالي فريج الفاضل وكانو والحطب، إلى مأتم بن رجب أيام عاشوراء، قبل كم سنة. وجلسنا للاستماع لخطبة أحد القراء، وكان عراقيا زائرا، على ما يبدو. جلسنا في ضيافة الأخ سميح بن رجب، وهو طبعا صديقنا. وبعد انتهاء الخطبة، التي كانت رائعة أمانة، كما أذكر، أخذنا سميح للسلام على الخطيب؛ فصافحناه وشكرناه على ما جاء في خطبته، وتبادلنا كلاما طيبا. فقال سميح، مفتعلا الجِد في نبرة كلامه، للشيخ: مولانا، هذولا من “الجماعة إخواننا”، يمكن لو تنطيهم كلمتين، يمكن الله يهديهم! فغضب الشيخ وقال: “هُمَّ إخواننا” يعني شنو؟ ما بيها “هُمَّ وإحنا”، عيني. إحنا هُمَّ وهُمَّ إحنا! فضحك سميح، وتبين للشيخ أنه كان يمزح، وضحكنا كلنا. وبقت كلمته عالقة بذهني حتى اليوم:   إحنا هُمَّ وهُمَّ إحنا! فقد كنا نصلي الجمعة في جامع موضي في عالي مع بعض، عند الشيخ أبوعمر، زياد السعدون، ونذهب في المواسم للمآتم “لنتسمع”، مع بعض. كان سميح من أعز الأصدقاء، عالي الثقافة، فصيح اللسان، سريع البديهة، حسن المعشر، ذا مبادئ سياسية راقية ومشرفة. لم يكن يضايقني منه إلا شيء واحد فقط. شيء واحد ضايقني منه منذ أن عرفته قبل حوالي 40 سنة، وهو أنه كان يلعب “تنس” أحسن مني. لا أدري كيف كان ذلك، فقد كنت أكثر منه لياقة وسرعة وكفاءة في كل اللعب الرياضية، إلا التنس، فقد كان لاعبا متميزا. كم قضينا أوقاتا جميلة في نادي البحرين للتنس، وفي ملعب الحِد، ونادي الخريجين، وسافرنا مع بعض لمشاهدة بطولة التنس العالمية في الدوحة. وكان لنا لقاء أسبوعي في مجلسنا مساء كل يوم ثلاثاء. نجتمع مع بقية رواد المجلس، ونناقش أمور الدنيا كلها، ونحلها جميعها، بمزيج من الجِد والسخرية، مع الشاي والقهوة وخفائف الأكل والعصائر. اختفى عنا، قبل كل ذلك، لبضع سنين، في بغداد، وعاد من بغداد بشريكة حياته، خير ما أنجبت بغداد، أم إبراهيم، وأشرقت وعلياء وصهيب. عاد من بغداد أكثر عروبة وكرامة وثقافة وكبرياء. واعتصرت قلوبنا معا لما حل ببغداد. وصباح يومٍ ما، دخلت عليَّ زوجتي بُعَيدَ الفجر، وأنا ماسك تلفوني، أقرأ فيه رسالة قد وصلتني للتو. رأتني أبكي كالطفل الذي فقد شيئا عزيزا عليه، فسألتني خائفة: من؟ فقلتُ لها بين الدموع والحشرجة: سميحووه. وانفجرت هي الأخرى عويلا ونحيبا. فاتصلتُ بأخيه طالبا موعد الجنازة لأكون معهم، فأخبرني معتذرا، أن ذلك سيكون مقتصرا على أقرب الأهل، وعلينا نحن أصدقائه الاتصال بالتلفون ووسائل التواصل الاجتماعي. فقلت، كيف كذا وهذا سميح، ونحن وأسرة سميح؛ إحنا هُمَّ وهُمَّ إحنا. لكنه لم يفهم قصدي، فقد كان فيه ما يكفيه. رحم الله سميح، وألهمنا، جميعا، الصبر والسلوان لفقده. وإنا لله وإنا إليه راجعون.  صديقه بومحمد 15 يونيو 2021

Go to News Site