Collector
تفكيك هندسة الفساد في المؤسسات العامة | Collector
تفكيك هندسة الفساد في المؤسسات العامة
jo24.net

تفكيك هندسة الفساد في المؤسسات العامة

الفساد في المؤسسات العامة أحد أكثر الظواهر الحديثة تعقيداً، ليس فقط لأنه يستنزف الموارد ويقوض التنمية، بل لأنه يعيد تشكيل علاقة المواطن بالدولة على أسس انعدام الثقة واللامساواة، مما يطرح تساؤلات في هذه الحالة، هل الفساد سلوك اقتصادي فردي تحكمه المصالح والندرة؟ أم هو انحلال أخلاقي تحوّل إلى آفة اجتماعية؟ أم أنه نتيجة لبنية سلطوية مغلقة تُستخدم فيها المؤسسات العامة سلماً للتدرج والنفوذ؟ أم أن انتشار التكتلات الإقليمية والعائلية والعرقية والجندرية داخل هذه المؤسسات هو ما أضعف المساءلة وفتح الباب واسعاً أمام الفساد؟ الحقيقة أن العوامل التي أدت الى الفساد تتشابك ضمن منظومة واحدة تُنتج الفساد وتعيد إنتاجه، حيث يظهر الفساد حين تتوافر ثلاثة شروط احتكار السلطة، وغياب الشفافية، وضعف المساءلة، في هذه البيئة يصبح الفساد قراراً عقلانياً لبعض الأفراد، حيث تكون كلفة المخاطرة أقل من العائد المتوقع، وانخفاض الرواتب، وغياب الحوافز، وتفاوت توزيع الثروة، قد تدفع البعض إلى اعتبار الرشوة أو استغلال النفوذ تعويضاً غير مشروع عن الحرمان الاقتصادي. أما عن الفساد كأزمة أخلاقية وانحلال قيمي، فحين يتآكل مفهوم الخدمة العامة ويتحول المنصب إلى وسيلة للامتياز الشخصي، نكون أمام انحراف معياري يهدد العقد الاجتماعي ذاته، ولا يُنظر إلى المال العام باعتباره مُلكاً جماعياً، بل مورداً متاحاً لمن يمتلك السلطة، والأخطر من ذلك هو "تطبيع الفساد" اجتماعياً، ليصبح السلوك الفاسد مقبولاً أو مبرراً بحجج من قبيل "الجميع يفعل ذلك" أو "النظام بأكمله فاسد"، فيتحول الفساد من ممارسة فردية إلى ثقافة جمعية، ترتقي إلى مستوى الآفة الاجتماعية. وللأسف الشديد تُستخدم المؤسسات العامة بوصفها أدوات لإعادة إنتاج السلطة، وأن التعيينات والترقيات لا تُبنى دائماً على الكفاءة، بل على الولاء السياسي أو الشخصي، ويصبح الموقع الإداري محطة في مسار نفوذ، لا مساحة للخدمة العامة، فتتحول المؤسسة إلى فضاء للمحاصصة وتقاسم الامتيازات، والرقابة الداخلية تُفرغ من مضمونها، لأن العلاقات الشبكية القائمة على المصالح المتبادلة تحمي أطرافها من المساءلة، ويصبح الفساد جزءاً من آلية اشتغال السلطة، لا مجرد خلل عارض فيها. كما أن التكتلات الإقليمية والعرقية والعائلية والجندرية داخل المؤسسات العامة من أخطر العوامل التي تضعف الحوكمة، حين تُبنى شبكات النفوذ على أساس القرابة أو الانتماء الإقليمي أو العرقي أو الجندري، تتراجع معايير الكفاءة لصالح الولاء الضيق، هذا النمط ينتج حصانات غير رسمية، تحمي الجماعة أفرادها بغض النظر عن أدائهم أو نزاهتهم، بدلاً من أن تكون المؤسسة إطاراً جامعاً للمواطنة المتساوية، تتحول إلى ساحة تنافس بين هويات فرعية، النتيجة المباشرة هي تفشي الفساد كآلية لإدارة التوازنات داخل هذه التكتلات. كما الفرق بين محاسبة الفساد في البلدان العربية ونظيراتها الغربية في طبيعة البيئة المؤسسية التي تُدار فيها عملية المساءلة، ففي الدول الغربية، تُبنى مكافحة الفساد على منظومة متكاملة من استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وقوة المجتمع المدني، وفعالية أجهزة الرقابة، إضافة إلى ثقافة قانونية راسخة تجعل المحاسبة ممارسة اعتيادية لا استثنائية، ومعايير الامتثال والحوكمة جزءاً من ثقافة الإدارة العامة والشركات الخاصة على السواء، مدعومة بأنظمة إفصاح مالي صارمة، وآليات رقابة برلمانية فعالة. وبحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية إلى أن الفجوة واضحة في مؤشرات إدراك الفساد بين عدد من الدول العربية ومعظم الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، حيث تعكس اختلافاً في قدرة الأنظمة السياسية على الكشف والمعاقبة، ففي بيئات تتمتع بفصل فعلي للسلطات، يصبح التحقيق مع مسؤول رفيع المستوى إجراءً قانونياً طبيعياً، لا حدثاً سياسياً استثنائياً وفي بعض الحالات سري مثلما يحدث في بعض الدول العربية، والفجوة بين الالتزام الشكلي بالمعايير الدولية لمكافحة الفساد وبين تكييف البنية الداخلية للدولة مع متطلبات الشفافية والمساءلة، وازدواجية النص القانوني وتطبيقه، وتحديات الثقافة الاجتماعية من المجاملة وتضارب المصالح، تعرقل هذه العوامل وغيرها من تطبيق مفهوم النزاهة المؤسسية. وسواء كان الدافع اقتصادياً أو أخلاقياً أو سلطوياً أو هوياتياً، فإن القاسم المشترك لانتشار الفساد هو ضعف المساءلة وغياب الشفافية، وتسيُّس الأجهزة الرقابية، واستخدام القانون بانتقائية، وأن المساءلة الفعّالة لا تعني فقط وجود قوانين، بل استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحماية المُبلغين، وتفعيل دور المجتمع المدني للرقابة، ودون هذه الركائز تظل الإصلاحات شكلية، ومكافحة الفساد لا تبدأ برفع الرواتب، ولا بالاكتفاء بالوعظ الأخلاقي، لأنها ليست جريمة إدارية فقط، إنما تحتاج الى توزيع السلطة والثروة والفرص بعدالة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. .

Go to News Site