صحيفة البلاد البحرينية
في تجربة فنية بصرية وفلسفية آسرة تتجاوز حدود العرض التشكيلي التقليدي، افتتح الفنان التشكيلي السعودي علي شويل معرضه "أنا حي" في صالة ومعرض هند بالمحرق، بحضور مدير الثقافة بهيئة البحرين للثقافة والآثار هدى العلوي، إلى جانب نخبة من الفنانين التشكيليين والنقاد والمهتمين بالفن المفاهيمي وفن التجهيز في الفراغ، في أمسية حملت الكثير من الأسئلة الوجودية حول الحياة والموت والحرية والعلاقة المعقدة بين الإنسان والكائن النبيل الذي ظلّ عبر التاريخ رمزاً للقوة والشهامة: الحصان. ويُعد الفنان علي شويل من الأسماء البارزة في الساحة الفنية الخليجية، حيث عُرف باهتمامه بالتجريب البصري وتقديم أعمال تمزج بين الحس التعبيري والرموز المستمدة من البيئة والذاكرة المحلية. وتميز بأسلوب فني يوظف اللون والخط والعناصر التراثية بطريقة معاصرة، مع ميل واضح إلى التعبير الإنساني والبحث في العلاقة بين الإنسان والمكان. وشارك في عدد من المعارض الفنية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وأسهم في الحراك التشكيلي الخليجي عبر حضوره في الفعاليات والمعارض الجماعية التي جمعت فنانين من مدارس وتجارب متنوعة. كما اتسمت أعماله بالتنوع بين اللوحات ذات الطابع التجريدي والتكوينات التي تستلهم الموروث الشعبي والهوية البصرية للمنطقة. المعرض جاء كتجربة بصرية وفلسفية مفتوحة على التأويل، حيث تنقلت الأعمال بين المنحوتة، واللوحة، والمجسم المفاهيمي، وأعمال التجهيز في الفراغ، لتصوغ حالة متأرجحة بين الحضور والغياب، وبين الجسد الساكن والروح التي ما تزال تتنفس، عبر رمز الحصان الذي شكّل العنصر المحوري في جميع الأعمال. وقال الفنان التشكيلي السعودي علي شويل إن معرض "أنا حي" لا يقوم على تقديم إجابات جاهزة بقدر ما يفتح باب التساؤلات الوجودية أمام المتلقي، موضحاً أن التوتر بين الإدراك البصري والشعور الداخلي هو ما يشكل جوهر التجربة الفنية في المعرض. وأضاف أن المشاهد قد يرى الحصان ساكناً أو غائباً، بينما يشعر في الوقت ذاته بوجود نابض يختبئ تحت هذا السكون، وهنا تحديداً تبدأ العلاقة الحقيقية بين العمل والمتلقي. وأكد أن الأعمال لا تسعى إلى إثبات الحياة بقدر ما تعيد مساءلتها، قائلاً: "أنا لا أسعى لإثبات الحياة بقدر ما أعيد تساؤلها"، في إشارة إلى تلك المنطقة الغامضة بين الحضور والغياب، وبين ما تراه العين وما يشعر به الوجدان. وأوضح أن الحصان بالنسبة له ليس مجرد عنصر جمالي أو تراثي، بل كائن يحمل ذاكرة الإنسان وأسئلته وهشاشته وقوته في آن واحد، لذلك جاء حضوره في المعرض بوصفه رمزاً إنسانياً يتجاوز الشكل إلى المعنى. وأضاف أن استخدام أعمال التجهيز في الفراغ والمجسمات واللوحات جاء بهدف خلق حالة من الاشتباك النفسي والبصري مع المتلقي، بحيث يصبح الزائر جزءاً من العمل لا مجرد مشاهد له. وأشار إلى أن فكرة الرداء الأحمر لم تكن اختياراً جمالياً فقط، بل رمزاً مكثفاً للحياة والألم والنبض والغياب، بينما جاء ظهور جزء من الحصان خارج الغطاء كإشارة إلى أن الكائن لا يزال يقاوم الفناء ويتمسك بفكرة الوجود، حتى وإن بدا ساكناً. وأضاف أن الفن بالنسبة له مساحة للتأمل وإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء والكائنات والحياة نفسها، مؤكداً أن المعرض يحاول أن يخلق حالة شعورية تجعل المتلقي يتوقف أمام العمل ليطرح على نفسه أسئلة ربما لم يفكر بها من قبل. ومن جهته، وصف الفنان التشكيلي حامد البوسطة المعرض بأنه تجربة جريئة واستثنائية تحمل إسقاطات رمزية عميقة، مؤكداً أن الحصان ظلّ عبر التاريخ العربي رمزاً للقوة والانطلاق والكرامة. وقال إن ذكاء الفنان تجلّى في توظيف فن التجهيز في الفراغ بوصفه "هندسة فنية" تصنع الحوار مع المتلقي، لا مجرد عرض بصري صامت. وأضاف أن الستارة الحمراء المستخدمة في العمل بدت وكأنها غطاء لفاجعة، فيما جاء ظهور حافر الحصان خارج الرداء كإشارة ذكية إلى أن الكائن ما يزال يقاوم الحياة، وأن هناك نبضاً خفياً يختبئ تحت هذا السكون. وأوضح أن العمل لا يمنح إجابات مباشرة، بل يطرح أسئلة وجودية حول الرحمة والمصير والحضور الإنساني، وهي المهمة الأهم للفن الحقيقي. أما الفنان إبراهيم الغانم فأكد أن المعرض خلق لديه صدمة بصرية منذ اللحظة الأولى، قائلاً إن المشهد دفعه للتساؤل: "هل الحصان ميت أم حي؟"، قبل أن يكتشف أن التجربة أعمق من ظاهرها، فهي تتناول فلسفة الحياة والموت في آن واحد. وأضاف أن فكرة "التنفس" داخل العمل جعلت الحصان معلقاً في منطقة رمادية بين الحياة وعدمها، وهو ما يجسد روح الفن المفاهيمي الحقيقي. وفي قراءة نقدية عميقة، قالت هدى العلوي إن المعرض يظل مفتوحاً على التأويل، لأن كل زائر يقرأ التجربة من زاوية فهمه الخاصة، مضيفة أن معرض "أنا حي" لا يقدم لوحات للعرض بقدر ما يضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع ذاته. وأضافت "تحت رداء أحمر يضج بالرمزية، يرقد الحصان في حالة برزخيه مذهلة؛ لا هو ساكن تماماً ولا متحرك بالكامل، وكأن الفنان أراد أن يخلق تلك المساحة بين ما يظهر للعلن وما يختبئ في الأعماق. الرداء الأحمر هنا ليس غطاءً، بل نبض مكثف يغلف كائناً يختصر كل معاني الجموح، لكنه يختار أن يكون حاضراً بغيابه، ولا يشي بوجوده سوى ذلك الحافر الذي خرج كدليل مادي يؤكد: " أنا هنا… أنا حي". وتابعت أن التجربة تبلغ ذروتها المفاهيمية حين تتحول "حدوة الحصان" من قطعة حديد صماء إلى أداة رسم وذاكرة بصرية، موضحة أن اللوحة الكبيرة التي أنجزها الحصان بحوافره تحولت إلى لغة قائمة بذاتها، حيث أصبح كل أثر للحافر بمثابة توثيق لصرخة وجودية كتبها الكائن بحركته الغريزية. وأكدت أن الفنان تخلى هنا عن دور الرسام التقليدي ليمنح الحصان فرصة كتابة سيرته الذاتية بالألوان والحركة، معتبرة أن المعرض دعوة للتأمل فيما وراء الرؤية المباشرة، والبحث عن الحياة في أكثر لحظات السكون غموضاً وهيبة. كما عبّر الفنان التشكيلي عيسى النعيمي عن دهشته من الطرح البصري والفلسفي الذي حمله المعرض، مؤكداً أن حضور الخيل بهذه الكثافة الرمزية والوجدانية شكّل بالنسبة له مفاجأة فنية غير متوقعة. وقال إن المعرض لم يكن مجرد تجربة مشاهدة، بل حالة شعورية دفعت المتلقي للتأمل العميق في العلاقة بين الكائن والحياة والحرية. وأضاف أن الأعمال حملت طاقة بصرية وإنسانية ملهمة، خصوصاً في كيفية توظيف الحصان كرمز يتجاوز الشكل التقليدي إلى أبعاد أكثر فلسفية وروحية، مشيراً إلى أن هذه التجربة ستترك أثراً مهماً على الكثير من الفنانين، ومن بينهم هو شخصياً، إذ ألهمته في التفكير بمشاريعه وأعماله القادمة من زاوية أكثر جرأة وعمقاً في الطرح الفني والمفاهيمي. بدوره، أكد الفنان علي المحميد أن استضافة الفنان التشكيلي السعودي علي شويل تأتي ضمن رؤية الجاليري في احتضان التجارب الخليجية النوعية التي تمتلك خطاباً بصرياً وفلسفياً مختلفاً، مشيراً إلى أن الفنان يُعد من الأسماء الفنية السعودية التي استطاعت أن تقدم تجربة خاصة قائمة على الطرح المفاهيمي والاشتغال على الرمز والدهشة البصرية. وأوضح أن علي شويل يمتلك لغة فنية تنطلق من الحس الإنساني والبعد التأملي، حيث يشتغل على الفكرة بعمق قبل الشكل، ويقدم أعمالاً تفتح باب الحوار والتساؤل أمام المتلقي، وهو ما يجعل تجربته متفردة داخل المشهد التشكيلي الخليجي المعاصر. وأضاف أن معرض "أنا حي" يمثل تجربة استثنائية تتجاوز حدود الشكل إلى فضاءات الفكر والوعي، إذ استطاع الفنان عبر أعماله أن يحول الحصان من مجرد رمز بصري إلى حالة فلسفية وإنسانية تتناول الحرية، والهشاشة، والحضور، والموت، مؤكداً أن هذا النوع من المعارض يرسخ حضور الفن الخليجي بوصفه فناً قادراً على إنتاج الأسئلة الكبرى، لا الاكتفاء بالجماليات البصرية فقط. وأشار علي المحميد إلى أن المعرض مستمر في هند جاليري حتى تاريخ 14 مايو، داعياً الجمهور والمهتمين بالفن التشكيلي والفن المفاهيمي إلى زيارة المعرض وخوض هذه التجربة البصرية والفكرية المختلفة التي تفتح المجال أمام قراءات وتأويلات متعددة. وفي إضافة نقدية لافتة، قدّم عبدالرحمن الباكر، المدير التنفيذي لمركز الخدمات الإعلامية، قراءة مختلفة للتجربة، قائلاً إن المعرض "فكرة إبداعية جميلة وغريبة في آنٍ واحد"، موضحاً أن استخدام حوافر الخيل في تشكيل اللوحات يعيد استحضار أثر الحركة في الطبيعة، وكيف تتحول الخطوات إلى علامات بصرية عابرة على رمال الصحراء، تترك جمالها ثم تتلاشى بفعل الزمن والعوامل البيئية. وأضاف أن هذه الفكرة تفتح أفقاً تأملياً حول العلاقة بين الفن والزوال، بين الأثر وما يختفي، وكأن العمل يلتقط لحظة الحياة قبل أن تنطفئ، ويحوّل الفناء نفسه إلى جزء من جماليات التجربة.
Go to News Site