jo24.net
كتب زياد ابحيص - وافقت الذكرى العبرية لاحتلال القدس لهذا العام يوم الجمعة 15-5-2026، ورغم أن هذه ليست المرة الأولى لمثل هذا التقاطع، إلا أن سلطات الاحتلال بالتكامل مع منظمات الهيكل رأت فيه هذه المرة فرصة لفرض سوابق جديدة في الأقصى وفي مدينة القدس ضمن حرب التصفية التي تخوضها على كل الجبهات؛ أغرتها بذلك نتائج إغلاق الأقصى مدة أربعين يوماً شملت منع 5 جُمعٍ متتالية ومنع صلاة التراويح لعشرين يوماً ومنع الاعتكاف طوال شهر رمضان بما في ذلك ليلة السابع والعشرين منه، ومنع صلاة عيد الفطر، وكلها سوابق تحصل في المسجد الأقصى لأول مرة منذ احتلاله عام 1967. أولاً: رغم أن المعتاد عند أي تقاطع للمناسبات مع يوم الجمعة هو تنظيم "اقتحام تعويضي" يوم الخميس، لاستحالة تأمين أي اقتحام أمام كثافة الحضور الإسلامي للأقصى الجمعة، ولما يمكن أن يكون لأي صدام من نتائج بعيدة الأثر؛ فقد طالبت منظمات الهيكل بفرض الاقتحام الجمعة، وتعاون معها في ذلك عدد من الساسة الصهاينة فوقّعوا عريضتين للمطالبة بفرض الاقتحام الجمعة، الأولى لـ13 سياسي يوم 3-5-2026 والثانية من 22 سياسي يوم 11-5-2026، 19 منهم من حزب الليكود الحاكم بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو ما يشير إلى تنسيق معه في محاولة فرض هذه السابقة التاريخية في الاعتداء على الأقصى. ثانياً: شهد يوم الخميس 14-5-2026 اقتحام المسجد الأقصى صباحاً وظهراً، ومسيرة الأعلام مساء، في "احتفال تعويضي" عن الجمعة. شارك في الاقتحام 1,412 مستوطناً، وهو عدد مخالف للمسار التصاعدي المعتاد لأعداد المقتحمين، إذ كانوا 2,092 مقتحماً في 2025، وكانوا 1,601 في 2024، وهو ما يؤشر لعدم اعتراف منظمات الهيكل وجمهورها بـ "الاقتحام التعويضي"، واستمرار تحريضهم على الاقتحام الأساسي الجمعة، وهي حالة متكررة مع كل اقتحام تعويضي، إذ تتمسك منظمات الهيكل كعادتها بسقوف العدوان الأعلى. ثالثاً: مهدت شرطة الاحتلال للاستفراد التام للمستوطنين بالأقصى بمنع الدخول للمصلين دون الـ60 من الرجال، ودون الـ50 من النساء، باستثناء عدد من طلاب المدرسة الشرعية في الأقصى لوجود اختبارات نهائية لديهم، وقد اعتدت على الرجال والنساء بالدفع والضرب والملاحقة، كما منعت دخول البلدة القديمة للفلسطينيين إلا لسكانها المثبّت سكنهم على بطاقاتهم التعريفية، ولم يتجاوز عدد المصلين في المسجد طوال فترة الصباح 150 مصلياً، بينما كان المقتحمون في الساعة الأولى وحدها 200 مستوطناً. خلال الاقتحام منعت شرطة الاحتلال المصلين من البقاء في الساحات، وأجبرتهم وموظفي الأوقاف على دخول المباني المسقوفة، بحيث خلت ساحات المسجد للمقتحمين بالكامل، ولم يكن هناك أي توثيق مصور للاقتحام سوى ما نشرته منظمات الهيكل للاستعراض، ما يعني استمرار التعتيم الإعلامي التام على المسجد الأقصى، وهو التعتيم المفروض منذ شهر 9-2025، والمستمر في الاشتداد مع حظر المنصات المقدسية الكبرى. رابعاً: شهد هذا الاقتحام رفع الأعلام الصهيونية بالعشرات، ورفع العلم الصهيوني فوق مبنى باب الرحمة، وأداء الطقوس الاحتفالية الغنائية في حلقات جماعية، وعقد "حلقة دراسية" توراتية قادها الحاخام يهودا جليك، وأداء "السجود الملحمي" الجماعي بالانبطاح الكامل على الوجه، وتركز ذلك كله في الساحة الشرقية للأقصى التي يستمر المقتحمون -برعاية شرطة الاحتلال- في تكريسها وكأنها كنيسهم غير المُعلن في الأقصى، وقد قاد تلك الاقتحامات إلى جانب جليك الحاخام إلياهو ويبر والحاخام إليشع وولفسون من "مدرسة جبل الهيكل" الدينية. خامساً: شارك في الاقتحام وزيران من حزب "القوة اليهودية" هما إسحاق فاسرلاوف وزير النقب والجليل، وإيتمار بن غفير وزير الأمن، كما شارك فيه اثنان من أعضاء الكنيست هما يتسحاق كرويزر من حزب "القوة اليهودية" الذي يقوده بن غفير، وأرييل كيلنر من حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو. لم يترك إيتمار بن جفير شكلاً من أشكال عدوان المستوطنين لم يشارك فيه خلال اقتحامه، فشاركهم الغناء والرقص، ورفع العلم الإسرائيلي أمام قبة الصخرة، بعد أن كانت شرطة الاحتلال تمنع رفعه، ليغير بذلك مهمتها إلى رعاية رفع العلم الإسرائيلي في الأقصى، كما شارك عضو الكنيست يتسحاق كرويزر في طقس "السجود الملحمي" مع أبنائه ووالده الحاخام يهودا كرويزر، أحد رفاق الحاخام الهالك مائير كاهانا. سادساً: مساء شارك آلاف الصهاينة في مسيرة الأعلام التي انطلقت من محيط "حديقة الاستقلال" المقامة على أنقاض مقبرة مأمن الله الإسلامية، وجالت المسيرة حول الأبواب الغربية ثم الشمالية للبلدة القديمة، قبل أن تتوقف في ساحة باب العَمود وتقتحم البلدة القديمة، حيث تجلى استعراض "السيادة الإسرائيلية" المزعومة بالأعلام والاعتداء بالشتم والضرب وتخريب الممتلكات والمحال على المقدسيين، وبرايات الهيكل ويافطات كتب عليها "سنقيم هيكلنا مكان مسجدكم"، إضافة إلى عبارات عنصرية كثيرة مثل "الموت للعرب" و"لتحترق قريتكم"، في استعراض يجسد ما في الأيديولوجيا الصهيونية من انحطاط وعداء لكل قيمة إنسانية. سابعاً: في صباح يوم الجمعة 15-5، وتحت حراسة شرطة الاحتلال، أقام آلاف المستوطنين طقوساً احتفالية في ساحة الإمام الغزالي المقابلة لباب الأسباط في السور الشمالي للمسجد الأقصى من الخارج، وهذه المرة الأولى التي تقام فيها مثل هذه الطقوس في يوم الجمعة منذ احتلال الأقصى عام 1967. وقد بدأت الطقوس في ساحة الإمام الغزالي أول مرة في شهر 12-2017 في "عيد الأنوار (الحانوكاه)"، رداً على اتخاذ المقدسيين لها مركزاً لهبة باب الأسباط في شهر 7-2017، ثم أخذت تتكرس كأحد مراكز الطقوس التوراتية حول الأقصى، وبدأت تقام فيها طقوس غنائية كهذه ليلاً مع مطلع كل شهرٍ عبري بدءاً من شهر 1-2023. أدى المستوطنون كذلك طقوساً احتفالية غنائية كذلك في في باب القطانين وشارع الواد وأمام باب الملك فيصل وفي عين سلوان، وتجول الآلاف منهم في البلدة القديمة على أمل أن تلوح لهم فرصة لاقتحام الأقصى، وجددوا اعتداءهم على المقدسيين ومحالهم في شارع الواد وعقبة درويش، وتدخلت شرطة الاحتلال فاعتقلت تسعة من المقدسيين المُعتدى عليهم. ورغم هذه المسيرات العدوانية، ورغم إغلاق شرطة الاحتلال لبابَي الأسباط والملك فيصل شمالاً أمام المصلين، فقد تمكن 75 ألفاً منهم من الوصول إلى الأقصى وأداء صلاة الجمعة فيه، وبقيت أعداد كبيرة منهم في المسجد حتى صلاة المغرب، وهو ما أسهم في عدم توفير أي فرصة لتمرير اقتحام الجمعة. في المحصلة، شكل هذا العدوان ذروةً جديدة في مسار فرض الوقائع التدريجية في المسجد الأقصى ومحيطه، وكشفت وقائعه أن الاحتلال ما زال مضطراً ليأخذ في اعتباره تعقيدات أعداد المرابطين وتداعيات الاصطدام بهم، لكنه ما زال يجرب ويستكشف إمكانية تحييد هذه التعقيدات، وهو ما يمكن أن يُغريه بالمضي نحو تحركات حاسمة تمس بهوية المسجد الأقصى إذا ما استمرت تجاربه المتتالية بلا ردِّ حقيقي، وهو ما يفرض على الأمة بأسرها تجديد معادلة الردع، وفرض ثمنٍ لهذه الاعتداءات قبل أن تنتقل نحو الحسم –لا سمح الله- بقضم أجزاء من المسجد وتغيير بنيته عمرانياً. .
Go to News Site