صحيفة البلاد البحرينية
يتجه اسم جون تيرنوس أخيرًا إلى الواجهة، بعد سنوات طويلة قضاها بعيدًا عن الأضواء داخل أبل، حيث عمل بهدوء في قلب واحدة من أهم فرقها الهندسية. ومع اقتراب شهر سبتمبر، يستعد تيرنوس لتولي منصب الرئيس التنفيذي خلفًا لتيم كوك، الذي نجح خلال 15 عامًا في تحويل الشركة إلى عملاق تقني بقيمة سوقية بلغت نحو 4 تريليونات دولار، مواصلًا المسيرة بعد رحيل المؤسس الشريك ستيف جوبز. رغم خبرته العميقة داخل الشركة، فإن المرحلة المقبلة ستفرض على تيرنوس تحديات تتجاوز نطاق تخصصه التقليدي في هندسة الأجهزة. فإلى جانب ضرورة الحفاظ على تنافسية آبل في سباق الذكاء الاصطناعي، سيكون عليه التعامل مع ملفات معقدة تتعلق بسلاسل التوريد والعلاقات السياسية، لا سيما مع شخصيات مؤثرة مثل Donald Trump، الذي لم يخفِ إشادته العلنية بسلفه. ومن المنتظر أن يظل كوك حاضرًا في المشهد من موقعه الجديد كرئيس تنفيذي لمجلس الإدارة، حيث يُرجّح أن يواصل لعب دور في الحفاظ على توازن العلاقات الحساسة التي بنتها الشركة خلال السنوات الماضية. يبلغ تيرنوس من العمر 50 عامًا، وقد أمضى نحو ربع قرن داخل آبل منذ انضمامه إليها في عام 2001. وخلال السنوات الخمس الأخيرة، أشرف على تطوير البنية الهندسية لأهم منتجات الشركة، من آيفون إلى آيباد وماك، ما جعله خيارًا طبيعيًا لخلافة كوك، الذي وصفه عند إعلان التعيين بأنه “الشخص الأنسب لقيادة آبل نحو المستقبل”. ساهم تيرنوس في تطوير عدد من أبرز منتجات الشركة، مثل Apple Watch وAirPods وApple Vision Pro، كما كان له دور في مشروع MacBook Neo، الذي يُنظر إليه كأحد أكثر ابتكارات آبل جرأة في السنوات الأخيرة. ويرى محللون أن خبرته الطويلة تحت قيادة كوك ستسهم في ضمان انتقال سلس في الإدارة، مع توقعات بعدم حدوث تغييرات جذرية فورية في استراتيجية الشركة. وجاء توقيت الإعلان عن هذا التغيير بعناية، عقب احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس آبل، وقبل انعقاد مؤتمر المطورين السنوي في يونيو، وهو حدث يُنتظر أن تتضح خلاله ملامح المرحلة الجديدة. لكن هذا الانتقال القيادي يأتي أيضًا في لحظة دقيقة، إذ تواجه آبل ضغوطًا متزايدة بسبب تأخرها النسبي في سباق الذكاء الاصطناعي، بعد تعثرها في تقديم مزايا كانت قد وعدت بها قبل نحو عامين. ويُنظر إلى التحدي الأكبر أمام تيرنوس على أنه القدرة على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية عبر واجهات جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي. الأنظار ستتجه نحو استراتيجيته في هذا المجال، خصوصًا بعد لجوء آبل مؤخرًا إلى التعاون مع Google لتحسين قدرات مساعدها الصوتي “سيري”، في خطوة تعكس حجم التحدي الذي تواجهه. ويبقى السؤال مفتوحًا حول مدى اعتماد الشركة مستقبلًا على تطوير تقنياتها الخاصة، مقابل الاستفادة من منصات ونماذج شركات أخرى. وقد عكست تحركات السوق بعض القلق، إذ تراجعت أسهم آبل بأكثر من 2 % عقب الإعلان، في إشارة إلى شكوك لدى بعض المستثمرين حول مدى جاهزية تيرنوس لقيادة الشركة في مرحلة تتطلب خبرات أوسع من مجرد تطوير الأجهزة. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن خلفيته في هندسة المنتجات قد تكون عنصر قوة، خاصة في ظل التحول الكبير الذي يشهده القطاع منذ إطلاق أول آيفون في عام 2007، حيث تتجه الأنظار نحو ابتكار أجهزة جديدة مصممة خصيصًا لعصر الذكاء الاصطناعي، وربما قادرة مستقبلاً على إزاحة آيفون من صدارة مبيعات الشركة. في المقابل، تتحرك أطراف أخرى في الاتجاه ذاته، من بينها المصمم السابق في آبل Jony Ive، الذي يعمل على تطوير أجهزة مدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد استحواذ OpenAI على شركته الناشئة. ولا تقتصر التحديات على الجانب التقني، إذ تواجه آبل أيضًا بيئة اقتصادية مضطربة، تتداخل فيها الأزمات الجيوسياسية مع اضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب اعتمادها الكبير على الصين في التصنيع، وهو ملف قد يفرض إعادة تقييم في المرحلة المقبلة. إلى جانب ذلك، سيتطلب منصب الرئيس التنفيذي مهارات قيادية وشخصية، خصوصًا في بناء العلاقات مع صناع القرار. وقد نجح كوك سابقًا في إدارة علاقة مع ترامب خلال فترات التوتر التجاري، وهو ما أشار إليه الأخير مؤخرًا، مستعيدًا بداية تلك العلاقة التي انطلقت من اتصال هاتفي لحل أزمة كبيرة. بعيدًا عن الأضواء، لا يُعد تيرنوس شخصية معروفة خارج أروقة آبل. فقد بدأ مسيرته كمهندس ميكانيكي، وتخرج في جامعة بنسلفانيا عام 1997، حيث عمل خلال دراسته على مشروع لتطوير ذراع ميكانيكية تساعد المصابين بالشلل الرباعي، يتم التحكم بها عبر حركة الرأس. وفي خطاب ألقاه عام 2024، استعاد تيرنوس بداياته داخل آبل، معترفًا بأنه شعر حينها بعدم اليقين حول مكانه، قبل أن يتعلم درسًا مهنيًا مهمًا: أن يثق بقدراته، دون أن يفترض امتلاك كل المعرفة. واليوم، وهو على أعتاب أهم منصب في مسيرته، عبّر عن امتنانه لهذه الخطوة، مؤكدًا عزمه على قيادة الشركة وفق القيم والرؤية التي شكّلت هويتها على مدى نصف قرن. ويرى محللون في وول ستريت أن تعيين تيرنوس قد يشكل دفعة جديدة لثقة المستثمرين، إذ يعكس هذا القرار استمرار تركيز آبل على المنتج كقلب استراتيجيتها، مع توقعات بأن يقود هذا التوجه إلى إعادة تنشيط طموحات الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي. في أكثر من مناسبة، تحدث تيرنوس عن أحد أبرز عوامل قوة آبل، وهو اعتمادها المتزايد على تطوير تقنياتها داخليًا بدل الاعتماد على أطراف خارجية، مؤكدًا أن هذا التوجه كان من أهم التحولات التي شهدتها منتجات الشركة خلال العقدين الماضيين. وأوضح أن هذا النهج منح آبل القدرة على دفع حدود الابتكار، معربًا عن حماسه لما تعمل عليه الشركة حاليًا وما تخطط لتقديمه مستقبلًا، في ظل ما وصفه بفرص واسعة لا تزال أمامها. بدأ تيرنوس مسيرته في آبل عام 2001، وعمل تحت قيادة كل من كوك والمؤسس الراحل Steve Jobs، وهو ما منحه فهمًا عميقًا لكيفية تطور الشركة عبر مراحلها المختلفة. لكن رغم هذا التاريخ الطويل، يواجه اليوم ضغوطًا حقيقية لإثبات قدرة آبل على تقديم “الابتكار الكبير التالي” في عهده، سواء عبر الهواتف القابلة للطي، أو النظارات الذكية، أو تقنيات الذكاء الاصطناعي التي لم تحقق فيها الشركة حتى الآن اختراقًا واضحًا مقارنة بمنافسيها. ورغم أن اسم تيرنوس قد لا يكون مألوفًا لدى العامة بالقدر نفسه الذي كان عليه كوك عند توليه المنصب قبل 15 عامًا، إلا أن التوقعات تشير إلى أنه سيصبح سريعًا وجهًا معروفًا في عالم التقنية. ويعتقد بعض رواد الأعمال أن توقيت تعيينه يعكس احتياج آبل لشخصية ذات خلفية قوية في الأجهزة، في وقت يتصاعد فيه دور الذكاء الاصطناعي وتسعى فيه الشركة إلى تعزيز موقعها في السوق. خلال السنوات الماضية، ترك تيرنوس بصمته ودوره المحوري في رسم ملامح خط إنتاج الشركة. وفي مقابلات سابقة، أشار إلى أن التحول نحو تصميم الشرائح داخليًا كان نقطة مفصلية، خاصة في أجهزة ماك التي انتقلت من الاعتماد على معالجات خارجية إلى تطوير تقنياتها الخاصة، ما أتاح للشركة تحكمًا أكبر في الأداء والتصميم. كما استحضر نجاح منتجات مثل AirPods، معتبرًا أنها غيّرت طريقة استخدام الناس لسماعات الأذن بفضل التقنيات التي طورتها آبل بنفسها. ويؤكد تيرنوس أن الابتكار داخل آبل لا يتوقف، بل يقوم على تطوير مستمر يشمل المواد والتصميم والهندسة الإلكترونية، مشددًا على أن الشركة تسعى دائمًا إلى تحسين كل منتج على حدة، دون الاكتفاء بما تحقق. وحتى عند تقديم منتجات بأسعار أقل، مثل MacBook Neo، أشار إلى أن آبل لم تتنازل عن معايير الجودة، بل حاولت تقديم تجربة متكاملة بسعر أكثر تنافسية. ويرى أن ما يتم تطويره اليوم في بعض المنتجات سينعكس لاحقًا على بقية أجهزة الشركة، في إطار رؤية تعتمد على توظيف التقنيات الأساسية وتحسينها باستمرار. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة لآبل مفتوحة على احتمالات عديدة، يقودها رجل نشأ داخلها ويعرف تفاصيلها، لكنه مطالب اليوم بإثبات قدرته على رسم فصل جديد في تاريخها. وُلدت ملامح مسيرة تيرنوس المهنية منذ تخرجه في جامعة بنسلفانيا عام 1997 بشهادة في الهندسة الميكانيكية، حيث جمع بين دراسته ونشاطه الرياضي ضمن فريق السباحة الجامعي. بعد ذلك، عمل في شركة Virtual Research المتخصصة في تقنيات الواقع الافتراضي، قبل أن ينضم إلى آبل عام 2001 كمهندس في فريق التصميم. وقد استعاد تيرنوس في خطاب ألقاه عام 2024 بداياته داخل الشركة، واصفًا يومه الأول بأنه كان مزيجًا من الحماس والرهبة، مشيرًا إلى أنه لم يكن واثقًا تمامًا من مكانه بين زملائه، لكنه تعلّم مع الوقت أهمية طلب المساعدة والتطور المستمر. كان أول مشروع له في آبل تطوير شاشة مكتبية بلاستيكية تُعرف باسم “Cinema Display”، وهو مشروع تطلّب دقة عالية في التفاصيل الهندسية، قبل أن تتحول الشركة لاحقًا إلى استخدام الألمنيوم في تصميماتها. وبحلول عام 2013، أصبح تيرنوس نائبًا لرئيس هندسة الأجهزة، حيث قاد تطوير خطوط رئيسية مثل Mac وiPad، ثم تولى الإشراف على iPhone، قبل أن يُرقّى إلى منصب نائب الرئيس الأول في 2021، بعد انتقال المسؤول السابق دان ريتشيو للعمل على مشروع Apple Vision Pro. وخلال السنوات الخمس الأخيرة، كان لتيرنوس دور بارز في الإشراف على تصميم وأداء عدد من منتجات آبل، إلى جانب مساهمته في برنامج تطوير معالجات Apple Silicon، الذي يمثل أحد أهم تحولات الشركة بعد تقليل اعتمادها على Intel. كما أصبح وجهًا مألوفًا لجمهور آبل من خلال مشاركاته في مؤتمرات إطلاق المنتجات من مقر الشركة في كوبرتينو، حيث قدّم في العام الماضي هاتف iPhone Air. وفي تعليقه على تعيينه، عبّر تيرنوس عن امتنانه لمسيرته داخل الشركة، مشيرًا إلى أنه كان محظوظًا بالعمل تحت قيادة مؤسسها Steve Jobs، والاستفادة من خبرة كوك كمرشد له. وأكد ثقته بالمستقبل، قائلاً إنه متفائل بما يمكن أن تحققه الشركة في السنوات المقبلة، خاصة مع وجود كفاءات استثنائية تعمل بروح تتجاوز حدود الفرد نحو هدف أكبر. * المصادر: Usatoday Apnews Cnbc
Go to News Site