jo24.net
كتب - خارج النص- كتب حلمي الأسمر لو لم يحدث طوفان الأقصى، لربما استيقظ العالم اليوم على شرق أوسط مختلف تماماً، وعلى عالم يمضي بهدوء نحو ترتيبات كبرى تُرسم بعيداً عن فلسطين وبعيداً عن العرب وبعيداً عن ضمير الإنسانية. لو لم يحدث الطوفان، لكانت القضية الفلسطينية قد وُضعت نهائياً في الهامش، ولأصبحت غزة مجرد ملف إنساني يُدار بالمساعدات، لا قضية تحرر وطني تهز العالم وتعيد تعريف معنى العدالة والحرية. لو لم يحدث الطوفان، لاستمر قطار التطبيع الإقليمي في التسارع، ولتقدّم مشروع "الشرق الأوسط الجديد" باعتبار إسرائيل مركزه الأمني والتكنولوجي والاقتصادي، بينما تُطلب من الشعوب العربية مهمة واحدة فقط: التكيّف مع الأمر الواقع. لو لم يحدث الطوفان، لكانت إسرائيل قد واصلت ترسيخ صورتها بوصفها قوة لا تُقهر، ولكان كثيرون قد صدّقوا أن التفوق العسكري والتكنولوجي قادر على حسم التاريخ وإخضاع الشعوب إلى الأبد. لو لم يحدث الطوفان، لربما اكتملت ترتيبات دولية وإقليمية كبرى تتقاسم فيها القوى العظمى مناطق النفوذ، فيما تُطوى فلسطين بهدوء من جدول الأعمال العالمي، وتُختزل حقوق شعب كامل في تحسينات اقتصادية ومشاريع إدارة أزمة. لكن الطوفان حدث. وفي لحظة واحدة عاد اسم فلسطين إلى مركز الضمير العالمي، واهتزت صورة القوة المطلقة، وتكشفت هشاشة كثير من المسلمات السياسية والأمنية والأخلاقية التي حكمت العالم لعقود. لقد أجبر الطوفان العالم على إعادة طرح أسئلة كبرى: ما معنى العدالة؟ ما حدود القوة؟ ما قيمة القانون الدولي؟ ومن يملك الحق في كتابة الرواية التاريخية؟ ولو لم يحدث الطوفان، لربما تأخر هذا السؤال سنوات طويلة. أما وقد حدث، فإن التاريخ قد دخل بالفعل مساراً جديداً، قد لا تتضح نتائجه كاملة إلا بعد سنوات، لكنه غيّر شيئاً جوهرياً في وعي الشعوب وفي نظرة العالم إلى فلسطين وإلى نفسه. ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط: ماذا كان سيكون شكل العالم لو لم يحدث الطوفان؟ بل: كم حقيقة كانت ستظل نائمة لو لم توقظها غزة بدمها وصمودها وتضحياتها؟ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. .
Go to News Site