صحيفة البلاد البحرينية
تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية (shaima.hussain@albiladpress.com) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب. ومعنا في زاوية اليوم المحامي تقي حسين: س: ما حدود مسؤولية ولي الأمر عن أفعال القُصّر غير المشروعة؟ يُثير الحكم الصادر عن محكمة العدالة الإصلاحية في واقعة إدانة ثلاثة من الجانحين بأعمال عنف وتخريب، وربط ذلك بضعف رقابة ولي الأمر، تساؤلًا قانونيًا بالغ الأهمية: إلى أي مدى تمتد مسؤولية ولي الأمر عن أفعال القُصّر؟ وهل يمكن أن يتحول ضعف الرقابة إلى أساس للمساءلة؟ من حيث الأصل، يقوم القانون الجنائي على مبدأ شخصية المسؤولية، أي أن كل شخص يُسأل عن فعله هو، ولا تمتد المسؤولية إلى غيره، وبناءً عليه، فإن القاصر - وإن كان دون سن المسؤولية الكاملة - يظل هو الفاعل الأصلي للفعل المُجرَّم، وتُطبق عليه التدابير المقررة في قانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة، وهي تدابير يغلب عليها الطابع الإصلاحي والتقويمي أكثر من كونها عقابية بحتة. علمًا بأن هذا المبدأ لا يحجب جانبًا آخر من المسؤولية، يتمثل في الدور المفترض لولي الأمر؛ فالقانون لا يُجرِّم “ضعف الرقابة” بذاته كجريمة مستقلة في الغالب، لكنه قد ينظر إليه كعنصر كاشف عن تقصير في واجب الرعاية والتوجيه، وهنا يبرز التمييز الدقيق بين المسؤولية الجنائية - وهي شخصية لا تنتقل - والمسؤولية المدنية، التي قد تمتد إلى ولي الأمر في حالات معينة. فعلى صعيد المسؤولية المدنية، يُقرّ الفقه والقضاء بإمكان مساءلة ولي الأمر عن الأضرار التي يُحدثها القاصر للغير، متى ثبت أن الضرر وقع نتيجة تقصير في الرقابة أو الإشراف، وتستند هذه المسؤولية إلى فكرة “الخطأ المفترض في الرقابة”، إذ يُفترض أن الولي قد أخلّ بواجب المتابعة، ما لم يثبت عكس ذلك، وبالتالي، قد يُلزم بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن أفعال القاصر، حتى إن لم يكن شريكًا في الفعل الجنائي ذاته. أما من الناحية الجنائية، فإن مساءلة ولي الأمر تظل استثنائية ومقيدة، ولا تقوم إلا إذا اقترنت بارتكاب فعل مُجرَّم مستقل، كالإهمال الجسيم الذي يرقى إلى مستوى التعريض للخطر، أو إذا ثبت الاشتراك أو التحريض، وبغير ذلك، فإن مجرد “ضعف الرقابة” لا يكفي وحده لقيام مسؤولية جنائية. ويكشف هذا الطرح عن معادلة دقيقة يحاول القانون تحقيقها؛ فمن جهة، لا يجوز تحميل ولي الأمر وزر أفعال لم يرتكبها، ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال دوره المحوري في التنشئة والوقاية من الانحراف، لذلك تأتي التشريعات الحديثة - خصوصا في مجال عدالة الأحداث - لتؤكد الشراكة بين الأسرة والدولة، بحيث لا تكون المساءلة هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الحماية والإصلاح. خلاصة القول، إن “ضعف الرقابة” لا يُعد جريمة قائمة بذاتها في معظم الأحوال، لكنه قد يشكل أساسًا للمساءلة المدنية، ومؤشرًا تُبنى عليه تدابير إصلاحية موجهة للأسرة قبل القاصر، ويبقى التساؤل مفتوحًا: أيكفي الإطار القانوني الحالي لضبط هذه العلاقة، أم أننا بحاجة إلى أدوات تشريعية أكثر وضوحًا توازن بين حماية المجتمع وصون كيان الأسرة؟
Go to News Site