صحيفة البلاد البحرينية
أولا: توظيف الثغرات الدستورية في إدارة الحرب قانون صلاحيات الحرب للعام 1973 (War Powers Resolution)، ينص على أن الرئيس يجب أن ينهي أي عمل عسكري خلال 60 يوما من بدئه. النص واضح من حيث الشكل، لكنه غامض في تعريف مصطلحات مثل “الأعمال العدائية” (hostilities) و “العمليات المستمرة” (ongoing operations). منذ إقرار هذا القانون، دأبت الإدارات المتعاقبة، على ابتكار تفسيرات لغوية وقانونية مرنة لتجاوز قيد الـ 60 يوما، وأصبح يواجه تحديا غير مسبوق في ظل إدارة الرئيس ترامب في حربه مع إيران بمنظومة متكاملة من التكتيكات القانونية التي تهدف إلى تعطيل آلية هذا القانون والالتفاف عليه. الإشكال الدستوري، أن كل رئيس أمريكي منذ إقرار هذا القانون اعتبر مهلة الـ 60 يوما غير دستورية، ويستند البيت الأبيض إلى المادة الثانية من الدستور الأمريكي التي تجعل الرئيس “القائد الأعلى للقوات المسلحة “. هذا التفسير يرى أن صلاحيات الرئيس الدستورية تعلو على أي قيود يفرضها الكونغرس هذا القانون، وهذا الصراع بين النص التشريعي والتفسير الدستوري لم يُحسم قضائيا أبدا، مما خلق فراغا قانونيا استغلته الإدارات المتعاقبة. فإذا حاول الكونغرس مقاضاة ترامب، يمكن للرئيس أن يطلب من المحكمة العليا إعلان أن قانون 1973 غير دستوري بالكامل. ومع وجود قضاة محافظين في المحكمة العليا (بما في ذلك ثلاثة عينهم ترامب نفسه)، فإن هذا الخيار ليس مستحيلا. خلال الحرب الحالية على إيران، استخدمت إدارة ترامب حجة أن الرئيس يمتلك “سلطة دستورية” لاتخاذ إجراءات عسكرية لحماية المصالح الوطنية الأمريكية دون موافقة سابقة من الكونغرس، خصوصا في مواجهة تهديدات وشيكة. ثانيا: التكتيكات القانونية لإدارة ترامب في 30 أبريل 2026، وقبل يوم واحد من انتهاء مهلة الـ 60 يوما المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب، أرسل الرئيس دونالد ترامب رسالة رسمية إلى الكونغرس أعلن فيها أن “الأعمال العدائية مع إيران قد انتهت (the Iran war has terminated)، وأنه “لم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران منذ 7 أبريل 2026”. هذا الإعلان، يمثل نموذجا لتكتيك قانوني جديد يعيد تعريف مفهوم “الحرب” لأغراض قانونية. هذه الورقة، تقدم تحليلا للإجابة عن سؤال مركزي: ما هي التكتيكات القانونية التي تستخدمها إدارة ترامب لاستمرار العمليات العسكرية ضد إيران على رغم انتهاء المهلة القانونية؟ في البعد القانوني: تقوم إدارة ترامب باستخدام العديد من التكتيكات القانونية لاستمرار إدارتها للحرب مع إيران، ومن بين هذه التكتيكات: 1. الإعلان الأحادي بانتهاء “الأعمال العدائية”، 2. تفعيل نظرية “النزاع المسلح المستمر”، 3. استغلال ثغرة “العمليات المتقطعة”، 4. الدمج بين تفويض 2001 لمكافحة الإرهاب وحجة الدفاع الجماعي عن إسرائيل، 5. تحييد الكونغرس عبر السوابق التاريخية والانقسامات الحزبية، 6. التضليل السياسي والدبلوماسي كأحد الأدوات المركزية في التكتيك الحربي الشامل. التكتيك الأول: الإعلان الأحادي بانتهاء “الأعمال العدائية” وإعادة تشغيل الساعة في 30 أبريل 2026 أعلنت الإدارة رسميا أن الحرب قد “انتهت” لأغراض قانون صلاحيات الحرب، هذا الإعلان يحقق ثلاثة أهداف قانونية: أولا: يعفي الإدارة من الحاجة إلى الحصول على تفويض من الكونغرس؛ لأنه لا حاجة لتفويض لمواصلة حرب “انتهت”. ثانيا: يُنشئ سابقة لإعادة تشغيل ساعة الـ 60 يوما من الصفر إذا استؤنف القتال. ثالثا: يحول النقاش القانوني من “هل انتهت المهلة؟” إلى “من يملك سلطة تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي؟”. فالبادي من هذا الإعلان هو الالتفاف على “قانون صلاحيات الحرب”، ويشير إلى أن العمليات الجارية هي “اشتباكات غير معلنة” متقطعة لا تتطلب موافقة الكونغرس، أو أنها مبررة كدفاع عن النفس ضد “عدوان طهران”، ويظهر التلاعب بتعريف “وقف إطلاق النار” وقفا “وهميا” أو جزئيا كأداة قانونية لإغلاق ملفات اشتباك محددة، مما يشرعن “الوضع الرمادي” الذي يتيح له ضرب أهداف إيرانية عند الحاجة دون الدخول في حالة حرب شاملة. إلا أن الإشكال القانوني الذي يواجه هذا الإعلان هو استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية الذي يعتبره القانون الدولي عملا حربيا، هذا التناقض بين الإعلان والواقع يخلق إشكالا قانونيا وفق القانون الدولي. التكتيك الثاني: نظرية “النزاع المسلح المستمر“ (Continuous Armed Conflict) في مذكرة رسمية صادرة عن المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية ريد روبنشتاين في 21 أبريل 2026، قُدمت نظرية قانونية جديدة: إن “عملية Epic Fury هي فقط أحدث جولة في نزاع مسلح مستمر مع إيران دام سنوات”. الابتكار القانوني في هذه النظرية: • تجاوز شرط الهجوم المسلح: لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إثبات أن إيران شنت “هجوما مسلحا” لبدء الحرب؛ لأن النزاع كان مستمرا أصلا. • تجاوز إعادة تقييم الضرورة والتناسب: زعمت المذكرة أنه “لا يوجد مطلب في القانون الدولي بإعادة تقييم مبدأي الضرورة والتناسب في سياق نزاع مسلح مستمر”. • تعطيل قانون صلاحيات الحرب: إذا كان النزاع مستمرا سنوات، فما معنى تطبيق مهلة الـ 60 يوما على “جولة” محددة منه؟ إلا أن هذه المذكرة، ووجهت بانتقادات قانونية حادة لقلة تأصيلها القانوني ولخلطها بين فروع القانون الدولي (قواعد اللجوء إلى الحرب: تحدد متى يحق للدولة استخدام القوة قانونيا، وقواعد الحرب: تحدد كيفية إدارة النزاع بعد بدئه)، وتمثل نهجا خطيرا في تفسير قواعد اللجوء إلى الحرب، حيث يمكن لأي دولة أن تعلن أن نزاعا قديما ما يزال مستمرا لتبرير عمليات عسكرية جديدة دون الحاجة إلى إثبات هجوم وشيك أو حتى ضرورة وتناسب. التكتيك الثالث: ثغرة “العمليات المتقطعة”.. إعادة تعريف “الاستمرارية” تستغل الإدارة الغموض في تعريف مصطلح “العمليات المستمرة” في قانون 1973. الحجة المستخدمة هي أن مهلة الـ 60 يوما تنطبق فقط على “العمليات العسكرية المستمرة”، وليس على الاشتباكات المتقطعة. ومع وجود وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أبريل، فإن “الساعة” يمكن أن تتوقف وتُعاد مع كل توقف للقتال. وهناك سوابق تاريخية؛ إذ تم استخدام هذا التفسير لتبرير معركة مقديشو (1993)، وحرب كوسوفو (1999) في عهد بيل كلينتون التي استمرت 78 يوما، والتدخل في ليبيا (2011) في عهد باراك أوباما الذي تجاوز 60 يوما ولم يُعتبر خرقا للقانون. الجدير بالذكر هنا، أنه عندما حاول أعضاء في الكونغرس مقاضاة بعض الرؤساء، ورفضت المحاكم التدخل استنادا إلى مبدأ “المسألة السياسية”، معتبرة أن النزاع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية خارج اختصاص القضاء، مما منح البيت الأبيض غطاء للاستمرار. ومن هنا فإنه مع وجود فجوة استمرت 23 يوما دون تبادل لإطلاق النار (من 7 أبريل إلى 30 أبريل)، تستطيع إدارة ترامب القول إن “الاستمرارية” قد انقطعت، وبالتالي فإن مهلة الـ 60 يوما لم تنتهِ أصلا، ويبدو أن ترامب يحاول وقف عقارب الـ 60 يوما، كما استخدم الرئيس ريغان تكتيك “القوة السريعة والساحقة” على جزيرة “غرينادا” في 1983، وأبلغ الكونغرس بالقانون، لكنه أنهى العملية قبل أن يتمكن المشرعون من مناقشة مهلة الـ 60 يوما أو اتخاذ أي إجراء. التكتيك الرابع: الدمج بين تفويض 2001 والدفاع الجماعي عن إسرائيل تحاول إدارة ترامب الدمج بين القانون المحلي والدولي، وفق ما جاء بمضمون مذكرة المستشار القانوني روبنشتاين في محاولة جريئة لإعادة تعريف الحدود القانونية لاستخدام القوة، سواء على المستوى المحلي (من خلال تجاوز قانون صلاحيات الحرب) أو الدولي (من خلال نظرية “النزاع المسلح المستمر”) لتوفير غطاء للحرب: أولا: تفويض استخدام القوة العسكرية للعام 2001 (AUMF): صدر هذا التفويض بعد هجمات 11 سبتمبر، ومنح الرئيس سلطة استخدام القوة ضد “الأمم أو المنظمات أو الأشخاص الذين خططوا أو نفذوا أو ساعدوا في الهجمات الإرهابية”. تستخدم إدارة ترامب حجة مثيرة للجدل مفادها أن إيران تُعتبر “المقر الرئيس لتنظيم القاعدة”، وبالتالي فإن تفويض 2001 يغطي العمليات ضدها. ثانيا: الدفاع الجماعي عن إسرائيل بموجب المادة 51 من ميثاق “الأمم المتحدة”: تزعم الإدارة أن الولايات المتحدة تشارك في الحرب بناء على طلب إسرائيل وفي إطار الدفاع الجماعي عنها، بالإضافة إلى حق الولايات المتحدة في الدفاع عن النفس. الحقيقة أن هذا التكتيك يمنح ترامب غطاء قانونيا مزدوجا - محليا (AUMF) ودوليا (المادة 51) - مما يجعل الطعن في شرعية الحرب أكثر صعوبة على جبهتين في وقت واحد. التكتيك الخامس: تحييد الكونغرس من خلال تحويل النقاش القانوني إلى نقاش سياسي هذا التكتيك ليس قانونيا، لكنه مهم لفهم كيفية بقاء التكتيكات الأخرى بلا عقاب، ويعتمد على عنصرين: أولا: السوابق التاريخية: يمكن لترامب أن يقدم قائمة بكل الرؤساء السابقين الذين فعلوا الشيء نفسه (ريغان، بوش الأب، بوش الابن، كلينتون، أوباما)، ويقول إن المحاكم وجدت صعوبة في إدانته لفعل ما فعله أسلافه من كلا الحزبين. ثانيا: الانقسامات الحزبية: النمط السياسي واضح: حزب الرئيس يتجاهل المسألة، بينما يتهمه خصومه بتجاوز القانون. هذا يحول النقاش القانوني إلى نقاش سياسي، مما يشل قدرة الكونغرس على اتخاذ إجراءات حاسمة مثل قطع التمويل أو تقديم الرئيس للمساءلة. التكتيك السادس: التضليل السياسي والدبلوماسي كأحد الأدوات المركزية في التكتيك الحربي بين التضليل والقانون علاقة تكاملية، التضليل هو من أتاح فرصة تطبيق الثغرات القانونية؛ فكيف يُطلب من الكونغرس تطبيق مهلة الـ 60 يوما بينما الرئيس يعلن مرارا وتكرارا أن الحرب قد “انتهت فعلا وتم حسمها”؟ المعلومات المتضاربة تجعل من المستحيل تقريبا على المؤسسات تحديد اللحظة الصفرية للحرب أو لحظة انتهائها، مما يعوق أي تحدٍ قانوني جاد. في كل خطاب، يخلق ترامب واقعا “شبه قانوني”؛ قانونيا الحرب منتهية، ولكن عسكريا الحصار والحشود مستمرة، وهذا الفضاء الرمادي هو بالضبط الملاذ الذي هربت إليه الإدارة لتجنب المساءلة، فضلا عن استخدام هذا التضليل كأداة فعالة تهدف إلى تحقيق هدفين متزامنين: طمأنة الداخل الأمريكي، وإرباك حسابات الخصوم في الخارج. والجانب الآخر، مهاجمة وسائل الإعلام وحلفاء الداخل وهو تكتيك سياسي وقانوني يهدف إلى تخفيف الضغط الداخلي على إدارة ترامب؛ بتقديم تحذيرات شديدة اللهجة وتوجيه اتهامات بالخيانة لوسائل الإعلام التي تنتقد استراتيجيته تجاه إيران. ثالثا: التداعيات على القانون الدستوري والقانون الدولي 1 - على المستوى الدستوري الأمريكي إذا نجحت هذه التكتيكات، فإن أي رئيس في المستقبل سيكون قادرا على: • شن حرب واسعة دون تفويض من الكونغرس • الإعلان أحاديا عن “انتهاء” الحرب لتجنب المهلة القانونية • تقسيم الحرب إلى “فصول” متقطعة كل منها أقل من 60 يوما • الاستناد إلى تفويض 2001 لتبرير عمليات في أي دولة. 2 - على المستوى الدولي نظرية “النزاع المسلح المستمر” تشكل تهديدا خطيرا للقانون الدولي. إذا تبنته دول أخرى، فسوف يؤدي إلى: • تجاوز شرط الهجوم المسلح في ميثاق “الأمم المتحدة” • تجاهل مبدأي الضرورة والتناسب في القانون الإنساني الدولي • تحويل النزاعات إلى حروب دائمة بلا بداية ولا نهاية قانونية واضحة يستطيع ترامب بسهولة الاستناد إلى السوابق القضائية والسياسية لتبرير استمرار الحرب على إيران، مستخدما ثغرة “العمليات المتقطعة” وحجة أن القانون “غير دستوري”، بينما يظل الكونغرس عاجزا عن فرض التفسير الحرفي للقانون بسبب الانقسامات الحزبية والسوابق الراسخة. ما يميز هذه الإدارة هو الجمع المنهجي بين تكتيكات مختلفة تعمل معا لتعطيل قانون صلاحيات الحرب واستمرار إدارته للحرب مستغلا الثغرات القانونية والدستورية، وبدعم مذكرة المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية ريد روبنشتاين، التي تحفظ عليها أكثر من 100 خبير بالقانون الدولي.
Go to News Site