صحيفة البلاد البحرينية
فيصل الدوسري: قطاع العقار يأتي في أعلـى قائمة الأولويات أحمد القطري: الإنفاق تحول من الاستهلاك الواسع إلى تأمين الأساسيات بمطالعة بضع تقارير اقتصادية أو دراسات تبحث في الإنفاق الأسري بدول مجلس التعاون الخليج، سنجد أن هذا الإنفاق ما زال يشكل أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد، إذ يمثل الاستهلاك الخاص في بعض الاقتصادات الخليجية ما بين 35 % إلى 50 % من الناتج المحلي الإجمالي، لكن طبيعة هذا الإنفاق تشهد تغيرًا تدريجيًّا. في البحرين، كما في بقية الخليج، تستحوذ بنود السكن والغذاء والتعليم والخدمات الأساسية على الحصة الأكبر من ميزانية الأسرة، بينما تتراجع نسبيًّا بعض النفقات المرتبطة بالكماليات أو المشتريات الاندفاعية لدى شرائح متزايدة، فلم تعد التحولات التي تشهدها الأسرة البحرينية والخليجية في أولويات الإنفاق مجرد انطباعات اجتماعية، بل باتت مدعومة بمؤشرات اقتصادية تعكس تغيرًا واضحًا في طريقة إدارة الدخل والالتزامات. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة عالميًّا وتغير أنماط الاستهلاك، بدأت الأسر الخليجية، ومنها البحرينية، تعيد ترتيب أولوياتها بصورة أكثر واقعية، بحيث تتقدم الاحتياجات الأساسية والاستقرار المالي على كثير من النفقات غير الضرورية، وفي هذه السطور سنقترب ما أمكن من المشهد: كيف أعادت المتغيرات الاقتصادية تشكيل سلوك الأسرة البحرينية والخليجية؟ فيصل الدوسري: العقار.. أولوية نطرح سؤالًا: ”إلى أي مدى تهتم الأسر البحرينية والخليجية بالعروض العقارية لشراء أو بناء بيت العمر؟ أو حتى في مجال الاستثمار؟”، هنا، يشرح المستشار العقاري فيصل الدوسري أن أولويات الأسرة البحرينية والخليجية في قطاع العقار شهدت تحولًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد قرار شراء الأرض أو المنزل أو حتى الاستثمار العقاري قائمًا فقط على الرغبة الاجتماعية أو فكرة امتلاك العقار بأي ثمن، بل أصبح أكثر ارتباطًا بالتخطيط المالي طويل المدى، وجودة القرار، والقدرة على تحقيق الاستقرار أو بناء أصل حقيقي يخدم مستقبل الأسرة. استقرار أم عبء؟ كذلك، يقال أن العقار ظل تاريخيًّا أحد أهم رموز الأمان لدى الأسرة الخليجية، لكن المتغيرات الاقتصادية، وارتفاع أسعار بعض الأصول، وتكاليف التمويل، دفعت كثيرًا من الأسر إلى إعادة تقييم أولوياتها بين السكن الفوري، وشراء أرض للمستقبل، أو التوجه نحو استثمار عقاري مدروس يحقق عائدًا مستدامًا، وهنا يلفت الدوسري إلى أن الوعي المالي بدأ يدفع الأسر للتفكير في السؤال الأهم: ”هل هذا القرار العقاري سيحقق استقرارًا أم سيصبح عبئًا طويل الأجل؟”. ويرى أن بعض الأسر كانت سابقًا تنجرف نحو قرارات عقارية مدفوعة بالعاطفة أو المقارنات الاجتماعية، مثل شراء منزل أكبر من القدرة الفعلية أو التوسع في التزامات تمويلية ترهق الميزانية، بينما أصبحت شريحة متزايدة اليوم أكثر اهتمامًا بمفاهيم مثل الموقع الاستراتيجي، وقيمة الأصل، والمرونة التمويلية، والعائد الاستثماري، وتوازن القرار مع باقي الالتزامات الأسرية كالتعليم والطوارئ والادخار. الاستثمار الذكي ويضيف.. أن شراء المنزل لم يعد دائمًا الخيار الأول للجميع، إذ باتت بعض الأسر الشابة تفضّل أحيانًا البدء بأرض مستقبلية، أو وحدات أصغر قابلة للنمو، أو استثمارات عقارية مدرة للدخل قبل التوسع السكني الكبير، وهو ما يعكس انتقالًا من ثقافة “التملك السريع” إلى “الاستثمار الذكي”، مشددًا على أن العقار الناجح ليس مجرد صفقة، بل جزء من الخطة المالية للأسرة، مؤكدًا أن القرار العقاري السليم يجب أن يُبنى على دراسة الدخل، والالتزامات، ومراحل الحياة، لا على ضغط المجتمع أو الانبهار بالمظاهر. وختم بأن الأسرة البحرينية والخليجية اليوم أصبحت أكثر نضجًا في هذا الملف، لأن العقار لم يعد فقط عنوان استقرار، بل أداة استراتيجية لبناء الثروة وحماية المستقبل إذا أُحسن اختياره. هيكلة الإنفاق وتقليل الديون وإذا اعتبرنا بعض المؤشرات التي تقول إن ما بين 20 % إلى 30 % من دخل بعض الأسر الخليجية قد يذهب إلى الالتزامات التمويلية والقروض الشخصية وبطاقات الائتمان، فهذا أمر أدى إلى إعادة هيكلة الإنفاق والتركيز على تقليل الديون الاستهلاكية، كما أن نسب الادخار الأسري لا تزال أقل من المعدلات المأمولة مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة، رغم تحسن الوعي تدريجيًا، خصوصًا بين الأجيال الشابة. ومن اللافت أن نمو المدفوعات الرقمية في الخليج، الذي ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ساهم في تسهيل الإنفاق، لكنه في الوقت ذاته زاد الحاجة إلى الانضباط المالي، فسهولة الدفع الإلكتروني قد تقلل الإحساس الفوري بحجم المصروفات مقارنة بالدفع النقدي التقليدي. القطري: إعادة ترتيب المصروفات ويتطرق المستشار المالي الأسري أحمد القطري إلى أن أولويات الإنفاق لدى كثير من الأسر في البحرين شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة فرضتها المتغيرات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الوعي بأهمية الإدارة المالية الأكثر انضباطًا، فالأسرة البحرينية والخليجية باتت اليوم أكثر ميلاً إلى إعادة ترتيب مصروفاتها وفق قاعدة “الاحتياجات” أولًا ثم “الكماليات”. ويوضح القطري أن الإنفاق لم يعد يتركز كما كان سابقًا على الاستهلاك الواسع أو المظاهر الاجتماعية بنفس الدرجة، بل أصبح هناك اهتمام أكبر بتأمين الأساسيات مثل السكن، والتعليم، والرعاية الصحية، والالتزامات التمويلية، إلى جانب تنامي التفكير في الادخار الاحتياطي لمواجهة الظروف الطارئة، والكثير من الأسر أصبحت أكثر حرصًا عند اتخاذ قرارات الشراء، سواء فيما يتعلق بالسلع اليومية أو المناسبات الموسمية، مع توجه متزايد نحو المقارنة بين الأسعار، والاستفادة من العروض، والبحث عن بدائل أكثر كفاءة. التكيف مع المتغيرات في المناسبات الدينية والاجتماعية، ومنها الأعياد، يرى القطري أن غالب الأسر ما زالت تحتفظ بمكانتها الخاصة في المجتمع البحريني، لكن طريقة الإنفاق خلالها أصبحت لدى شريحة واسعة أكثر توازنًا، بحيث يجري الحفاظ على البعد الاجتماعي والفرح الأسري دون الوقوع في ضغوط مالية غير مدروسة. وتتمثل أبرز التغيرات الإيجابية في اتساع الوعي بأهمية الثقافة المالية داخل الأسرة، بما يشمل إشراك الأبناء في فهم مفاهيم الترشيد والادخار والتخطيط، ويؤكد القطري على أن الاستقرار المالي لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الدخل، بل بكفاءة إدارته، ولهذا فالأسرة البحرينية أثبتت قدرة ملحوظة على التكيف مع المتغيرات، وأن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تعزيز ثقافة التخطيط المالي الذكي، لأن نجاح الأسرة اقتصاديًا لا يعني تقليص جودة الحياة، بل تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وأمان المستقبل. صناديق الطوارئ برزت مؤشرات إيجابية، منها تزايد الاهتمام بصناديق الطوارئ الأسرية، والتأمين، والاستثمار الشخصي، والتعليم المالي المبكر، كما أن توجهات التنويع الاقتصادي في الخليج دفعت كثيرًا من الأسر إلى التفكير في مصادر دخل إضافية، مثل المشاريع الصغيرة أو الاستثمار الرقمي، وربما يعني ذلك أن الأسر باتت اليوم أكثر وعيًا بأن جودة الحياة لا تقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بمدى القدرة على تحقيق التوازن بين الحاضر والمستقبل، وارتفاع الوعي المالي، لم يعد الهدف مجرد تلبية الاحتياجات الآنية، بل بناء استقرار طويل الأمد. وبالإمكان الوصول إلى خلاصة مفادها أن الأسرة البحرينية والخليجية في مرحلة الإنفاق الأكثر وعيًا والقرارات المالية الأكثر نضجًا، أي تتقدم الأولويات بشكل مدروس نحو التخطيط بدلًا من الاستهلاك العاطفي.
Go to News Site