صحيفة البلاد البحرينية
حين شاهدت فيلم "فيورد" أو "فجورد" وهي منطقة تقع في أقصى شمال النرويج، للمخرج الروماني المقتدر كريستيان مونجيو، الحاصل على السعفة الذهبية عام 2007 عن فيلمه الرائع "أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان"، شعرت بحجم الألم والمعاناة التي يعيشها كثير من المغتربين العرب والمسلمين، في تعاملهم مع أطفالهم وسط اختلافات ثقافية وتربوية قد تضعهم في ورطة كبرى. وهنا نحن أمام عائلة مسيحية متدينة من رومانيا استقرت في النرويج؛ الأب روماني والأم نرويجية، ولديهما خمسة أطفال، ويواجهان تحديات كبيرة في التعامل مع المتغيرات التربوية ومحاولة الحفاظ على تماسك الأسرة. في الفيلم الكثير من المشاهد الرمزية التي يشتغل عليها مونجيو بذكاء واحترافية عالية، ونخص بالذكر مشاهد الانهيارات الثلجية، والرجل العجوز، وحالة التجمد التي تحيط بالمكان والزمان. في المشهد الاستهلالي لفيلم "فيورد"، يتشكل انهيار جليدي حقيقي في الخلفية، حيث يتراكم الثلج ويتدفق من أعلى تل خلف المدرسة في قرية نرويجية صغيرة مترابطة، قبل أن يتوقف في اللحظة الأخيرة دون أن يتحول إلى كارثة. وفي وقت لاحق من الفيلم يتكرر المشهد ذاته، هذه المرة قرب المدرسة وسط عاصفة بيضاء ضبابية، لكن أحدًا لا يكترث، إذ يتم اتباع الإجراءات المعتادة، ويتجه الجميع إلى الداخل، ويستمر اليوم كما هو مخطط له. لا تشكل الطبيعة العنصر الأهم في دراما كريستيان مونجيو الجديدة، رغم جمالياتها الأخاذة، بل إن الطبيعة البشرية هي مركز القلق الحقيقي في هذا العمل. فالفيلم، الذي يتناول النظام والمنهجية في مواجهة الفوضى الفردية، يستعرض المياه الممتدة والمناظر الجبلية الباردة بعين هادئة ومتأملة، فيما يبقى الإنسان، والأطفال على وجه الخصوص، محور انشغال هذا المخرج الكبير، الذي يدهشنا في كل عودة بإبداع جديد. الأعمال السابقة للمخرج الروماني مونجيو صُوّرت داخل رومانيا وبدعم رسمي يعكس مكانته الفنية، أما "فيورد" فهو أول أفلامه التي تُصوّر خارج بلاده، ويضم طاقمًا دوليًا متميزًا بقيادة النجم الروماني سيباستيان ستان، والنرويجية ريناته رينسفي. وكثيرًا ما واجه مخرجو السينما العالمية صعوبات عند خوض تجارب خارج أوطانهم، لكن رحلة مونجيو تبدو منطقية تمامًا، إذ انشغل جزء كبير من أعماله بقضايا العولمة والهجرة والفجوات الثقافية بين أوروبا الشرقية والغربية، ما يجعل "فيورد" امتدادًا طبيعيًا لمشروعه السينمائي. وقد لمسنا ذلك في أفلام مثل "خلف الجبال" (2012) و"التخرج" (2016)، حيث ظل موضوع الهجرة حاضرًا بقوة. لكننا هنا أمام معاناة المهاجر الروماني الذي يحمل معه تقاليده الدينية والاجتماعية إلى مجتمع جديد يختلف معه جذريًا. يشتغل فيلم "فيورد" على البحث في الثغرات الأخلاقية والغموض المعقد داخل الأنظمة التي تبدو أكثر تنظيمًا وتقدمًا في المجتمع النرويجي، وهو تحدٍّ يزداد صعوبة بسبب تصرفات الشخصيات القلقة والمربكة، التي تنتهك الأعراف الاجتماعية، وربما القانون أيضًا. وبينما تتحول قضية إساءة معاملة أطفال محتملة في بلدة صغيرة إلى قضية دولية يُنظر إليها باعتبارها شكلًا من أشكال الاضطهاد الديني، يبتعد سيناريو مونجيو المتقن، كعادته، عن أي استنتاج قاطع أو حكم نهائي. فهو يحرص طوال الفيلم على عدم الانحياز لأي طرف، ويبقى في المنطقة الوسطى، شاهدًا يراقب الألم وينقله للمشاهد. اختار ميهاي وزوجته ليزبيت قرية "فيورد" الصغيرة موطنًا لهما، وهي قرية تتميز بجوها الدافئ والمرحّب، حيث يعرف الجميع بعضهم البعض. جارهم ماتس، الذي يؤدي دوره ماركوس سكارث تونسيث، رجل عائلة ودود، وهو أيضًا مدير المدرسة التي يدرس فيها الأطفال، بينما يعمل ميهاي في وظيفة بمجال تكنولوجيا المعلومات تفوق مؤهلاته بكثير، لكنها واحدة من التضحيات المطلوبة للعيش في "جنة الشمال"، إضافة إلى ارتباطه بالكنيسة ومكانته فيها. بعد هذه المقدمات تبدأ الحكاية المحورية، حين حضرت إيليا، ابنة ميهاي وليزبيت، إلى حصة الرياضة وعليها كدمات، وذلك بعد يوم من شجار عائلي صوّره مونجيو بطريقة متقطعة ومربكة. شعر المعلمون بالقلق وسارعوا إلى اتخاذ الإجراءات القانونية، فتم إبلاغ خدمات رعاية الطفل، واستُجوبت إيليا وشقيقها إيمانويل. وعندما اعترفا بأن والديهما يعاقبانهما أحيانًا بالضرب الخفيف، تم على الفور وضعهما وإخوتهما تحت الرعاية الاجتماعية، وفقًا لما ينص عليه القانون النرويجي. وبسبب صدمتهما من هذا التحول المفاجئ، لم ينكر الوالدان الاتهامات، لكنهما دخلا في جدل لغوي وثقافي؛ فبينما لا يرى ميهاي أن "الصفع" مرادف لـ"الضرب"، لا ترى السلطات أي فرق بين الأمرين. وتبدو تلك النقطة، التي قد تبدو هامشية، وكأنها كرة ثلج تكبر تدريجيًا كلما استمرت التحقيقات واتسعت الهوة بين الطرفين. فقد تحولت الحادثة إلى بداية لسلسلة من الصدامات الثقافية، والاختلافات القانونية، والتحيزات الشخصية، وربما بعض المغالطات أيضًا. ولم يتضح أبدًا مدى تعمد ميهاي وليزبيت في إلحاق الأذى بأطفالهما، بينما جاء أداء سيباستيان ستان وريناته رينسفي متزنًا وقاتمًا، من دون محاولة لاستدرار تعاطف سهل من الجمهور، مهما كانت درجة ذنبهما. ومع تصاعد الفضيحة المجتمعية وتطور القضية وصولًا إلى القضاء، ناهيك عن "محكمة" وسائل التواصل الاجتماعي، بفضل مقاطع الفيديو التي ينشرها ميهاي على "يوتيوب" طلبًا للتضامن العالمي من الإنجيليين، تصل الأسرة إلى حافة الانهيار بعد سحب الأطفال، وبينهم رضيع، إلى مراكز الرعاية بحجة عدم أهلية الوالدين لتربية الأبناء. ورغم إصرار الأب على أن ما قام به يدخل ضمن التربية والانضباط، وأنه أكثر الناس حبًا لأطفاله وحرصًا عليهم، فإن الهوة تظل تتسع بينه وبين المجتمع الجديد. كل شيء يحدث في كل لحظة داخل فيلم "فيورد"، كما يليق بفيلم متناغم مع عالم يزداد فيه سوء الفهم والصراع، رغم وقوع الأحداث في قرية نرويجية جميلة بحجم بطاقة بريدية، تغمرها الثلوج والمياه وبرودة الجليد القاسية. وفي المشهد الأخير، يحصل ميهاي وزوجته على حق رؤية أطفالهما بحكم قضائي، لكنهما يواجهان لاحقًا محاكمة بتهمة الاعتداء على الأطفال، ما يعني احتمال ضياع الأسرة بالكامل. عندها يقرران أخذ أطفالهما والعودة إلى بلدهما، متحملين قسوة الظروف السياسية والاقتصادية، بدل البقاء في "جنة" تفصل بينهما وبين أبنائهما بسبب اختلاف المناهج الأخلاقية والتربوية. فيلم شديد القسوة، واضح وصريح، مكتوب بعناية واحترافية عالية، ويظل – كما أسلفنا – في المنطقة الوسطى، من دون انحياز مباشر، مكتفيًا بعرض اللحظة الإنسانية ومعاناة المهاجرين في بلاد الغربة.
Go to News Site