جريدة الرياض
لم تعد البيئة في المفهوم الاقتصادي الحديث ملفًا خدميًا أو نشاطًا جانبيًا، بل تحولت إلى عنصر أساسي في حماية الاقتصادات الوطنية وتقليل المخاطر السيادية المرتبطة بالمناخ والكوارث الطبيعية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة صياغة سياساتها المالية والتنموية وفق مفهوم "الاقتصاد الأخضر"، القائم على تحقيق النمو بالتوازي مع حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة. وفي المملكة، تتسارع التحولات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، من خلال مبادرات واسعة تقودها "السعودية الخضراء"، التي باتت تمثل مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا طويل المدى، يرتبط مباشرة بجودة الحياة، وجاذبية الاستثمار، ورفع كفاءة المدن، وتقليل كلفة التغيرات المناخية على الاقتصاد الوطني. ورصدت "الرياض" ضررًا اقتصاديًا عالميًا للتمويلات الضارة بالطبيعة، إذ كشف تقرير State of Finance for Nature 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التدفقات المالية العالمية الموجهة لأنشطة مدمرة للطبيعة بلغت نحو 7.3 تريليونات دولار، مقابل مستويات أقل بكثير للتمويلات الإيجابية للطبيعة، ما يعكس اتساع الفجوة بين الاستثمار البيئي والاستثمارات ذات الأثر السلبي على الموارد الطبيعية والمناخ. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار الأنماط الاقتصادية التقليدية يرفع من فاتورة الكوارث المناخية عالميًا، سواء عبر الفيضانات أو العواصف أو موجات الحر والتصحر، وهو ما ينعكس على تكاليف النقل والطاقة والصحة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، بينما تؤكد الدراسات الاقتصادية الحديثة أن الاستثمار في الحلول البيئية يقلل حجم الخسائر المستقبلية، ويرفع قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الأزمات. وفي المملكة، تبرز مبادرة السعودية الخضراء باعتبارها أحد أكبر المشاريع البيئية والاقتصادية في المنطقة، إذ نجحت المملكة في زراعة أكثر من 159 مليون شجرة، وإعادة تأهيل أول مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، ضمن مستهدفات تشمل زراعة 10 مليارات شجرة ورفع نسبة المناطق المحمية وتعزيز الغطاء النباتي في مختلف المناطق. كما رفعت المملكة نسبة المناطق البرية والبحرية المحمية إلى أكثر من 18 %، في وقت تتوسع فيه برامج التشجير الحضري، وحماية السواحل، ومشاريع الاستدامة المرتبطة بالطاقة والنقل وإدارة النفايات وإعادة التدوير، ضمن توجه يهدف إلى تحويل البيئة من ملف استهلاكي إلى قطاع اقتصادي منتج. فائدة اقتصادية ورأى مختصون أن هذه التحولات لا ترتبط بالجانب البيئي فقط، بل تمثل استثمارًا طويل الأجل في حماية الاقتصاد الوطني من المخاطر المناخية، خصوصًا مع التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، وقال الخبير الاقتصادي فالح المليحي: "إن البيئة المحيطة أصبحت تمثل "خط الدفاع الأول للأمن الاقتصادي السعودي"، موضحًا أن الدراسات الحديثة في تحليل الكلفة والعائد تشير إلى أن كل دولار يُنفق على حماية الطبيعة يمكن أن يجنب الاقتصاد خسائر تصل إلى 30 دولارًا في الناتج المحلي، نتيجة تقليل آثار السيول والتصحر والعواصف الرملية وارتفاع درجات الحرارة على قطاعات النقل والطاقة والصحة والبنية التحتية. وأضاف "إن الأرقام التي حققتها المملكة ضمن مبادرة السعودية الخضراء تعكس تحول البيئة إلى أداة اقتصادية لحماية النمو"، مشيرًا إلى أن زراعة أكثر من 159 مليون شجرة، وإعادة تأهيل مليون هكتار من الأراضي، ورفع نسبة المناطق المحمية إلى أكثر من 18 %، لا تمثل إنجازات بيئية فقط، بل استثمارات طويلة الأجل في تقليل المخاطر السيادية ورفع جودة الحياة وكفاءة المدن. وأبان بأن الاقتصاد السعودي يمتلك فرصة لبناء نموذج اقتصادي جديد قائم على "الحلول الطبيعية"، مثل التشجير وإدارة السيول وحماية السواحل والطاقة النظيفة، مبينًا أن هذه المشاريع تخفض فاتورة الكوارث والتعويضات بنسبة قد تصل إلى 40 ـ 60 % وفق نماذج الأمم المتحدة وبرامج UNEP وUNDP. وأشار إلى أن الاقتصاد الأخضر أصبح مصدرًا مباشرًا للتنويع الاقتصادي، خصوصًا مع وجود فرص استثمارية تتجاوز 450 مليار ريال في قطاع النفايات وإعادة التدوير، إضافة إلى نمو السياحة البيئية والقطاعات المرتبطة بالاستدامة، بالتوازي مع تجاوز مساهمة الأنشطة غير النفطية 55 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، مؤكداً أن دمج البيئة داخل الميزانيات والسياسات الاقتصادية لم يعد خيارًا تجميليًا، بل ضرورة لحماية النمو طويل الأجل، موضحًا أن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين تتحرك نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة، يعتمد على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الموارد القابلة للنضوب، عبر تحويل البيئة من بند إنفاق إلى أصل اقتصادي منتج. إعادة مفهوم التنمية وقال رجل الأعمال محمد الحماد: "إن المبادرات السعودية المرتبطة بالاستدامة والاقتصاد الأخضر باتت تدعم الاقتصاد الوطني بصورة مباشرة وغير مباشرة"، مشيرًا إلى أن رؤية ولي العهد محمد بن سلمان أعادت صياغة مفهوم التنمية ليصبح أكثر ارتباطًا بالاستدامة وجودة الحياة والتنويع الاقتصادي، مضيفا "المملكة لم تعد تنظر إلى البيئة بوصفها ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل كجزء من معادلة النمو المستقبلي، موضحًا أن مشاريع التشجير، والطاقة النظيفة، وحماية الموارد الطبيعية، ترفع من جاذبية المدن السعودية للاستثمار والسياحة والأعمال، وتمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات العالمية". وأشار إلى أن التحولات البيئية التي تقودها المملكة ستنعكس على الأجيال المقبلة اقتصاديًا واجتماعيًا، من خلال تحسين جودة الحياة، وخلق فرص استثمارية جديدة، ورفع كفاءة المدن، مؤكدًا أن الاقتصاد العالمي بات يقيس قوة الدول ليس فقط بحجم الناتج المحلي، بل أيضًا بقدرتها على بناء تنمية مستدامة طويلة الأجل. وقال العقاري حسين النمر: "إن تحسين البيئة والغطاء النباتي ينعكس بصورة مباشرة على السوق العقاري، إذ ترتفع القيمة الاستثمارية للمناطق التي تشهد تطويرًا بيئيًا ومساحات خضراء ومشاريع جودة حياة، مقارنة بالمناطق التي تعاني من التصحر أو ضعف البنية البيئية"، موضحا أن التجارب العالمية أثبتت أن المساحات الخضراء والتشجير الحضري يرفعان من أسعار العقارات وقيمة المتر، ويعززان جاذبية الأحياء والمشاريع السكنية والتجارية، مبينًا أن التحولات البيئية التي تشهدها المملكة ستسهم في إعادة تشكيل خريطة التنمية العقارية خلال السنوات المقبلة. وأضاف "إن تقليل التصحر وتحسين المشهد الحضري وتوسيع الرقعة الخضراء يعزز الطلب على المناطق السكنية والاستثمارية، ويرفع جودة المشاريع العقارية، مشيرًا إلى أن المستثمرين باتوا يربطون بين البيئة الجيدة والعائد الاستثماري طويل الأجل، خصوصًا في المدن الكبرى والمشاريع السياحية الجديدة". وتابع "الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارًا تنمويًا، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، في وقت تتحول فيه المبادرات البيئية السعودية إلى رافعة اقتصادية تدعم الناتج المحلي، وتحسن جودة الحياة، وتعزز جاذبية المملكة للاستثمار، ضمن رؤية تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية".
Go to News Site